الحمد لله نحن في بلد منّ الله عليه بالرزق الكثير والخير الوفير ومن النادر أن نجد من يشكو الفقر ومن شكاه فلن يشكوه من جوع فلا يمكن لإنسان أن يبيت جائعاً خاصة ونحن مجتمع متكافل، صغيرنا يحترم كبيرنا وغنينا يطعم فقيرنا وصور التراحم تلك تبدو في مناسبات الأعياد وفي شهر رمضان وفي مناسبات العزاء والزواجات فلا طبقية ولا فئوية في أحوالنا مع بعضنا.. هكذا جبلنا وعشنا وسمعناها من آبائنا وأجدادنا ونسأل الله أن تدوم هذه الصور الرائعة. ولكن قد تحدث مواقف تعد من أسرار البيوت لا نعلم عنها ولكنها في ميدان التربية والتعليم وبحكم احتكاكنا اليومي مع طلابنا قد نلمس بعضها فنقف عندها، بعضها نحتمله ونحاول إيجاد الحلول لها وبعضها يكون فوق طاقتنا ولكن ما أصعب أن يفتقد أطفالنا إلى (الحنان) إنه الجوع العاطفي وليس الجوع البدني الذي يحتاجه كثير من أطفالنا. بينما أنا في زيارة لإحدى المدارس (زيارة إشرافية) لم أشأ أن أمكث على كرسيي أثناء الفسحة في مكتب المدير وهو ما ينبغي على كل مشرف تربوي عمله فاستأذنت مدير المدرسة أن أتجول بين أولادي وهم يتناولون فسحتهم. وبينما أنا أتمشى بينهم وأداعبهم وأغرس فيهم سلوكيات في كيفية تناول الطعام ونوعية الغذاء الصحي وكيف يتخلصون من بقايا الطعام، لمحت طالباً جالساً وحده وفي عينيه شرود وحزن عميق ولم أره يأكل. اقتربت منه وسألته عن اسمه ولماذا هو وحده! ولماذا لا يأكل فسحته وطعامه..؟ ولكنه لم يزد على هز رأسه ورسم ابتسامة ناقصة، فقلت: هل أعطيك ريالاً لشراء ساندوتش؟. فقال: لا، معي.. أكل وأخرجه من جيبه. فقلت: لماذا لا تأكله؟ فقال: لا نفس لي. فقلت: لماذا؟ قال: لا شيء. أدركت ساعتئذ أن هناك شيئاً يخفيه، فقلت: اعتبرني أخاك، صديقك.. هل لديك مشكلة، تردد ثم تكلم بتلعثم وقال: أبي.. فقلت: ماله؟. قال: لقد طلق أمي ومنذ مطلع العام الدراسي لم أره، كل آباء زملائي حضروا لزيارتهم وبالأمس حضروا حفلة المدرسة وكنت مشتركاً فيها تمنيت لو حضر ورآني وأنا أستلم شهادة تفوقي ولكنه لم يحضر. فقلت: متى آخر مرة رأيته؟ قال: منذ (5) أشهر. ثم سألته: أين تعيش الآن؟ فرد أنا وأمي واخوتي الخمسة نعيش في بيت جدي لأمي وهو شيخ كبير يتحمل كل شيء ويحاول إسعادنا رغم ضيق ذات اليد. قلت: هل أستطيع مساعدتك؟ نظر إليّ طويلاً ثم قال: وهل تستطيع؟ قلت: أخبرني كيف؟ قال: هل تستطيع تجمع والديّ من جديد ونعود لمنزلنا؟ قلت: ولمَ لا، قال لا تستطيع يا أستاذ. قلت: لماذا؟ قال لأن ورقة الطلاق قد وصلت إلى يد أمي منذ شهرين. عندها تحسرت وتنهدت على ضياع ستة أطفال ربما أن مستقبلهم قد ضاع ثم قلت: طيب، ماذا أستطيع أن أقدم لك؟ قال يا أستاذ أريد حنان الأبوة.. أريد أبي، أريد أسرة فيها دفء مثل كل الناس. عندها لم أتمالك من حبس دمعي ليعبر عن الحزن والأسى واليأس وأنا أردد:
ويا رب حبّب كل طفل فلا يرى وإن لجّ في الإعنات وجهاً مقطباً وهيئ له في كل قلب صبابة وفي كلِّ لقيا مرحباً ثم مرحبا |
FAYALL@HOTMAIL.COM |