Wednesday 20th October,200411710العددالاربعاء 6 ,رمضان 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

انت في "رمضانيات"

مذاهب الناس في الأكل مذاهب الناس في الأكل
د. زيد بن محمد الرماني (*)

سئل أعرابي - كما في الإمتاع والمؤانسة - عن حد الشبع؟! قال: أما عندكم يا حاضرة فلا أدري، وأما عندنا في البادية: فما وجدت العين وامتدت إليه اليد، ودار عليه الضِّرس وأساغه الحلق وانتفخ به البطن واستدارت عليه الحوايا واستغاثت منه المعدة وتقوست منه الأضلاع والتوت عليه المصارين وخيف منه الموت!!
وقد أحسن شمس الدين محمد بن طولون الصالحي رحمه الله في كتابه (دلالة الشكل على كمية الأكل) عندما بيَّن حكم الإسلام في الأكل فوق الشبع.
حيث أكد رحمه الله أن الأكل فوق الشبع يحرم، إلا إذا قصد التقوّي على صوم الغد، أو لئلا يستحي الضيف. كما لا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء العبادات، ومن فعل ذلك آثم.
وفي كتاب (الاكتساب في الرزق المستطاب) لمحمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تفصيل وبيان حيث يقول ابن الحسن رحمه الله: ثم السرف في الطعام أنواع، فمن ذلك الأكل فوق الشبع، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، فإن كان لا بد فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس)، وقال عليه السلام: (يكفى ابن آدم لقيمات يقمن صلبه)، ولا منفعة في الأكل فوق الشبع، بل فيه مضرّة، فيكون ذلك بمنزلة إلقاء الطعام في مزبلة أو شراً منه.
ولأن ما يزيد على مقدار حاجته من الطعام فيه حق غيره، فهو في تناوله جانٍ على حق الغير، وذلك حرام. ولأن الأكل فوق الشبع ربما يُمرضه، فيكون ذلك كجراحته نفسه. إلا أن بعض المتأخرين رحمهم الله استثنى من ذلك حالة إذا كان له غرض صحيح إلى الأكل فوق الشبع، فحينئذ لا بأس بذلك، بأن يأتيه ضيف بعد تناوله مقدار حاجته فيأكل مع ضيفه لئلا يخجل، وكذا إذا أراد أن يصوم من الغد، فلا بأس بأن يتناول بالليل فوق الشبع ليتقوى على الصوم بالنهار.
ولذا قال النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم: وما جاء في كراهة الشبع فمحمول على المداومة عليه، لأنه يقسِّي القلب، وينسي أمر المحتاجين.
ومن باب الطرافة واللطافة أورد ابن طولون في كتابه أخباراً نادرة عمن عرف بالشراهة في الأكل، زيادة على طاقة البشر المعهودة. واتبع ذلك بذكر الأسباب الطبية والطبيعية التي تؤدي إلى ذلك ومضارها، ثم نبه ووعظ وأورد آداباً إسلامية عند الإقبال على الطعام والانتهاء منه.
وأجمل ما في كتاب ابن طولون ما أورده عن مذاهب الناس في الأكل، حيث جعلها في عشرين قسماً، بعضها صحيح واقع، وبعضها تاريخي لم يعد له وجود، وبعضها غريب.
قال ابن طولون رحمه الله: قال شيخنا أبو المحاسن بن المبرد الحنبلي: وقد اختلف الناس في حد الأكل على مذاهب: جدية وهزلية ومن ذلك:
المذهب الأول: الوارد عن رسول الله (لقيمات يقمن بها الصلب).
المذهب الثاني: الشبع حتى تكتفي النفس ولا يقدر على الزيادة.
المذهب الثالث: مذهب الرؤساء والأكابر.
المذهب الرابع: مذهب الأمراء والأجناد.
المذهب الخامس: مذهب الفقهاء.
المذهب السادس: مذهب الصوفية.
المذهب السابع: مذهب الفقراء.
المذهب الثامن: مذهب المغاربة.
المذهب التاسع: مذهب العوام.
المذهب العاشر: مذهب البخل.
المذهب الحادي عشر: مذهب الطفيليين.
المذهب الثاني عشر: مذهب الأعراب.
المذهب الثالث عشر: مذهب المنتجعين.
المذهب الرابع عشر: مذهب الحشّائين.
المذهب الخامس عشر: مذهب المشّائين.
المذهب السادس عشر: مذهب الشّرهين.
المذهب السابع عشر: مذهب المسرفين.
المذهب الثامن عشر: مذهب البطرانين.
المذهب التاسع عشر: مذهب اليساريين.
المذهب العشرون: مذهب الجزّارين.
جاء في كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، قيل لبعضهم ما حدُّ الشبع؟ قال: أن يُحشى حتى يُخشى. وقيل لآخر: ما حدُّ الشبع؟ قال: أن تأكل حتى تدنو من الموت.
وفي بهجة المجالس لابن عبد البر القرطبي رحمه الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب يوماً فقال: إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد عن الأشر، وأصحُّ للبدن، وأقوى على العبادة. وإن امرأً لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
وتجدر الإشارة إلى أن الأكل الكثير يكون من أمور:
1- احتراق وشدة حرارة مزاج.
2- صحة معدة وحسن هضم.
3- اتساع المحل وموضع الغذاء.
4- ترك التسمية على الطعام والشراب.
5- تقدّم جوع، فإن من تجوّع يأكل.
6- تقدّم مرض، فإنه يحصل للبدن فيه خلو من الأكل، فإذا عوفي أكل.
7- كفر ونفاق، كما صح الحديث عن رسول الله: (المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) صحيح البخاري.
ولا شك أن كثرة الأكل تورث التخم والريح الغليظة في البدن، ولا سيما في المعدة والأعضاء الباطنة، وتورث السُّدد وتُحدث السِّمن والتّرهل وكثرة البلغم والكسل والنوم والبلادة.
وقد ورد عن لقمان الحكيم قوله لابنه: يا بني، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة.
وقديماً قيل: مَنْ أكل كثيراً شرب كثيراً، ومن شرب كثيراً نام كثيراً، ومَنْ نام كثيراً فاته خيرٌ كثيرٌ.
وما أحرى كل مسلم ومسلمة أن يتبع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا بالتسمية قبل الأكل والأكل باليمين والأكل مما يلي الآكل ولعق الأصابع للبركة والأكل بثلاثة أصابع ولعق القصعة وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح الأذى عنها وأن يكون الأكل أثلاثاً، ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس. كما صح عن رسول الهدى: (فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه).
وقد قال بعض الأطباء: إن الناس لو عملوا بهذا الحديث لم يسقم أحد!!.
قيل لأحد الأكَّالين: ما هو حد الشبع عندك؟!
فأجاب: أن آكل حتى أبدوَ مدوراً كالكرة، بحيث يمتلئ جميع جوانبي، وحتى يكون بالإمكان أن أتدحرج في أية وضعية كنت، على الظهر، أو البطن أو الجنب!!
أين حال هذا الأكول من هدي رسول الهدى صلى الله عليه وسلم القدوة الصالحة والأسوة الحسنة، وصدق سبحانه القائل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، (21) سورة الأحزاب.

*عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved