Monday 9th August,200411638العددالأثنين 23 ,جمادى الثانية 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

انت في "مقـالات"

الحبر الأخضر الحبر الأخضر
بين الأنا والآخر
د. عثمان بن صالح العامر

مع كل انعطافة تاريخية نمر بها تطرح مقولة العلاقة بالآخر الحضاري، وإلى أي مدى تعد ضرورة لمواكبة العصر والركب الحضاري؟ وهل ينبغي أن نغلق على أنفسنا الأبواب والنوافذ حتى لا يتمكن هذا الآخر الحضاري من اختراقنا والتسرب إلينا في منظومتنا القيمية، أم تنفتح الأنا الحضارية على الآخر في إطار التواصل الإنساني اللازم لاستمرار الحياة؟جدلية قائمة ودائمة بين ما يحدث من أحداث وتحولات في واقعنا الداخلي كأمة وبين الفعل التأثيري للآخر سياسياً كان واقتصادياً أو ثقافياً وفكرياً.
وما بين الرفض المطلق أو القبول المطلق للغرب (الآخر) فضاء كبير على ساحة الفكر والثقافة تعددت مناهجه وتنوعت رؤاه وتباينت نتاجاته كمشروعات فكرية أسس لها مفكرون، وتكونت لها مدارس جمعت بين أتباعها والمدافعين عنها والمطبقين لمضامينها ومعاييرها، وتفاوتت هذه الرؤى بين رؤى تتسيد وتهيمن بما يتاح لها من إمكانات وقوى مساندة، ورؤى أخرى تفند وتنقد وتعارض في محاولة لبناء أنماط من الوعي واتجاهات مضادة.
ومع العديد من الإخفاقات والانكسارات العربية والإسلامية التي تعددت مظاهرها في الوقت الراهن، وتكرس مفهوم صدام الحضارات على ساحة الفكر العالمي، وسقوط المعسكر الاشتراكي الشيوعي من حلبة الصراع، والخلل العالمي الناتج عن أحادية القطب، وانهيار التطبيقات الحقيقية لمواثيق وفعاليات المنظمة العالمية، كل ذلك جعل العالم العربي والإسلامي يشكل قطب الرحى في حركة العالم المعاصر، فمعظم الهزات والتقلبات التي عرفها العالم في العقود الأخيرة كان محلها وساحة انطلاقها أو تجلياتها عالمنا العربي والإسلامي، وإن تم تخطيط معظمها خارج مجال نفوذه.
وأدى ذلك إلى طرح القضية (قضية الأنا والآخر) بقوة في الوقت الراهن في إطار دعوات مؤسسية (سياسياً وفكرياً وثقافياً) تسعى إلى تشخيص الواقع وتفسير المشكلات المعاصرة سواء اعتبرت وليدة المؤامرات والمخططات الخارجية (الغربية) التي تسعى باستمرار إلى إجهاض حلم التقدم واختراق جدر الأمن الثقافي والهوية الإسلامية وتدمير كل الإمكانيات والقدرات المتوافرة في هذا المجال، أم اعتبرت من صنيع عوامل داخلية تعيش وتنمو في جسم الأمة (الذات) فعلت فعلها في إجهاض وإفشال تطلعات الأمة ومشروعاتها.
إن تجاهل البُعدين أو أحدهما لا يوصلنا إلى فهم حقيقي ووعي دقيق للمسيرة أو التجارب التي مرت بها الأمة، وإنما سيبعدنا عن أدوات التحليل السليم ويجعلنا أسرى لتفسيرات تزيدنا وهماً وبُعداً عن الحقيقة.
فالداء الحقيقي والأزمة الكبرى التي تواجه واقعنا المعاش لا يرجع إلى مؤامرات الآخر، مع ما لهذه المؤامرات من دور خطير وخبيث، ولا يرجع فقط إلى (الذات) وهامشيها بعيدة عن متطلبات المشاركة والمساهمة الإيجابية في أحداث العالم، فمن يكتفي بلوم الآخر لا يدرك فنيات الصراع والتحاور كآلية لإدارته.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي الفكري بالذات وبالآخر ومنهجية التعامل معهما في عملية التشخيص الحي لكيفية تعاملنا مع الآخر وكيفية تفاعله مع نفسه وكيفية التعاطي والتبادل وكيفية النضال والحوار مع الآخر.
إن البحث خلف المعاني الكامنة في هذه الكيفيات تتعدد مجالاته ومساراته بتعدد أشكال الواقع وأدبيات الطرح.
وتحقيق ذلك مشروط بالانطلاق من أرضية للفهم ومنطق لتناول العلاقة بين الشرق والغرب (الأنا والآخر)، التي اتخذت أبعاداً مختلفة على مدى حقب تاريخية ممتدة، وتجسدت في تخصصات فكرية وسميت بعلمي الاستشراق والاستغراب.
وإنني أجدد الدعوة هنا لعمل مؤسس متخصص من أجل فهم أعمق، ورؤية أشمل، وإدراك أوسع لآلية التفكير عند الآخر، كل ذلك من أجل حضور حضاري أكثر فاعلية وأعمق أثراً.


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved