Friday 14th January,200511796العددالجمعة 3 ,ذو الحجة 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "أفاق اسلامية"

رياض الفكررياض الفكر
الحج والعولمة
سلمان بن محمد العُمري

منذ أن أمر الله سبحانه وتعالى نبيه إبراهيم - عليه السلام - بذلك النداء الخالد:{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (27)سورة الحج، منذ ذلك الحين، ووفود الرحمن تترى قاصدة البيت الحرام للحج والعُمرة، قادمة من كل صوب وحدب، متجاوزة حدود الجغرافيا، وخلافات التاريخ، واختلاف اللغة والجنس والنوع، هدفها واحد، هو أداء هذا الركن الركين من أركان الإسلام، وغايتها واحدة هي نيل ثواب هذه العبادة العظيمة التي تتجسد فيها وحدة أمة الإسلام للإقرار بوحدانية الخالق - جل وعلا.
وكل عام تتجدد هذه الصورة الإيمانية الرفيعة لتؤكد للعالم بأسره أن الإسلام دعوة عالمية، ورسالة قادرة على تحقيق الخير كل الخير للإنسانية جمعاء، فها هو المسلم الأمريكي ينعم بالأمن في بيت الله الحرام إلى جوار أخيه المسلم الروسي، أو الأفريقي، أو حتى الكوبي، أو الآسيوي فضلاً عن المسلم العربي لا يستطيع أحد أن يدعي أنه أفضل من أخيه، فلا مجال للمفاضلة إلا بالعمل الصالح، وإخلاص النية، والعمل لله سبحانه، وهي أمور لا يستطيع الاطلاع عليها، أو تقويمها إلا القادر على تقليب القلوب، وكشف ما في الصدور وحده لا شريك له.
وفي الحج لا مجال للسيطرة، أو الوصايا، أو فرض الشروط، أو الهيمنة، فالجميع جاء خاضعاً لله، متوسلاً إليه، راجياً ثوابه، متجرداً من هموم الدنيا وزينتها هذا التجرد الذي يسمح بالتعايش والتلاحم بين أبناء الشعوب، والأجناس، دون رغبة في الهيمنة، أو التسيد، أو النفوذ، فتتحول الإنسانية كلها أمة صغيرة قوامها ملايين الحجاج.
شتان بين هذه الأمة المتوحدة على التراحم، والحب، والإيثار، وما يسمى بالعولمة، التي ترفع شعارات براقة، لكنها تخفي أخطاراً جسيمة، من تهديد للهويات، والخصوصيات التي تميز الحضارات بما في ذلك الحضارة الإسلامية، وتتجاهل قيمة ومكان العقيدة، والأبعاد الروحية والإيمانية، بما في ذلك العقيدة الإسلامية هذا الفارق بين الأممية المحققة في الحج وبين العولمة، سببه أن العولمة قامت على فكرة السيطرة، وفرض نموذج أوحد على العالم بأسره أساسها التفوق في حضارة المادة والآلة، لا الانحياز للقيم الإيمانية، ومراعاة التوازن الفطري بين حاجات الجسد والروح، فرق بين عولمة الحج التي يأتي إليها الإنسان راغباً فرحاً مسروراً بطوعه، واختياره، وبين عولمة تفرض بقوة الحديد والنار والتهديد بالحظر الاقتصادي، وبناء التحالفات الاقتصادية والسياسية التي ترهب بها الدول الأخرى، لتفرض عليها أنماطاً للحياة لا ترتضيها، وتتقاطع مع دياناتها وعاداتها وقيمها، ربما يمضي وقت ليس بقليل قبل أن ينتبه دعاة العولمة إلى أن حضارة المادة التي يحاولون تعميمها، والتي لم تحقق لهم أنفسهم السعادة أو الراحة أو الأمن، قاصرة، وعاجزة عن احتواء الفروقات الطبيعية بين بني البشر، تلك الفروقات التي احترمها الإسلام، فنجح في احتوائها دون رغبة في السيطرة أو الهيمنة، وانتظروا إنا معكم منتظرون.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved