راعتني تلك المشاهد المريعة التي راحت تتدفق علينا من نوافذ الفضائيات لأمهات مكلومات ينتحبن على أطفالهن ونساء ثكالى يبكين فراق الأحبة، ورجال مثلومين يرسم الارتياع والخوف والذعر أبشع صوره على وجوههم، وأيد بائسة ممدودة تستجدي لقيمات تقيم أودها، وجثث أطفال مسجاة ببطون منتفخة، وأجساد عارية، وآلاف الأبدان البشرية متكدسة ومتكومة ذات اليمين وذات اليسار، وكأنه سوق تقدم فيه أحجام وأصناف الأجساد كافة حيث تقدم وليمةً سائغةً تلتهمها الأرض وتبتلعها ثناياها، وجموع من البشر تغطي أنوفها وهي تحفر مدافن جماعية للآلاف من الضحايا في كرنفال حزن كئيب يشكل البكاء والعويل موسيقاه التي يتهادى عليها الموت ويسير مختالاً في موكبه المطل على كل ذلك الخراب والدمار. هذا هو ما أتحفتنا به لغة الصورة التي أضحت تنقلنا إلى الدمار أينما حل والكوارث حيثما وحينما تقع، فتقتحم علينا هدوءنا وتحول بيوتنا إلى ساحات للحروب أو معاقل للموت والهلاك والدمار. وهكذا ودعنا العام الميلادي المنصرم والموت يخيم بظلاله الثقيلة الكئيبة على أرجاء الكرة الأرضية ويستقر فاغراً فاه في تلك البلدان المنكوبة بويلات ذلك الزلزال المريع في جنوب آسيا، والذي امتدت آثاره المدمرة إلى الصومال وأطراف إفريقيا. ودعنا بمحصلة مئة وعشرين ألف روح - حتى وقت كتابتي هذا المقال - حصدتها أسوأ كارثة طبيعية تحدث منذ قرن - ولا يزال الرقم في ارتفاع مستمر - وخمسة ملايين إنسان من دون مأوى ومليارات الدولارات من الخسائر المادية، وتغير في وجه خريطة الكرة الأرضية، وتوقعات من بعض المنظمات العالمية بانتشار الأوبئة والأمراض المختلفة التي تحل ويلاتها عادة بعد الكوارث البيئية، وبالتالي ارتفاع عدد الضحايا المتضررين من جراء هذه الكارثة. وفي الحقيقة مهما اختلفت وتنوعت التفسيرات فإن الكوارث الطبيعية أسبابها العلمية متعددة وهي من الأمور التي يَحار العقل في تفسيرها ويعجز عن التوقع بأسباب نزولها في مكان ما على قوم ما أو تخمين الحكمة المختبئة تحت ارتال هذا الدمار والهلاك والخراب، ولا نملك أمامها إلا التسليم الكامل لإرادة المولى - سبحانه وتعالى - الذي يتجاوز علمه علمنا وإدراكنا، ولا يسعنا في هذه الحالة إلا محاولة تقديم يد العون لمنكوبي هذه الكوارث، والالتفاف والتعاون حتى نحتوي آلامهم ونخفف من معاناتهم، فمن خلال هذه النوازل والتكاتف لمحق آثارها الغاشمة تسنح فرص عظيمة للجنس البشري للتقارب والتعاون في سبيل الخير والمحبة، وها نحن نرى جهود المجتمع الدولي تتضافر لتقديم العون والمساعدة لهذه البلدان فمن داخل الدمار من الممكن أن يرتفع صوت الحب عالياً مدوياً مغطياً على ضوضاء الكراهية والهيمنة والقتل والتدمير، والحب هو ما يجب أن نسعى حثيثا حتى ننشر بذوره ونهيئ التربة لتلقيه.. حب الإنسان لأخيه الإنسان بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو جنسيته. ومما يثير الحزن أن كثيراً من أفراد مجتمعاتنا يسارعون إلى التصفيق والتهليل والتكبير إبان حدوث زلزال أو إعصار يتوجه بسياطه القاسية إلى هذا القطر الغربي أو ذاك، أو حتى على بلد مسلم صنفته أحكامهم البشرية القاصرة على أنه عاص لله مخالف لتعاليمه، من دون أن يلقوا بالاً إلى الأرواح البريئة التي تحصد أو الخسائر الناجمة عن حدوثه والواقعة على قوم يشتركون معنا في حمل اسم إنسان، وغالباً ما يتشدق هؤلاء بالكلام أن القوم المتضررين من تلك الحادثة قد نالوا ما يستحقون، وقد حصدوا ما جنته أيديهم، وكأنهم قد ضمنوا أنهم من المرضي عنهم عند الله - سبحانه وتعالى - وأنهم أصحاب الحظوة العالية والمكانة الرفيعة، وأن ايدي الكوارث الطبيعية لن تنال منهم يوما ما، متغافلين أن ديننا هو دين الرحمة التي يجب أن تطول يدها الحنونة كل كبد رطبة سواء كانت تنبض داخل جسد دابة لا تعقل أو إنسان يدرك ويشعر، وقد قال رسولنا الكريم: في كل كبد رطبة أجر. ورغم أن الرحمة هي قيمة جوهرية من قيم ديننا لكننا لا نلحظها في مجتمعاتنا، ولا نلمس تأثيرها في وجدان الناس، ولا آثارها على سلوكياتهم، بينما نشاهدها متجسدة في تصرفات الأفراد في المجتمعات الغربية (المشركة)، فما أن تحدث كارثة كهذه حتى يهب الأفراد لنجدة الإنسان المنكوب سواء كان ينتمي إلى ديانتهم أو لا، فينظمون الحفلات الخيرية لجمع التبرعات، ويسارعون إلى تلبية نداء الخير والإنسانية بأموالهم وجهودهم، وقد يصل الأمر عند بعضهم إلى التضحية بأنفسهم، فها نحن نرى الطائرات لا تحمل فقط مواد غذائية وإسعافات أولية، ولكنها تحمل بشراً يحملون أرواحهم على أكفهم توجهوا لمساعدة المنكوبين جاهلين تماما مصيرهم وما ينتظرهم هناك، ولا يشغل بالهم ما إذا كان أولئك المنكوبون يعتقدون نفس المعتقد أو يدينون بنفس الدين. من خلال كارثة كهذه يجب أن نتعلم كشعوب معنى المحبة وقيمة العطاء ومساعدة الآخرين وهي قيم رسخت لها تعاليم ديننا السمحة، وأن نعلم أبناءنا الحب وأن نلقنهم دروساً في التعاطف مع الإنسان المنكوب، وان نكون نحن أنفسنا قدوة لهم في التبرع للمتضررين من هذه الكارثة، ويا حبذا لو ساهمت المؤسسة التعليمية في التجذير لهذا الحب للجنس البشري، وذلك بتحفيزها الطلاب والطالبات على التبرع ولو بالقليل، وتوعيتهم بأهمية الالتفاف حول المنكوبين ومساعدتهم، فمن دون شك أن الإنسان لا يستمد وجوده إلا من وجود أخيه الإنسان.
|