Thursday 16th December,200411767العددالخميس 4 ,ذو القعدة 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

انت في "دوليات"

أضواء أضواء
المشهد العراقي قبل الانتخابات (6)
جاسر عبدالعزيز الجاسر

في سلسلة المقالات التي تواصلت هذا الأسبوع عن المشهد العراقي قبل الانتخابات، ومن خلال ما أوردنا فيها من معلومات يتبين بأن الشعب العراقي يحبذ إجراء الانتخابات وصولاً إلى إقامة مؤسسات شرعية وتنفيذية تساعد على المطالبة بإنهاء الاحتلال، إلا أن هذه الرغبة تصطدم بإشكالية الأمن والفوضى العارمة التي تسيطر على كافة أنحاء العراق، فحتى المناطق التي تقل فيها عمليات المقاومة أو الإرهابية في الشمال والجنوب إلى حد ما، إلا أن ذلك لا يعتبر سيطرة حكومية على الوضع، بقدر ما هو سيطرة لقوات الأمر الواقع ففي الشمال السيطرة للباشمركة التابعين لحكومة إقليم كردستان المشكلة من الحزبين الرئيسين، وفي الجنوب ورغم ارتباط الهياكل الرئيسة لإدارة الدولة بالسلطة المركزية ببغداد، إلا أن فرض الأمن لا يمكن أن تحققه قوات الشرطة والحرس الوطني المرتبطتين بالحكومة، إذ لا تزال قوات الأمر الواقع هي الأكثر نفوذاً وقوة، وقوات الأمر الواقع المرتبطة بحزبين رئيسين وهما مجلس الثورة الإسلامي، وحزب الدعوة بالإضافة إلى تيار الصدر باستطاعتها التأثير على سير الانتخابات، مثلما هو الأمر في شمال العراق الذي لا يمكن أن تكون نتيجة الانتخابات مغايرة لرغبات حزبي البرزاني وطالباني فيه.
هذا الواقع الذي يعرفه الجميع هو الذي يجعل المعارضين لإجراء الانتخابات متخوفين من إجرائها في الوقت المعلن، وإن كان الأمر شبه محسوم في الشمال فإن الوضع في الجنوب ووسط العراق سيكون قلقاً ومحرجاً لأن الأحزاب الشيعية بينها تنافس شديد رغم تكوين قائمة انتخابية واحدة تضم حزبين رئيسين، وهما حزبا الحكيم والجعفري، إلا أن القوميين والعلمانيين وحتى البعثيين لهم حضور قوي في هذه المحافظات، وأنهم لن يصوتوا للأحزاب الدينية، ويعتقد بأنهم سيصوتون لحزب علاوي، وهذا ما يهدد بحصول احتكاك وربما صدامات بين التشكيلات شبه العسكرية لقوات الأمر الواقع وقوات الحكومة التي تتهم بالانحياز إلى قائمة رئيس الحكومة.
أما بالنسبة لبغداد فإن الأمر سيكون جداً محرجا إذ سيكون التنافس شديدا وقويا بين عدة قوائم (القوائم البغدادية) علاوي، الباجه جي، ونصير الجادرجي، وبين قوائم الحكيم والجعفري، وهذا ما سيخلق احتكاكا يتخوف منه الجميع من أن يتحول لصدام.
أما باقي المحافظات وهي المحافظات التي يشكل السنة الأغلبية فيها وهي الموصل والرمادي وديالى وصلاح الدين ومدنها، فإن الوضع الأمني سيكون محرجاً وغير موات تماماً لأي انتخابات إذ لا يمكن أن تتم في ظل تخوف المرشح والناخب معا من الانتقام منه، أما إذا حاولت قوات الحكومة وقوات الاحتلال فرض الأمن مثلما حصل في الفلوجة فإن النتيجة ستكون مأساوية كالفلوجة التي تقول منظمة الصليب الأحمر الدولية نقلاً عن أعضاء فريقها الميداني المتمركز في العراق بأن عدد القتلى المدنيين الذين سقطوا خلال الاجتياح الأمريكي الأخير للمدينة بلغ حسب الإحصائيات الأولية 800 قتيل وأن هذا العدد المرتفع من القتلى يرجع سببه إلى الاستخدام واسع النطاق لقنابل عنقودية، وقنابل حارقة مصنوعة على أساس مادة فوسفور ضد المقاومة في المدينة من جانب قوات التحالف إضافة إلى منع جنود الاحتلال أي قافلة إغاثية تحمل مواد غذائية وطبية من دخول الفلوجة حيث لا يزال فيها أكثر من 50 ألف شخص.
وكانت وزارة الصحة العراقية قد أوقفت جميع إمدادات الأدوية إلى مستشفى الفلوجة المركزي شهر أيلول - سبتمبر الماضي، وهو أمر يؤكد بأن خطة اجتياح الفلوجة تم وضعها منذ زمن بعيد، وبأنها نصت مسبقا على توجيه ضربات كاسحة موجعة إلى سكان المدينة الذين حسب تصريحات قيادة قوات التحالف وزعماء الحكومة العراقية المؤقتة يعاونون الجماعات الإرهابية. ويبدو واضحاً كذلك أن رفض القيادة العسكرية الأمريكية القاطع المتواصل لطلبات متكررة من قبل ممثلي الصليب الأحمر ومنظمات إنسانية أخرى بدخول المدينة وبإخلاء المصابين منها يأتي ضمن الأهداف والخطة نفسها.
ورغم فرض الحصار المحكم على الفلوجة والتكتكم الإعلامي الشامل عما يجري فيها، وفي مدن عراقية أخرى فإن معلومات تتسرب تفيد بأن الولايات المتحدة وحلفاءها يستغلون انعدام أي مراقبة دولية أو سلطة وطنية قوية في العراق، وبأن دول التحالف وصولاً إلى مطامعها السياسية والاقتصادية المشتركة في البلاد تخرق يومياً بلا أي خوف ميثاق جنيف الرابع الخاص بحماية المدنيين وقت الحرب، وميثاق جنيف الثالث الخاص بمعاملة أسرى الحرب، وعلى سبيل المثال فقد أصبحت جرائم هدم منازل العراقيين وقتل الأبرياء الذين ليست لهم أي علاقة بالمقاومة المسلحة واستخدام قوة عسكرية بشكل زائد وعشوائي، وتعذيب جماعي للمدنيين وتصفية بدم بارد مصابين في المساجد وأماكن إسلامية مقدسة أخرى شيئاً طبيعياً ومتواضعاً بالنسبة لجنود قوات التحالف.وهكذا فإنه لا يمكن أن نتوقع من أهالي الفلوجة المشاركة في أي انتخابات وهم لا يزالون يداوون جروحهم هذا إن وجدوا دواء وإغاثة.
أما المناطق السنية الأخرى التي يهدد مسؤولو الحكومة وقادة الاحتلال بأنها ستلاقي نفس مصير الفلوجة، فإن زعماءها وأهلها لا يمكن أن يشاركوا في انتخابات حقيقية، وحتى إذا ما حاول البعض الاستجابة لإغراءات الانتخابات فإنهم سيكونون هدفاً لعمليات انتقام.


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved