الحج علاوة على كونه الركن الخامس من أركان الإسلام، فإنَّ مما يزيد أهميته أن الله جلَّ وعلا قد فرضه على الناس بآية من كتاب الله الكريم، وجعله حقاً لله واجب الأداء لمن استطاع. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرِّض عماله في المناطق على حثِّ القادرين على المبادرة بأداء نسكهم كلما اقترب موسم الحج، ويعين غير المقتدر من بيت المال على أداء هذه الفريضة, روى يوسف بن ماهك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج فرأى ركباً، فقال: من الرَّكب؟ قالوا: حجَّاج. قال: ما أنهركم غيره؟ يعني ما دفعكم للرحيل غير الحج، قالوا: لا. قال: لو يعلم الركب بمن أناخوا لقرَّت أعينهم بالفضل بعد المغفرة. والذي نفس عمر بيده، ما رفعت ناقة خفَّها ولا وضعته إلاَّ رفع الله له بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة. ذلك أن عمر رضي الله عنه كان يرى أن الحاج والغازي والمعتمر وَفْدُ الله، سألوا الله فأعطاهم، ودعاهم فأجابوه. وهذا مما يجب على قاصد مكة المكرمة؛ حاجاً أو معتمراً، أن يخلص النيَّة، وأن يقصد بالسّفر العبادة؛ طاعةً لله، واستجابةً لأمره سبحانه. ويبدأ رحلة الحج بمال حلال؛ في ملبسه ومأكله وملبسه، وفي راحلته ولوازم السّفر؛ لأن السفر من مظنَّة إجابة الدعوة، كما جاء في حديث الأشعث الأغبر الذي أخبر فيه صلى الله عليه وسلم أنه يرفع يديه للسّماء داعياً بقوله: يا رب يارب، ويقول صلى الله عليه وسلم: فأنَّى يستجاب له وملبسه حرام ومطعمه حرام ومركبه حرام وغذِّي بالحرام؟! لأنَّ الدعوة لا تستجاب في مثل هذه الحالة، مع أن الهيئة من دواعي الإجابة، لكن صُرِفَتْ بالعلّة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويؤيد هذا حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكِّد أهمية تحرِّي دواعي إجابة الدعوة، وعدم حجبها، عندما جاء رجلٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً في سؤاله: ادْعُ لي بأن أكون مجاب الدعوة؟ فردَّ عليه المصطفى عليه الصلاة والسلام بقوله: (أطبْ مطعمك تكن مستجاب الدعوة). واختيار الصُّحبة في الحج من الأمور المهمة؛ لأنه يعينك على طاعة الله، ويذكِّرك بما قد نسيته من أعمال الحج. وخير الأصحاب مَن إذا ذكرتَ الله تعالى أعانك، وإذا نسيتَ ذكَّرك، وإذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَ اثنان دون الثالث؛ لأن هذا مما يحزنه، ويؤثِّر في حسن الصحبة، إلاَّ إذا اختلطتم بالنّاس. ذلك أن صحبة السَّفر لها آداب، وهي في الحج ألْزَمُ وأمكن؛ إذ خير الصحب مَن يكون في مساعدة لرفقته: أنساً ومذاكرة، وبذلاً ومسارعة في الخدمة، ولو كان في شيء بسيط؛ لأنَّ هذا مما يشعر بالتّواضع والسّعي فيما يريح لمَن كان مصاحباً، وخاصة إذا كان في الرفقة: شيوخ يُقدَّرون لتقدم أعمارهم، أو طلبة العلم فيحترمون لما يحملون من علم، أو ضعفاء بعاهة أو مرض، أو ممَّن حلَّ به أمر مفاجئ أثَّر فيه مالياً أو بدنياً، فيعانون لحاجتهم؛ لأنَّ الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. ولما كان المرء مرآة أخيه فإذا رأيتَ بمن صاحبتَ في سفرك عيباً فاستره، وأزِلْ ما تستطيعه، واحفظ سرَّه، واسأله عن اسمه واسم أبيه، وممَّن هو، حتى تدوم المحبَّة والألفة، ويستمر التَّواصل؛ إذ كان سلفنا الصالح يعتبرون الصُّحبة في السفر للحج من أوثق عُرى المحبة: فإذا غاب حفظوه، وإذا مرض زاروه، وإذا مات شهدوا جنازته، وعزُّوا قرابته، وإن ألمَّتْ به جائحة من جوائح الدنيا واسَوْه وساعدوه. فتصبح الأخوَّة في السفر بمثابة الرَّحم، استمراراً في التَّواصل، وحفظاً للأخوَّة والمودَّة، وتفقداً للأحوال، وانتظاماً في السؤال والتَّزاور. وهذا لا يتأكد إلاَّ إذا اعتبر كلٌّ من المتصاحبين نفسه خادماً للآخر، وساعياً في كل ما يريحه ويعينه على المودة، كما كان سائداً في سلف هذه الأمة. وكثيرة هي الفضائل التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج، منها: الحج المبرور جزاؤه الجنَّة, وفضل متابعة الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة؛ لأن المسلم وهو يلبي يلبي عن يمينه وشماله الحجر والشجر حتى تنقطع الأرض، وأن مَن حج لله عزَّ وجلَّ ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، وأنَّ عمرةً في رمضان تعدل حجة (يُراجع في هذه الفضائل جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير، ج9، ص 460 - 468). وجاء في مسند عمر رضي الله عنه قوله: يغفر الله للحاج ولمَن استغفر له الحاج بقيَّة ذي الحجة والمحرم وصفر وعشراً من ربيع الأول. وقال مجاهد: بينما عمر بن الخطاب جالس بين الصفا والمروة إذْ قدم ركب فأناخوا وطافوا وسعوا، فقال لهم عمر: مَن أنتم؟ قالوا: من أهل العراق. قال: فما أقدمكم؟ قالوا: حجَّاج. قال: ما قدمتم في تجارة ولا ميراث ولا طلب دين؟ قالوا: لا. قال: فاستأنفوا العمل. يُريد أنهم مغفور لهم وكأنهم يبدؤون من جديد بصفحة نقيَّة. (كنز العمال 138:9). ذلك أن فضائل الحج كثيرة، وأن عدوَّ الله الشيطان إذا جاء يوم عرفة، ورأى رَحَمَات الله تتنزَّل على عباده ومغفرته سبحانه وفضله يشملهم في ذلك، يَحْثُو عدوُّ الله على نفسه التراب من الغيظ والحسد؛ لأنَّ عباد الله جاؤوا من أطراف الدُّنيا شعثاً غبراً يرفعون أكف الضراعة إليه سبحانه في ذلك اليوم؛ تسبيحاً وتكبيراً وتلبية ودعاء، فيباهي بهم سبحانه ملائكته، ويشهدهم جلَّ وعلا أنه قد غفر لهم. فعلاوة على الفضائل الأخروية ومغفرة الذنوب، هناك منافع أخرى: في البيع والشراء، وفي العرض والطّلب، وأن هذا الحج من أسباب تعارف المسلمين الذين قدموا من أطراف الدنيا، وتفقد بعضهم أحوال بعض؛ لأنه مؤتمر سنوي يلتقون فيه على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، ويشعرون بالأخوَّة، وعدم التفاضل، كما أن فيه تقوية للنفوس والأبدان، وتنشيطاً للهمم والأفكار، ويعوِّدهم على النَّظام والتّرتيب وحفظ الوقت. والحج بمناسكه مثال للتَّواضع والتآلف والتآزر والمحبَّة بانتظام المسيرة، ونوع اللباس، وتوحيد الهدف، والتقوى ضد العدو. ومع كل هذا فإن الله غني عن عباده، فلا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين؛ فأحسن أيُّها الحاج عملك يُحسن الله لك الجزاء, ويضاعف لك المثوبة فضلاً منه وإحساناً. شجاعة أبي بكر ورد في مسند عمر بكنز العمال: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قُبض النبي صلى الله عليه وسلم اشرأبَّ النِّفاق بالمدينة، وارتدَّت العرب، وارتدَّت العجم، وأبرقت وتواعدت نهاوند، وقالوا: قد مات الرجل الذي كانت العرب تُنْصَرُ به. فجمع أبو بكر المهاجرين والأنصار وقال: إنَّ هذه العرب قد منعوا شاتهم وبعيرهم ورجعوا عن دينهم، وإن هذه العجم قد تواعدوا نهاوند؛ ليجُمِعُوا لقتالكم، وزعموا أن هذا الرجل الذي كنتم تُنصرون به قد مات، فأشيروا عليَّ، فما أنا إلاَّ رجل منكم، وإني أثقلكم حملاً لهذه البليَّة. فأطرقوا طويلاً. ثم تكلم عمر بن الخطاب فقال: أرى والله يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقبل من العرب الصلاة، وتدعَ لهم الزكاة؛ فإنهم حديثو عهد بجاهليَّة، لم يُقرهم الإسلام، فإمَّا أن يردَّهم إلى خير، وإمَّا أن يُعزَّ الله الإسلام فنقوى على قتالهم، فما لبقيَّة المهاجرين والأنصار يدان للعرب والعجم قاطبة. فالتفت إلى عثمان، فقال مثل ذلك، وقال عليٌّ مثل ذلك، وتابعهم المهاجرون. ثم التفت إلى الأنصار فتابعوهم. فلما رأى ذلك صَعِد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعدُ، فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم والحقُّ قلٌّ شريدٌ، والإسلام غريبٌ طريدٌ، قد رثَّ حبله، وقلَّ أهله، فجمعهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجعلهم الأمة الباقية الوسطى، والله لا أبرح أقوم بأمر الله وأجاهد في سبيل الله حتى ينجز الله لنا وعده، ويفي لنا عهده، فيُقتل مَن يُقتل منَّا شهيداً في الجنَّة، ويبقى مَن يبقى منَّا خليفة الله في أرضه، ووارث عباده الصالحين في عبادة الحقِّ؛ فإن الله تعالى قال لنا ليس لقوله خلف: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا استخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} (النور: 55). والله لو منعوني عقالاً مما كانوا يُعطون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل منهم الشجر والمدر والجن والإنس لجاهدْتُهم حتى تلحق روحي الله، إن الله لم يفرِّق بين الصلاة والزَّكاة فجمعهما.. فكبَّر عمر وقال: والله قد علمتُ حين عزم الله لأبي بكر على قتالهم أنه الحقُّ (كنز العمال 5: 660- 662).
|