Monday 13th December,200411764العددالأثنين 1 ,ذو القعدة 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

انت في "الرأي"

وجوب الانضباط في الفتوى وجوب الانضباط في الفتوى
د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان/عضو هيئة كبار العلماء

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته إلى يوم الدين..
وبعد.. فإن الله جعل للأمة علماء وولاة أمور يرجع إليهم في الأمور المهمة العامة في أمور الدين والدنيا؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}؛ فالله جعل المردّ في الأمور العامة المهمة إلى ولاة الأمور من الأمراء والعلماء في أمور السياسة وأمور الدين. ولم يجعل الأمر فوضى كل يتناوله برأيه؛ لأن هذا مدعاة للاختلاف والفرقة وضياع الأمور والبلبلة؛ ولهذا قال العلماء: حكم الحاكم يرفع الخلاف ولو أن الناس ساروا على ما رسمه الله لهم في هذه الآيات وفي غيرها لارتفع الخلاف وحصل الوفاق واجتمعت الكلمة. وهذا ملاحظ بحمد الله في هذه البلاد ولكن في الفترة القريبة نرى بعض الناس يريدون تغيير هذا المسار ويبدون آراءهم في أمور ليس من شأنهم إبداء الرأي فيها ويشوشون على الناس في أمور عبادتهم ومعاملاتهم وعقيدتهم.
من ذلك تدخلهم في مواقيت الصلاة صاروا يشككون الناس فيها ويشيعون أن الناس يصلون قبل دخول أوقات الصلاة ويقولون إن في تقويم أم القرى خللاً حسابياً، مع أنه تقويم معتمد من قبل ولاة الأمور ومقر من قبل العلماء من زمن طويل ولم يحصل فيه خطأ تطبيقي من عشرات السنين. وقد وقت الله الصلوات بتوقيت واضح ليعرفه العامي والمتعلم والحضري والبدوي؛ فصلاة الفجر عند طلوع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق، وصلاة الظهر عند زوال الشمس عن محاذاة الرؤوس إلى جهة الغرب، وصلاة العصر عندما يتساوى الشاخص وظله، وصلاة المغرب عند غروب الشمس، وصلاة العشاء عند مغيب الشفق الأحمر. ومن ذلك أن هؤلاء عندما يقبل شهر الصوم يتخبطون في أمر الهلال ويشغلون الصحف في نشر المقالات عن وقت ظهور الهلال والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (صوموا لرؤيته. وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فاقدروا له) وفي رواية: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما) فعلق - صلى الله عليه وسلم - الصوم والإفطار بالرؤية أو بإكمال الشهر ثلاثين يوماً، ولم يعلق ذلك بالحساب الفلكي؛ لأن الهلال واضح يراه العامي والمتعلم والحساب الفلكي لا يعرفه كل أحد ثم هو عمل بشري يخطئ ويصيب والفلكيون يختلفون فيما بينهم وإثبات الأهلة موكول إلى جهة شرعية متخصصة، ومن ذلك صلاة التراويح في شهر رمضان والتهجد في العشر الأواخر منه، حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حث على قيام شهر رمضان ولا سيما العشر الأواخر منه ولم يحدد عددا من الركعات. وكان - صلى الله عليه وسلم - في نفسه يصلى في رمضان وفي غيره إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة يطيلها جدا ويقرأ فيها قراءة طويلة تقدر بالأجزاء الكثيرة، وكان الصحابة في عهد عمر يصلون ثلاثا وعشرين ويخففون الصلاة مراعاة للمأمومين عملا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أيكم أمّ الناس فليخفف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة. فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان في الغالب يصلي التهجد وحده يطيل الصلاة ويقلل عدد الركعات. وكان الصحابة عندما يصلونها جماعة يخففون الصلاة ويزيدون في العدد، لكن جاء في هذا الزمان جماعة من المتعالمين غير الفقهاء أخذوا بالعدد وتركوا الصفة فقالوا: لا يزاد في قيام رمضان على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ونقول لهم: لماذا اقتديتم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في العدد ولم تقتدوا به في الصفة وقد قرأ في ركعتين بالبقرة والنساء وآل عمران خمسة أجزاء وزيادة وكان ركوعه نحوا من قيامه وسجوده نحوا من ركوعه؟ ثم أليس ما فعله الصحابة سنة لأنه من فعل الخلفاء الراشدين؟ ولماذا زادوا في العدد وخففوا الصفة؟ أليس رفقا بالناس ولكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحدد، ولأنهم أفهم لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحرص على تطبيقها منا؟ فاتركوا الناس يقومون رمضان ويتهجدون فيه ولا تشوشوا عليهم - بارك الله فيكم - ومن كان له رأي خاص منكم فليعمل به في نفسه ولا يلزم الناس به أو يشوش عليهم برأيه وليصل قيام رمضان وحده ويقِ الناس شره. والواجب اجتماع الكلمة وإذا كانوا على رأي من الآراء الاجتهادية التي لا تخالف الدليل فليكن معهم جميعاً للكلمة. وكما قال بعض العلماء: الرأي المرجوح يكون راجحا في بعض الأحوال؛ يعني إذا كان فيه جمع للكلمة ولا يخالف نصاً واضحاً. هذا ما أردت بيانه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved