في الأعوام القليلة الماضية وفي هذا العام بدأت موجة مكثفة من الوعظ والإرشاد والتي تأخذ أشكالا عدة منها ما هو على شكل مطويات أو ملصقات أو أشرطة حتى أنك تجدها لحقت أبواب عتبة المنازل يعبث بها الأطفال دون قصد وفهم بما تحتويه .. وحتى لا أوصم بأي تهمة - جاهزة أو معلبة - فأنا لست ضد النشر أو التوعية الإسلامية الصحيحة أياً كان مصدرها ونوعها، لكني في الحقيقة ضد هذا الحشد الهائل من النصائح والتعاليم التي يختلط فيها الصحيح وغير الصحيح، والغث والسمين، وأتساءل بيني وبين نفسي لماذا كل هذا الجهد المبالغ فيه في وقت الناس فيه أحوج إلى الراحة والاستجمام والترفيه البريء عن النفس ؟. وأتساءل أيضا ألسنا كلنا مسلمين وديننا دين الوحي والفطرة السليمة فهل نخشى فرار العقيدة من قلوبنا؟ كلا لأن المسلم لا ينزع عن دينه مهما كانت المغريات ومع ذلك قد يخطئ المسلم لأنه بشر ويبقى في دائرة الاسلام الرحبة والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنّة الصحيحة. إن منشأ الاعتراض هذا هو غيرتي على هذا الإسلام العظيم والذي يبقى في قلوبنا وجوارحنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولكن من خلال اطلاعي المتواضع ومن خلال ما يضخ على شبابنا من وعظ وإرشاد إسلامي لا يمس العقيدة ذاتها ولا يبين صفاءها ولا نقاءها الضروريين بل في أغلبها سنن يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها ولكن تأخذ في صياغتها منحى الوجوب والإلزام لقارئها وسامعها وتتوعد تاركها بالويل والثبور مع علمي أن المسلم يعمل من السنن ما يشاء تقرباً إلى الله تعالى ولكن باختياره دون إلزام أو زجر. إن أغلب ما تحمله الأوعية الدعوية التي تعج بها ساحاتنا ومناسباتنا تحمل في طياتها أموراً خلافية تتقوى لرأيها وتسفه الآخر ولا أدري لحساب من هذا الجدل العقيم في هذه الفرعيات أو السنن المباحة. إنني أرفض خلط الدين بالتاريخ أو خلط الدين بالعادات والتقاليد التي قد تكون مقبولة إذا وافقت المنهاج الصحيح للدين الإسلامي أو غير مقبولة إذا خالفت روح الإسلام، كما أنه لا يجوز أن نقوي ما كان ضعيفا بحجة أنه يتمشى مع عاداتنا وتقاليدنا ونضعف القوي إذا تصادم مع تلك العادات والتقاليد .. إن بعض من يتصدون للدعوة في هذه الأيام سامحهم الله يستعجلون بالتحريم ثم يحاولون بعد إذن رصد الأدلة التي تؤدي الى فتواه بالتحريم وكأن الأصل التحريم وليس الإباحة. إننا يجب ان نكون واضحين وضوح الشمس في رابعة النهار في الدعوة إلى الله دون الخوض في فرعيات منشؤها الاختلاف في المذاهب التي أشغلت الأمة ردحاً من الزمن دون طائل يذكر مع العلم ان الاختلاف وُجد رحمة للمسلمين فكلٌّ يأخذ حسب علمه واجتهاده .. فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها أخذها .. فالاختلاف أصل من طبيعة البشر ولا يمكن التخلص منه بالعادة قال تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}سورة هود (118 - 119). إذاً فاختلاف غير المذموم أوجبه الشرع وأقره ضرورة وفطرة ولا يستغنى عنه في الواقع، ولكن مع ذلك لا يجب علينا تصديره الى الناشئة من شبابنا مبتوراً أو محشواً بروايات تاريخية لا أصل لها ونكون بذلك كحاطب الليل الذي لا يدري ماذا يضع .. ولنتأمل قليلا في أسلوب الدعوة زمن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يأتي الأعرابي ويقول له علمني الإسلام ويجلس عند الرسول صلى الله عليه وسلم يوما أو بضع يوم ثم يذهب مسلماً لا يخالطه أي شك .. قد يقول قائل إن هذا لرسول الله، وأقول إننا نمشي على هديه وسنّته الصحيحة. إنني أعلم أن حراس الفضيلة في بلدي كثر ولله الحمد ونشد على أيديهم ولكن مع الأسف أغلبهم يعمل بحسن نية وحسن النية وحده لا يكفي لبلوغ الهدف المرجو وهو إنشاء جيل من الشباب المسلم الطموح الواثق بنفسه وأمته الإسلامية الكبيرة، وهذا لا يتأتى إلا برفق بهؤلاء الشباب ومراعاة ظروفهم وتطورهم العمري والنفسي والاجتماعي وذلك بعرض الناصع للعقيدة وصفاتها دون تزمت أو شطط أو تعصب أو غلو يفقدهم توازنهم النفسي والعقلي مما قد يجرهم إلى أمور لا تحمد عقباها والمثال واضح فيما يحدث هذه الأيام من قتل وتخريب وترويع للآمنين من مسلمين أو غيرهم. إنني كما أسلفت لا أعترض على الحملات الدعوية من حيث هي ولكن مع الأسف نصطحب معنا دواعي النكد وكأنه كتب علينا أن لا نلهو أو نمرح إلا بوعظ أو إرشاد مضاد .. فيجب ان توضع الأمور في نصابها ووضع النصح والإرشاد والدعوة في زمن ومكان محددين ومراعاة المكان والمناسبة لتعم الفائدة، فمن السنّة عدم ترك تلك الأنشطة الدعوية دون ضابط أو رابط بحيث نترك الساحة لمن هب ودب، فهذا ينصح في تنشيط معد لسياحة، وآخر ينصح في عزاء وذاك يعظ في حفل زفاف وكأننا موعودون بالميلاد والوفاة لتلك الأصوات التي تخترق آذاننا دون مراعاة أو حرمة للمناسبة، إني أهيب ببعض الإخوة المخلصين - وما أكثرهم - أن يجندوا بعضا من طاقاتهم لخدمة قضايا المجتمع أو الاسرة، وأن لا يكون جهدهم منصبّاً في نشاط واحد فقط، وأن تكون نشاطاتهم تشمل أفراد المجتمع كافة بكل شرائحه ليعم الأجر والثواب إن شاء الله .. والله من وراء القصد
|