Wednesday 20th October,200411710العددالاربعاء 6 ,رمضان 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

انت في "الرأي"

أسرار ما وراء القضبان أسرار ما وراء القضبان
العنود بنت عبد الله (*)

أجبرتني ظروف العمل أن التقي بأخوات تائبات بعد خروجهن من دار الرعاية للفتيات ، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتهن ويعفو عنهن ويغفر ذنوبهن ويسدد خطاهن .. التقيت بهن وفي وجه كل واحدة منهن مسحة حزن وألم وندم .. وبعد جلسة مصارحة يرجعن سبب دخولهن الدار الى قضايا أخلاقية.
وطمأنتهن بأن الله جل وعلا يغفر الذنوب جميعا برحمته ما عدا الشرك بالله سبحانه وتعالى والتائب من الذنب كمن لا ذنب له .. وبعد أن استمعت إلى قصة كل واحدة منهن ترجع السبب الأول والأخير إلى الأسرة وبالذات الأم التي أهملت رسالتها في الحياة من اهتمامها ببيتها وفلذات كبدها.
وبعد ان انتهت جلستي معهن طلبت منهن ان اعرض قصة كل واحدة منهن لتكون عبرة لغيرهن من الفتيات ، فرفضن طلبي ما عدا اثنتين سمحا لي بنشر قصتهن حتى تكون عظة وعبرة لمن حاولت ان تسلك هذا الطريق ..
القصة الأولى
تقول إحدى التائبات كنت فتاة محافظة ومجتهدة في دراستي ومن الأوائل على طالبات مدرستي .. لكن في بعض الأحيان تعتريني بعض الهموم والمشاكل في المدرسة مع البنات أو في طريقي وأنا عائدة من مدرستي من معاكسات .. عندما أريد أن أبوح ما يجول في خاطري لا أجد في البيت من يتسع صدره لسماعي أو مناقشتي .. وعندما أريد ان جلس مع والدتي تقول ليس عندي وقت لسماع مثل هذه التفاهات .. إلى أن وقعت في حب شاب اسمعني كل كلمات الحب التي افتقدتها في منزلنا ومن أسرتي .. كان كلامه بلسما لجراحي .. وإنصاته واستماعه لمشاكلي أعطاني إحساسا بقيمتي ووجودي في الحياة .. بعد كنت مهمشة في محيط أسرتي .. تكررت المكالمات ومن بعدها تبادل الصور ثم تطورت العلاقة إلى الخروج معه .. إلى أن وقعت في قبضة رجال الحسبة .. أيدهم الله وسدد خطاهم وحماهم الله من كل مكروه.
القصة الثانية
تقول صاحبة القصة .. كان دخولي لدار رعاية الفتيات بسبب انتقامي لوالدتي من أبي .. وتبدأ أحداث القصة انه في ليلة من الليالي خرجت من غرفتي .. وأرى والدتي غارقة في دموعها على مصلاها تناجي ربها في هزيع الليل .. وهي إنسانة صالحة - في الليل قائمة - وفي النهار صائمة.
وعلى الطرف الآخر أرى أبي ممسك بسماعة الهاتف غارق في كلمات الحب والهيام مع امرأة .. شتان ما أراه من أمي المسكينة - وأبي الذي استغل طيبة والدتي - وتكرر المشهد أمامي وتابعت تحركات وتصرفات والدي .. فأوغر هذا صدري وان انتقم لأمي المسكينة .. التي لا أريد أن تعرف بخبر والدي الخائن فتصاب بصدمة نفسية ..
فقررت في حالة طيش ان انتقم لأمي وتعرفت على شاب عن طريق إحدى الصديقات وليس هذا رغبة مني ولكن حبا في الانتقام من والدي .. تكررت المكالمات - ومن ثم اللقاءات - إلى ان وقعت في قبضة رجال الحسبة .. انتهى كلامها.
انه أمر مؤسف - أمر يندى له الجبين - وإذا أردنا تحليل هذا التصرف المؤلم من الفتاة نجد انه منعطف خطير .. أمر غير مألوف - تهتز له القلوب - تشمئز منه النفوس ..
الفواحش من أضر المحرمات وأشنعها وأكثرها شدة وأفظعها ولهذا كان تحريمها والنهي عنها ديدن كل شريعة سماوية وكل خلق طاهر قال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنََ } ، سورة الأعراف آية 33
الله سبحانه وتعالى فطر الإنسان على ميل كل جنس للآخر ، لكن الله جل في علاه نظم علاقة كل منهما بالآخر بالوسائل الشرعية .. الشيطان دائماً لإغواء الإنسان وهلاكه بشتى الطرق وذلك بتزين المعصية له وإغرائه بارتكابها لكي يعرضه لسخط الله وعقابه .. ان الإنسان غالبا ما يكون ضعيف الإرادة أمام الشهوات والرغبات ..
يقول فضيلة - الشيخ سعود الشريم - إمام وخطيب المسجد الحرام .. النفس مثل كلب السوء متى شبع نام وإن جاع بصبص إليك بذنبه ، والمعلوم والمشاهد أنه متى قوي عزم المجاهدة للنفس لانت له بلا حرب - إن النفس إذا كانت تهوى وتشتهي والمرء ينهاها ويزجرها كان نهيه إياها عبادة لله تعالى يثاب عليها ..
قال صلى الله عليه وسلم وسلم (المجاهد من جاهد نفسه) رواه الترمذي قال : حسن صحيح.
وقد نشرت إحدى الصحف دراسة ان جرائم النساء في المملكة العربية السعودية تتزايد ، وأنها شهدت ارتفاع خلال السنوات الماضية وكشفت الدراسة عن تصدر الجرائم الأخلاقية بنسبة 50% ..
وهنا نتساءل يا ترى ما هي الأسباب التي أدت إلى انحراف الفتاة ..!!؟؟
- وجود الفجوة بين الفتاة ووالديها - فأصبح المحيط الأسري كصحراء قاحلة يقتلها الجفاف ، فهي بحاجة إلى من يسقي تلك الصحراء لينبت العشب والكلأ .. يعيشون تحت سقف واحد ومع ذلك كل واحد بعيد عن الثاني تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ..
الجهل بمعنى وأهمية الحوار مع الأبناء .. والحوار هو عصب الحياة العائلية .. ان إقامة الحوار الدافئ مع الأولاد يزرع مشاعر الحب ويثمر علاقة وطيدة بين الوالدين والأولاد ..
- فقد لغة الحوار العائلي في جو الأسرة بسبب انشغال الوالدين في زحمة الحياة والمشاكل الأسرية ، وهروب الحب من الحياة الأسرية وانتشار وسائل الإعلام التي جعلت الأسرة في معزل عن بعضها ، وهذه كلها عوامل أدت إلى ان الوالدين لا يستطيعان ان يقيما مع الأبناء حوارا عاطفياً ..
- تجاهل مشاعر الأبناء واحتياجهم للاحتواء وحاجة الأبناء إلى من يغذي قلوبهم ومشاعرهم أهم من حاجتهم إلى تغذية أبدانهم.
- عدم اهتمام الوالدين ومعاملتهم بقسوة وجفاء مع الأبناء واستعمال الكلمات اللاذعة الساخرة .. والناقدة الجارحة ..
- الدعوة إلى الحرية الزائفة والتمرد على أحكام الدين.
- ضعف التربية الصالحة سبب مباشر لارتكاب المحرمات وفساد التوجيه وقلة الرعاية في الأسرة ونقص الإرشاد الديني ، وان ما يقع فيه الأبناء والبنات من نقص في الوعي وتأخر في النضوج الفكري والفقهي ، فللوالدين إسهام في ذلك بعدم تواصلهم معهم.
- الرفقة السيئة .. لذا ندعو الآباء والأمهات إلى حسن تربية أولادهم وتعريفهم بالرفقة الصالحة وبذل الوسائل المختلفة في إصلاحهم يقول الله تعالى : { الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } الزخرف آية : 67 -
العلاج
- الإيمان .. الغاية الحقيقية هي عبادة الله سبحانه وتعالى - والسعادة هي الحياة الطيبة وحقيقة الحياة الطيبة انشراح الصدر والإيمان بالله .. والأسرة يجب ان تقوم على قواعد ثابتة وأصول راسخة من الدين والخبرة والعلم والعمل ، وان تصاغ حياة الأبناء بما ينبع من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
- محبة الله .. وهي من أعظم محركات القلوب فالقلب إذا خلا من محبة الله تناوشته الأخطار والأحزان والهموم ولا يغني هذا القلب ويفرج همه إلا عبادة الله عز وجل ومحبته ..
- التوبة .. سبب نور القلب ومحور أثر الذنب .. والذنوب واردة على كل مسلم ولكن لابد لها من توبة فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب واستغفر صقل قلبه منها) الحديث رواه احمد الترمذي وابن ماجه والحاكم وهو في (صحيح الجامع 1666).
- غض البصر .. لأنه سبب كل شهوة قال تعالى : { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } النور آية : 3
يقول ابن القيم رحمه الله : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم ، ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرح ، فإن الحوادث مبدؤها من النظر فتكون نظرة ثم خطرة ثم خطيئة ولهذا قيل : من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه اللحظات والخطرات واللفظات .. النظرة بمنزلة الشرارة من النار تسري في الحشيش اليابس فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه ..
- الزواج المبكر .. وللزواج المبكر إيجابيات وهو الراحة النفسية والفيزيولوجية نتيجة تلبية الفتاة لرغبتها الغريزية التي تكون في هذه السنة في أوجهها ، واستقلال الفتاة بشخصيتها وكثير من الدراسات الانثربولوجية والنفسية تبين ان حاجة الإنسان إلى الزواج حاجة تظهر مبكرا ويكون في عنفوانها وشدتها عند المراهقة والزواج حصن مانع من الوقوع في الحرم ..
- فتح أبواب الحوار الصريح الشفاف .. الحوار يتطلب شفافية ومصارحة ومصداقية حتى يصل بالأبناء إلى ساحة الأمن الأسري .. ولابد من توسيع دائرة الاتصال الفكري المتبادلة بين الأبناء والوالدين ، والبعد عن التجهم لأسئلتهم سواء البنت أو الولد وتجاهل استفساراتهم وسعة الصدر للحوار الهادئ وقبول النقد الهادف ..
ان الاستماع إلى الأبناء يزيد من أواصر المحبة والتقارب الروحي والعاطفي والاستماع إليهم يؤدي إلى تفريغ ما بداخلهم من شحنات ، وان لم يستمع إليهم فانهم سيضطرون إلى البحث عن أشخاص يستمعون إليهم ..
الأم محتاجة إلى التعامل مع ابنتها نفسيا وجسدياً فيجب ان تعرف كيفية التعامل معها ، ويجب على الأم أن تتوغل في نفسية ابنتها ومعرفة ما يدور في داخلها وان تضع نفسها في مستوى ابنتها والتحدث معها بطريقة تجعلها تحس بالأمن .. فالفتاة تريد الاحتواء والتفهم الصحيح لمشاعرها ..
- الاهتمام بالجوانب النفسية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والتنشئة الاجتماعية حتى يشبوا مواطنين صالحين .. والتربية السليمة هي الوقاية من التخبط فيما يعج به المجتمع من الأفكار المضللة وتوجيههم الوجهة المستقيمة ، وإبعادهم عن كل أنواع الانحراف وضرورة تحصينهم وحمايتهم من الأفكار الدخيلة فلا يتركوهم لأصحاب الأفكار الهدامة .. وتوعيتهم وتبصيرهم بما يحميهم من التخبط في أوحال الرذيلة ، والتوجيه المباشر من الوالدين بالتركيز الدائم على التعاليم الدينية وتأصيل ذلك في نفوسهم وخفض الجناح لهم والرفق في توجيههم ونصحهم والصبر على يبدر منهم.
- تحقيق الأمن الشامل في الأسرة مسؤولية عظمى وأمانة كبرى يتحملها الآباء والأمهات ، وان أمن الأسرة واستقرارها مرهون بسلامة مزاولتها لأوامر الشريعة الإسلامية .. والأسرة مطالبة بتأسيس حياتها على منهج الإسلام والبعد كل البعد عن المخالفة للشرع نهجا وقولها وفعلا ، وذلك أساس لتحقيق الأمن .. وحاجة الأبناء إلى الاستقرار الأسري ضروري أحوج إليه من حاجتهم إلى الطعام والشراب ..
يشترك جميع أفراد البشر في الحاجة إلى الاستجابة العاطفية والحب والمحبة وهي من أهم الحاجات النفسية اللازمة لصحة الفرد النفسية ..
- شغل أوقات الفراغ بما هو مفيد ومساعدة المراهقين في تكوين فلسفة ناضجة للحياة ، والعمل على تحقيقها بمهارة حتى يتحقق النجاح في الحياة بصفة عامة ..هناك مآسٍ كثيرة خلفتها لنا المعاكسات الهاتفية وليست المشكلات كلها مشكلات الأبناء والبنات ، ولكنها أيضاً مشكلات الوالدين الذين يضيقون ذرعا بأولادهم الذين تختلف أفكارهم عن أفكار أولادهم ..
على المربين من آباء وأمهات ان يقوموا بإعطاء السكن النفسي والحماية الاجتماعية والتوجيه والإرشاد ، ودراسة الأمر دراسة موضوعية يتعين ان تدرس هذه الظاهرة دراسة متأنية فاحصة ننتهي فيها إلى حل المشكلة من أساسها بالتعرف على أسبابها وعلاجها ، وذلك بالعناية بتربية الأبناء والتعرف على ما يواجههم من مشكلات ..
رسالة إليك أيتها الفتاة
اعلمي مدى الثقة التي تمتلكينها وأنت تحظين بعبارات الحب والهيام والإعجاب وتعيشين نشوة الشعور والسعادة .. لكني صدقيني ان أيا من هؤلاء الشباب حتى لو كان في حالة حب وهيام يفكر ألف مرة قبل الاقتران بفتاة خرجت معه .. أدركي زهرة شبابك بالرجوع إلى الله ولا تبدلين أسوارك الأنيقة بقيود حديدية قبيحة ..
العفة سلوك ينبع من النفس الطاهرة - النفس الصالحة - هي البرنامج الوحيد لكل إصلاح .. كل منا يحيد ويخطئ وينسى في لحظات الغفلة ربه .. لكن أنت مسلمة فيك بذرة خير .. والله أعطاك العقل الذي هو من اكبر نعم الله على الإنسان ، به يميز بين الخير والشر والضار والنافع به يسعد في حياته وينتظم المجتمع الإنساني.
لا تصبحي ألعوبة في أيدي أهل الشهوات .. من خلال مخططاتهم وحملاتهم المستعرة ضدك ..
وأخيراً إليك أيتها الأم وأنت أيها الأب :
أطلب من الآباء والأمهات ان يفتحوا قلوبهم لأبنائهم وحل مشاكلهم ومراقبتهم وان الله سيسألكم عن أبنائكم - رعايتهم ومتابعتهم والاهتمام بهم وليس في الملبس والمأكل فقط ، بل في التوجيه السديد والتربية الصالحة وتجنب رفقاء السوء.
يقول الله جل وعلا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } التحريم : آية 6
أبناؤكم أمانة عظيمة وعليكم المحافظة عليها .. حولنا بحر متلاطم من الأفكار والآراء وطلاب الفتنة ، وان ما حل بنا اليوم من ويلات ونكبات ما هو إلا نتيجة لسلوك الانحراف والبعد عن المنهج الشرعي.

(*) الرياض : 11345 ص.ب : 381146


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved