إن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على بناء المجتمع وأدت إلى تحول تدريجي في سلطة الأب، مما رفع المركز الاجتماعي للأفراد، يتطلب منا تحولا في أسلوب المعاملة والنظرة الشمولية للتربية التي انتفى فيها أسلوب القسوة والسلطة المطلقة للاب، وبدأ دور الحوار الفكري والمشاركة في الرأي بين الآباء والأبناء، حتى نخرج جيلا قادرا على مواجهة التغيرات المستقبلية. فلقد ثبت في كثير من الدراسات الاجتماعية المنصبة على التغير الاجتماعي والعلاقة القرابية في المجتمع السعودي أن معاملة الآباء وأعضاء العائلة للأولاد في الأسرة خلال المرحلة السابقة كانت تتميز بالقوة والشدة والحزم، وهذا النمط من العلاقة أو المعاملة كان يتلاءم مع تلك الفترة باعتبار أن الحياة الاجتماعية التقليدية السابقة تكون فيها سلطة الأب مطلقة والحرية محدودة للأولاد، كما أن النسق القرابي غير مفتوح بسبب اشتراك الوحدة العائلية بالسكن والمعيشة والمهنة، وهذه الأمور تجبر الأبناء على التكيف مع أسلوب الشدة الشائع في عائلاتهم في الوقت الماضي. أما الآن فلم تعد هناك حواجز اقتصادية وثقافية واجماعية على النحو الذي كان سائدا من قبل، فقد كانت هذه الحواجز تمنع الأفراد من توسيع دائرة علاقاتهم الاجتماعية والاتصال بالعالم الخارجي خارج النسق القرابي، ومن ثم اسلوب الشدة والقسوة في المعاملة والتربية الذي يمارس أصبح غير ملائم للوضع الاجتماعي للأبناء في حياتنا المعاصرة التي تتميز بالسرعة والتغيير المتلاحق. ولهذا فإن اسلوب الشدة قد يجبر الأبناء في كثير من الأحيان على سلوك منهج غير مرغوب فيه، او الانخراط في جماعات منحرفة فكريا أو خلقيا، ويضاف إلى هذا عامل آخر يتمثل في كثرة غياب الآباء أو الأبناء عن المنزل لاعذار لا مبرر لها مما قد يترتب عليه أن يتبع الأب أو الابن نمطا جديدا من أنماط المعاملة أو السلوك.. والله من وراء القصد.
كلية الملك فهد الأمنية - الرياض |