Friday 4th June,200411572العددالجمعة 16 ,ربيع الثاني 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

انت في "عزيزتـي الجزيرة"

ما هي بأخطاء ولا بفاحشة ما هي بأخطاء ولا بفاحشة

في العدد (11566) قرأت مقالا في هذه الصفحة من جريدتنا الحرة، مبديا صاحبه بعض الملحوظات التي وقف عندها على مقالي المنصرم الذي بعنوان (أسلوبك ليس كما تظن..)، وذهب في رأيه إلى أنها (أخطاء فاحشة؟!!)، وأحمد الله الذي أجرى الحق على لسانه حين قال: (وإني أرى لزاماً مفروضاً عليَّ أن أحق ما أراه حقاً، وأبطل ما أراه باطلاً)، ذلك أنه يرى الرأي من تلقاء نفسه من خلال ما ظن أنه الأصوب، وهذا أمر أحسبه له لا عليه، وكم كان بودي أن يستطرد في هذا الابتداء، لا أن ينقض كلامه ليقول: (زعمه أن الجلوس إنما هو من اضطجاع والقعود إنما هو من قيام هو زعم باطل!!)، لقد رجع القهقرى وخالف ما ابتدأ به، هلا قال: وأراه زعماً باطلاً!!
وليعلم القراء أن صاحب المقال وقع فيما وقع فيه غيره من بعض أهل اللغة، وهو ما سأبينه- إن شاء الله-، وهو سهل ويسير على من ألهمه الله التبصر ودقة النظر في كتب السالفين، فقد أورد آيتين وبعض الأحاديث النبوية، وبالرجوع إلى معجمين لغويين ليقوي بها رأيه، ويحيل إلى كافة المعاجم اللغوية قاطبة، إذ يقول: وغيره من المعاجم) والصواب أن يقول: وغيرهما؛ لأنه ذكر معجمين فقط، وأيضا (وغيرها)، وكم هو مؤلم حين تقوم الأخطاء بالأصوب، فيأتي من يخطئ الأصوب، ليقع في خطأ أشنع من سابقه، فأقول:
أخي صاحب المقال، حفظك الله وأقال عثارك، وتولى توفيقك وحياطتك، وما يرتضيه منك، ويرضاه عنك، وألبسك رداء الفهم، وحسن استيعاب العلم لنقله والاحتجاج به، وبعد: أشكر لك قراءة مقالي السالف، والوقوف على ما أبديته من ملحوظات، فبهذه الطريقة أو بأخرى ينقل العلم، ويعلم بعد أن يستوي على الجودي، فيكون كالمحجة البيضاء، وقد علمت أنت أن نقدي المنصرم خاص في المقام الأول بالأسلوب الذي ننشده في كتاباتنا، أي الأسلوب المتذوق في جماله، وحسن سبكه، وكثرة مائه، وهو الأسلوب الذي يجب أن تثني عليه الرسائل بعد أن يصقل ويهذّب، لذا فإني سأقف على الملحوظات التي أوردها المداخل تباعا واطرادا، ليقف القارئ على الحق القويم:
1- رجع إلى ما سطره ابن منظور في معجمه اللسان وإلى القاموس، ورأى فيه أن البال له معان كثيرة، منها الحال والشأن والخاطر، وغيرها، وقد نص ابن منظور أن الكثير فيها للنفس، أما المعجم الوسيط فلم يذكر إلا أنها للحال والشأن، وعليه سار صاحب كتاب (تطهير اللغة من الأخطاء الشائعة) لمؤلفه محجوب محمد موسى، ص: 88 الجزء الأول، بلا طبعة أو تاريخ، وأعاد ذكرها في صفحة: 68، الجزء الثاني، وهم المرجعان اللذان أخذت منهما هذا المعنى، فلا مدخل له عليّ، وإنما الخصمان له هما المعجم الوسيط، وصاحب تطهير اللغة من الأخطاء الشائعة، وليعلم أن معجم لسان العرب لا تقوم به الحجة، وكذا القاموس، فالأمر فيه خلاف، وما كنت أعلم قبلا هذا، وهذه فائدة، ثم كثيرا ما يرد الخلاف حول كلمة من الكلمات، ونعم، سبقته إلى مد يدي إلى ما شئت من معجم، بل إلى كتاب آخر يؤازره، فلا يحق له أن يوهم القراء إلى أنه اطلع على كل المعاجم اللغوية إذ دون ذلك خرط القتاد، فعليه أن يدقق في لفظه، لا أن يخبط ثم يلزق، إذ يقول: (ولو أنه مد يده إلى ما شاء من معجم لوجد.. وغيره من المعاجم)، فأين العدل ونبذ الظلم الذي يتحدث عنه؟!- عفا الله عنه-، فقد وقع فيما زعم أنه منطلق منه، وما جنيت عليه، بل جنى على نفسه ولم يفطن، بل يصر على ذلك حين استشهد بالآية.
2- خطأني في أن الجلوس ليس بعد اضطجاع، وأن القعود ليس بعد قيام، واستشهد بالآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا....} الآية. ليعلم وكذا القراء أن الفعل (جلس) واسم الفاعل (جالس) ونحوه، لم يرد في القرآن الكريم، بل ذكر بعد القيام القعود، قال تعالى:{لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...} الآية، وقوله: {وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}، وقال تعالى: {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً}، فلم يقل المولى سبحانه: (الجالسون، أو اجلسوا مع الجالسين، أو فتجلس)، وعندما يشتق اسم المكان من الفعل فليس معناه أنه دليل على أن هذا الاسم قد ألزمنا تسمية التحول من القيام إلى القعود جلوسا؛ إذ قد تستخدم المجالس للاضطجاع فيها، وليس حصرا على القعود فقط، ولهذا فالعلة ظاهرة، وهذا إن شاء الله بين، وله مرجع، وسيأتي.
أما ما أورده من أحاديث نبوية شريفة فلا يحق له أن يستشهد بها على اللغة، وإنما يستشهد بها على الأحكام الشرعية، بخلاف المتأخرين، كابن مالك وابن عقيل وغيرهما؛ ذلك أن الأحاديث النبوية رويت أكثرها بالمعنى، وهو معلوم باطراد عند أهل اللغة والحديث، ولعله غاب عنه أن سيبويه وغيره من أئمة النحو من البصريين لم يستشهدوا على النحو واللغة بالحديث النبوي، ولعلي أنقل للقراء كلاما لأديبنا مصطفى صادق الرافعي، فقد أبان فيه ملخص بعض أقوال أهل اللغة في الحديث النبوي من حيث الاستشهاد فيه على اللغة، في مبحث (نسق البلاغة النبوية) يقول: (ليس كل ما يروى على أنه من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بألفاظه وعبارته؛ بل من الأحاديث ما يروى، لتكون ألفاظه أو بعضها لمن أسندت إليه في النقل، ولجواز الرواية بالمعنى لم يستشهد سيبويه أو غيره من أئمة البصريين على النحو واللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب، ولو كان التدوين شائعا في الصدر الأول، وتيسر لهم أن يدونوا كل ما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - بألفاظه وصوغه وبيانه؛ لكان لهذه اللغة شأن غير شأنها) (إعجاز القرآن، ص: 324، بلا طبعة، عام 1410هـ)، وهذا سفيان الثوري - رحمه الله - يقول: (إن قلت لكم: إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى)، وعلاوة على ذلك، فإن أهل الحديث يعلمون أن البخاري وغيره - رحمهم الله - كانوا كثيرا ما ينقلون بالمعنى، بل في كتبهم من الأحاديث التي لا تصل إلى درجة التواتر، وهم يقرون بهذا، كالحديث المتداول (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى..) الحديث، فقد انفرد به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ولعلي أحيل القارئ إلى كتاب (التتبع والالتزام) للدارقطني، وكتاب (هدي الساري) لابن حجر، ففيهما بعض الأحاديث الغريبة التي وقفا عليها، وفيهما تورع عن وصفها بالغريب، وبعدهما كتاب (تطهير اللغة من الأخطاء الشائعة) ص: 60 الجزء الأول، وص: 67 من الجزء الثاني، وهذا إن شاء الله يسير، ثم إن هذه الأحاديث الشريفة قلما تغيب عن أحد، لذا؛ فإن خصومه سيبويه، ومن نحى نحوه من أئمة البصريين في النحو، وسفيان الثوري، وصاحب تطهير اللغة، والرافعي، ومن ذهب مع رأيهم، على أن قضية الرواية بالمعنى معروفة ومقتولة بحثا، وإني لأتوق إلى رؤية الرد عليهم.
3- ذكر آية في أسلوب الالتفات، وهي من إعجاز القرآن، وليس لأحد أن يأتي بهذا الأسلوب إلا وجانب الفهم، وجانب توصيل الفكرة، ثم إن لأسلوب الالتفات في هذه الآية مسوغ، وهو ما دلت عليه الآيات السابقة لسياق القصة القرآنية، وقد ذكرت أنا أن صاحب زاوية (يارا) لم يأت بمسوغ لهذا الالتفات، بل سالك هذا النهج يكون غامض المعنى، وما رأى القراء لو قلت: ذهبت إلى المكتبة ثم اشترى بعض الكتب، علما أني لم أشر قبل حديثي، هذا إلى وجود أحد كان معي، أو التقيت بمن اشترى معي، ألا يكون هذا الحديث ضربا من الهذيان؟ بل لكنت أعجميا لا بعربي، ولعل القارئ يلحظ مثل هذا في بعض الكتب المترجمة إلى اللغة العربية ممن لا يحسنون التعريب.
أما البيت الشعري الذي استشهد به، ففيه أسلوب الالتفات، فليته لم يأت به، لا سيما أنه قال قبل البيت: (غير أني لا أستحسن الإكثار من ذلك) فكيف لا يستحسن، ثم يورد شاهدا بعد هذا الاستثناء؟ وبما أن صاحب المقال تحدث عن الظلم، فلم لم يأت بمسوغ هذا الالتفات، وإلا فهي كثيرة في كتب البلاغة، ومن السهل إيراد الاستشهاد بها، ولكن وجه الاستشهاد لابد منه؛ على أني احترزت حين أبديت الملحوظة على صاحب زاوية (يارا).
4- الذي أمامك هو الذي قد أعطاك ظهره، ولو وقف عند كلمة (إمام) من أين أتت؟ لعلم أنه الذي أمام جمع من الناس، وقد أعطاهم ظهره، فالإمام في الصلاة يعطي المأمومين ظهره، لأنه كالقائد لهم، فهل رأى أحد أو سمع بقائد يقود جيشه وقد أعطاهم وجهه؟ ومع ذلك فالمرجع هو كتاب (معجم الأخطاء الشائعة) لمؤلفه: محمد العدناني، باب الهمزة، وأعتب عليه حين عرض بعدم صدقي حين قال: (ولا أدري من أين هذا)!! هو كمن أخبر من عنده بمعلومة وهي صحيحة، فقال له: ما سمعت بهذا، فرد عليه قائلا: وهل سمعت كل العلم؟ قال: لا، قال له: فضع ما قلت لك في حيز الذي لم تسمعه!! فلعلك ترد على صاحب المرجع.
5- كلمة شباب مصدر وليست جمعا ولو قرأ جيدا وبروية ما جاء في المعجمين اللذين ذكرهما (وغيرهما) لعلم أنها مصدر، (شب يشب شبابا وشبيبة الغلامُ: صار فتيا) أما استشهاده من الحديث فهو كما بينته آنفا، وهو أن الحديث لا يستشهد به على اللغة على رأي من سبق، ولو جمع شابة لوجدها تجمع على شابات، فحق شاب أن يجمع على شبان، ويقولون (الشبان المسلمون)، وكأن هذا الجمع حكر على كلمة المسلمين، وأما الأبيات الشعرية فهي للضرورة الشعرية، لأنه يجوز في الشعر مالا يجوز في غيره، ولأن الشاعر لو قال الشبان لانكسر البيت، ولما استقام له الوزن، فقوله (في شباب) البيت من بحر المديد، وتفعيلة (في شباب) فاعلاتن، ولو قال (في شبان) لصارت التفعيلة فاعلتن، وليس في بحر المديد هذه التفعيلة، وكذا البيت الأخير (من شباب وكهول..) من بحر مجزوء الرمل، وقد جاء في الشعر الجمع على شبان، فعليه أن يتنبه لهذا، ومع هذا فالمرجعان كتاب (تطهير اللغة من الأخطاء الشائعة) ص: 42، الجزء الأول، ففيه ما يشفي، وللعروض كتاب (ميزان الذهب في صناعة شعر العرب) لأحمد الهاشمي، ففيه ما يغني.
وبعد: فأشكر أخي (فيصل) على ما أبداه، وأعتب عليه بالتسرع حين قال: إنها أخطاء ووصفها بالفاحشة، وبأن حديثي كان افتراء لحاجة في نفس يعقوب، وما مذهبي أن أنضي أخطاء سواي، ولا أن أتحلى بحلي مستعار، فأنضب معين الحق البواح، فنقدي لم يكن بهرجة ولا تزويقا، وإنما للتقويم البناء، ؟؟؟ صاحب المقال ما جاء به؟ إني إذا كهيئته في حرصه على إحقاق العدل، وليس هنا من مشقة، بل هو شيء قد اعتاد عليه من يتتبع حسيس البحث والتحري، فنقل العلم مسؤولية لا تغفل البتة، كما تسرني غيرته على اللغة العربية، ولكن الثبت بد مما ليس منه بد، وفرق بين معول البناء ومعول الهدم.
ولعل صاحب المقال استفاد من حديثي كما القراء، كما أخال أن الاستفادة من المراجع بحد ذاتها تعد أهمية كبيرة لمن أراد الوقوف على الأصوب، فلو اقتصرنا على المعاجم اللغوية لما رأينا فيها تعليلا شافيا، إذ إن المعاجم اللغوية في أغلبها تزودنا بالفائدة بلا تعليل أو عرض آراء وأوجه، فهي لمن أراد المعلومة السريعة وليست للاحتجاج؛ ذلك أن واضعيها ليسوا بصدد عرض الرأي الآخر، ومن ثمة لا مساغ لقبول الحجة انتزاعا من بطونها، وبما أن صاحب المقال كتب ما كتب من أجل محض اللغة الصرفة؛ فإن ما ذكرته قائم على البحث عن أصولها الأولى، وليعلم القارئ أن هناك الفصيح والأفصح، كما الأحسن، نحو قراءة الأعداد من اليسار إلى اليمين، والأفصح قراءتها من اليمين إلى اليسار، لكيلا نرجع في مسار قراءتنا المعهودة من اليمين إلى اليسار، مثل قراء هذه السنة الهجرية:
خمسة وعشرون وأربعمئة بعد الألف، ومقالي الأول قائم على الأسلوب الأفصح، وقد اتضح للقارئ أني قد أتيت بما هو مسطر في المراجع، فلستُ بحاطب ليل.
وليس بالمجهول ما لمقالي الأول من بعض الحدة في النقد الذي تجلت فيه بعض النتف من اللوم، على أني لفي مسيس الحاجة إلى رحابة صدر صاحب زاوية (يارا)، فقد عهدته كاتبا استماز بالخلق الدمث، لاسيما أنه قد اطلع على المقال قبل نشره، فأبدى الإذن في عرضه على القراء، وما ذلك إلا لقبول رأي الطرف الآخر، لعلمه الفائق أن هذا من أساسيات الصحافة، كهذه الجريدة في بلادنا، وكجريدة الأهرام والرسالة في مصر الشقيقة، إبان أدبائها العمالقة من مثل محمود شاكر والمزامنين له، وما علمي بإزائهم إلا كقُلامة ظفر.

أحمد بن عبدالعزيز المهوس


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved