الثقة بالنفس من أهم ما يحتاجه الإنسان في حياته، وهي بالتالي ضرورية لحياته بطريقة مستقيمة يتمكن من خلالها من العمل الجاد والمثمر إن وجد، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى شيء من التوازن لئلا يقع الإنسان فيما لا يحمد عقباه من الغرور الذي يؤدي إلى خسارة النفس كاملة وإلى ازدراء واحتقار الآخرين، وبالتالي فإنّ التربويين في الوقت الذي يغرسون فيه الثقة بالنفس لدى الناشئة يجب أن يعوا ذلك ويفرقوا بين حدود الثقة بالنفس لئلا تنقلب الحالة إلى غرور وتكبُّر. وقد لا يكون الفرق بين الغرور والثقة بالنفس كبيراً في البداية، لكنه مع الزمن يتسع شيئاً فشيئاً ليصبح لا سمح الله مرضاً أكبر ومعصية قد تقود إلى (الكبر) الذي كما أنّه معصية فهو مرض، وكلّ المعاصي أمراض، إلاّ أنّ هذا المرض ليس له علاج ولا دواء وهو الذي أدى بإبليس عليه لعنة الله إلى معصية الله والغضب عليه، وهذا الداء هو الذي يؤدي بكثير من الناس إلى الهلكة والتصرفات السيئة وعدم حساب العواقب والاستهتار بالناس، وهو الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). نحن نعلم أنّ الإنسان العاقل يجب أن لا يتعدى قدره وحدوده بأيِّ حال من الأحوال، ومهما كانت ظروفه فيجب أن يعي دائماً وفي كل أحواله أنّه عبد لله وحال العبد أن لا يتعدى أوامر مالكه والمتصرف فيه وأن يعي حدوده. ومن هنا فإنّ التواضع وعدم التكبُّر من أهم مميزات الواثقين بأنفسهم، أما الغطرسة والتعالي على الناس فهي ديدن المريض بالكبر الذي ليس له علاج والعياذ بالله، والتواضع ليس خاصاً بالعاجزين أو الذين لا يستطيعون تجاوز وضعهم الضعيف، بل إنّ التواضع الحقيقي يأتي من الناس الأسوياء القادرين في كثير من الأحيان، ولذلك فهم يُحمدون بالتواضع. كم يواجه الإنسان في حياته الكثير من المتناقضات في سلوك الناس في هذا الجانب فقد تواجه إنساناً عادياً أو ضعيفاً لا يستطيع أن يفعل شيئاً ولا أن يملك شيئاً ومع ذلك يحدثك بعنجهية وبطريقة يخيّل إليك أنّ هذا الرجل يملك من القرارات أو الأموال أو الأعمال والصلاحيات ما يعجز كبار الرجال عن مثله، بينما هو في الوقت نفسه لا يملك شيئاً مما يتحدث عنه بل هو بحاجة لمن يساعده ولكن الغرور دعاه لذلك الفخر والخيلاء وبالتالي فإنّ مثل هذا الإنسان يكون مريضاً وعالة على نفسه وعلى الآخرين ويصعب عليه الوقوف في الأزمات أو أن يتخيل نفسه في الناس العاديين من مستواه وبالتالي فإنّه يظلم نفسه كثيراً ويظلم الناس معه..كما أنّ هناك نوعية من الناس عكس الأول تماماً فقد تجد إنساناً أعطاه الله من المال والجاه والمنصب والقدرة ما يندر أن يوجد عند غيره من الناس، ومع ذلك تجده خلوقاً متواضعاً حتى لمن هم دونه من الناس في المنزلة والعلم والجاه وغير ذلك من مقومات الوجاهة، ويمثل هذا الرجل في تصوري الإنسان الواثق بنفسه على الوجه الحقيقي. إنّ الإنسان ليستغرب من بعض الناس كيف تحدثه نفسه بالتكبُّر والعلو على الآخرين وهو يعلم أنه بشر وأنّه مهما وصل من المناصب والمال والجاه فهو ضعيف وأن المنصب والمال والجاه كلها تزول مهما طال الزمن والذكر الحسن والأخلاق العالية تظل قوية بإذن الله.
أكاديمي سعودي |