Wednesday 20th October,200411710العددالاربعاء 6 ,رمضان 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

انت في "مقـالات"

الخلل.. وفوارق التوقيت الخلل.. وفوارق التوقيت
إبراهيم عبد الرحمن التركي

(1)
** يُروى أن حاكم مقاطعة (شي) تباهى بأحد مواطنيه من ذوي الاستقامة إذ سرق أبوه خروفاً فأبلغ عنه.. وكان رد (كونفوشيوس) أن (المستقيمين) يحلّون أمورهم بشكل مختلف.. فأبٌ يقي ابنه، وابن يقي أباه..!
** قيمةٌ تتسق مع الإطار (العلني) لدعوات هذا المصلح الآسيوي، فلم يتردد حين سئل عن خدمة الوطن والمسؤول أن يطلب قول الحقيقة ولو أغضبت..! (التنمية حرية/أماريتا صن/عالم المعرفة/أيار 2004- ص278)
** هل نستبضعُ التمر إلى هجر..؟.. لا ريب فلم يقلْ حكيمُهُم غير ما قالته حكمتُنا، وما تجاوزه ديننا الذي عدّ (الصِّدق) هادياً إلى البر و(النَّصيحةَ) هي الدين..!
(2)
** في ممارسات (النُّخَبة) ما يتقاطع مع (الحكم) و(الحكمة)، ويؤمن من يتعاملُ مع كثير منهم أنهم يجيدون التهويم دون أن يستطيعوا الهبوط.. فأفكارهم مثاليّة، ووعيُهم عريض، وتحليلُهم منطقي.. لكنهم.. إما بعيدون عن (الواقع) ببحوثٍ نظريّة مجردة.. أو هاربون منه خلف أبوابٍ موصدة..!
** ليس أسهل من التنظير حين يتكئُ بعضُنا على مسندٍ وثير فيرى فيما يراه النائم اليقظ.. أو اليقظ الحالم أن صلاحَ الأمة بالتغيير، ويبدأ في سردِ توصياته لنقل الحال وتعديل المآل..!
** يتفق (المفترقون) إذْ يُجمعون على سوء الحاضر، وضرورة البحث في آفاقِ الآتي عن حلولٍ حازمة حاسمة.. ثم يفكر كلُّ فريق بأسلوبه ومنهجه وانتمائه..!.. ونقرأ ونسمعُ العجب..
** ينفصل (المثقف) (هنا) عن واقعِه، ويندمجُ في الدور الذي يفرضُه عليه توجهُه، فتغرق ثلة في الذات، وثانية في الآخر، وثالثةٌ في الماضي، ورابعةٌ فيما بين ذلك ووراءه، وتتفاقم الأزمات ويتيه العلاج..!
** يبحثُ بعضُهم عن استعادة الزمن الفاضل أيام الأوائل، ويفكر آخرون في بتر الوشائج مع التراث، وتجذير الروابط مع الغريب، وبينهما توفيقيون يدركون استحالة الحلم وتهادي الوهم.. فلا الزمن يعود ولا الاستلاب يقود، لكنهم لا يستطيعون صناعة مشروعٍ بديلٍ قادرٍ على الصّمود..!
(3)
** في مثقفينا من يغيبُ عن ناسِه فينادي بثورةٍ جامحةٍ تُطيح الأساسات (الموروثة): ديناً أو عرفاً أو تقاليدَ لكي ننطلق في فضاء المستقبل، وفي مقابلهم من يود مدّ هذه الأساسات دون تمييز هويتها لتصبح سياجاً يحيط بحركة المجتمع، وينسى أولئك - كما أولاء- أن البناء (الحضاري) رهن بمجموعة عوامل.. تتداخل لمنح صفةِ القدرة على التغيير..!
** ثمةُ (قادةٌ) استثنائيُّون يستطيعون صناعة الغد متكئين على شخصياتهم الفذة، وفي تاريخنا وتاريخ سوانا نماذجُ منهم لا تحتاجُ إلى استعراض..!
** يظلُّ هؤلاءِ قلة لتبقى المؤشراتُ العريضة مشمولةً بحركة التاريخ التي تستجيب لفعل (التطور) و(الثبات) و(التدهور) عبر (ثلاثية) تتوالى فلا تدوم حالٌ واحدة بل تتعدد الحالات..!
** ومنذ زمن بحث (المفكرون) في أسباب التأخر العربي - الإسلامي، وسعى بعضهم لترجمة تجارب الآخرين استهداءً بها، وحرص آخرون على إعادة قراءة التاريخ استلهاماً منه، وظلّ كل فريق حريصاً على توصيف العلاج وفقاً لمنطقه.. (فالماركسي) يعودُ إلى القوى المنتجة، و(الوجوديّ) إلى الفلسفة، و(التراثي) إلى الماضي،.. وهكذا..!
(4)
** وجد المتابعون أنفسهم أمام رِكام تجارب متضادة يُحاضر فيها (سارتر وكامو وماركس وانغلز وغرامشي ورسل وديكارت وروسّو ومونتسكيو ونيتشه)..، ومعهم (ابن رشد والغزالي وابن عربي وابن تيمية وابن القيّم وسيد قطب والقصيمي وبدوي والمودودي والعالم والجابري وطرابيشي).. ومئات سواهم..!
** ووجدوا أن ما يراه هذا حلاّ يراه ذاك خللاً، وما يُصلح الأمة في نظر نفر يفسدها في نظر سواهم، وكوّن كلٌ منهم أشياعاً اختصموا دون احتمال تقارب أو توقع لقاء..!
** لم تعد فكرةُ النهضةِ حلماً، فقد نسيها الأتباع وبات محورُ اهتمامهم الانتصار لمبدأٍ اعتنقُوه واقتنعو أنه (الغاية) رغم أن (مشايخهم) قد وضعوه وسيلة..!
** لهذا دون غيره تعثرت مشروعات الإصلاح، فقد تحطمت أصنام قريش لتأخذ مكانها أصنامٌ بشرية قولُها هو الحق.. والخلاف معها هو الباطل..!
(5)
** (عواصف) تقتلعُ نوايا (الإصلاح).. يهبُّ بعضُها من خارج (المكان)، وبعضُها من داخله، ونتقدم خطوةً ثم نرتد خطوات..!
** ويزيدُ ضِغْثاً على إبّالة من يجهل أو يتجاهل فوارق التوقيت فيعيد الساعة إلى الوراء أو يقفز بها إلى الأمام..!
** وفي مثل عابر حدَّث من يُوثق به أن فكرة ضم الأولاد إلى البنات وتدريسهم معاً في المرحلة الأولية (أي حتى الصف الثالث أو سن التاسعة) وإيكال الأمر إلى النساء قد طرح من ذوي الفضل القائمين على رياسة تعليم البنات قبل أكثر من ثلاثين عاماً.. وقال إن هذا موثق في مكاتبات رسمية تجاوزت إطارَ النية إلى التنفيذ لولا عوائق في اللحظات الأخيرة..!
** تصوروا أن قراراً يصدر بمثل هذا الأمر هذه الأيام.. وردود الفعل الغاضبةِ المتوقعة.. فهلْ نلجأ للأمس.. أم نؤجل الجهر به.. بل وحتى الهمس..؟..!
** وقبل سنوات طويلة.. كان في البلاد (سينما) يعرفها من سكن جدة والرياض، ومنها ما كان في (أبحر) و(الأندية الرياضية)، وبعض المنازل الكبيرة، وهاهي تطرح اليوم على استحياء بل بخوف.. فهل الخلل فيما كان.. أم فيما هو كائن..؟ ومتى يكون التوقيتُ مناسباً..؟ وهل يستطيع من يقفل الحوار اليوم أن يقفله للأبد..؟
** مثلان في الإطار الاجتماعي المحدود يصلحان إشارةً لما يمكن أن تذكرنا به أمثلة أخرى، فقبل عشرين عاماً فشلت ندوة (تنسيق السياسات التعليمية في المملكة) التي نظّمها معهد الإدارة لأن أحد الباحثين قد طالب بدمج رياسة تعليم البنات مع وزارة المعارف، وخرجت الندوة باتهامات ودون توصيات.. ثم تمّ الدمج متأخراً سنوات.. فأين كان الخلل..؟ أفي توقيت المتقدمين أم في قرار المعترضين..؟
** والإصلاح السياسي والاقتصادي والتشريعي لا يختلف عن الإصلاح الاجتماعي، وما كان متعذراً طرحُه قبلاً أصبح مطبقاً الآن، و كثير من علامات استفهام اليوم ستكون مثار استغراب في الغد..!
(6)
** هنا تبدو المشكلةُ انتماء غير واعٍ لتوجهات ضيقة الأفق من (المتطرفين) في كل التوجهات مأسورةً بأدلجةٍ إقصائية.. ترى فكرها الوحيد ومفكرها الأوحد..!
** عاش العالم العربي في فترة الخمسينيات والستينيات شعارات الثورة، ثم رفع -في السبعينيات والثمانينيات- شعارات النهضة، واختلط الأمر - منذ التسعينيات- عبر شعارات تصف نفسها بالعقلانية حيناً.. والتنويرية حينا، وتنتمي إلى (التحررية) لدى فئام، و(السلفية) لدى فئام، وترتبط (بالسلطة) في آن و(المعارضة) في آن.. ليخرج جيل عربيٌ لم يرث (الهزيمة) وحدها بل انحدر إليه معها (الضياع)..!

* الإصلاح عقل..!


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved