Friday 25th February,200511838العددالجمعة 16 ,محرم 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الأيام والشهورالأيام والشهور
د. محمد بن سعد الشويعر

مع بداية العام الهجري الجديد 1426هـ، يكون من المناسب، المشاركة مع القارئ، في البحث عن الأصول والتسميات، وهل كانت حديثة أم قديمة، للشهور والفصول والأيام.
فالله سبحانه وتعالى، لما خلق آدم، علّمه الأسماء كلها، فقال سبحانه: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (سورة البقرة 31)، قال ابن الجوزي في تفسيره: زاد المسير: وفي الأسماء التي علمه قولان: أحدهما أنه علّمه كل الأسماء، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة، والثاني: أنه علمه أسماء معدودة لمسميات مخصوصة، ثم فيها أربعة أقوال أحدها: أنه علّمه أسماء الملائكة، والثاني أنه علمه أسماء الأجناس دون أنواعها، كقولك: إنسان وملك وجني وطائر، والثالث: أنه علمه أسماء ما خلق في الأرض من الدواب والهوام، والطير، والرابع: أنه علمه أسماء ذريته (1-63).
لكن الثعالبي في فقه اللغة يرى: أن المسميات للأشياء على نوعين، توقيفي، وهو ما جاء عن شرع الله، وبعلم الله ابتداء، وحادث وهو ما تكون تسميته من البشر، حسب بروز كل شيء أمامهم، وهذا الحادث مقترن بمسببات وقرائن، فقد تكون جاءت في صوت الشيء: كنشيش القدر، وصهيل الفرس، وفحيح الأفعى، وزئير الأسد، وأصوات الحيوانات كلها، والحشرات من هذا النوع.
أو جاء استحداثاً، أخذاً من علة أمره صلى الله عليه وسلم في المبادرة بتسمية المولود بعد ولادته مباشرة، وحسن اختيار الاسم، ولعلّ السبب حتى لا يكبر ويختلط بغيره، فيجعلون له اسماً منفّراً.
ومن هذا تسمية الأيام والشهور، التي جعلها مداولة بين الناس، لتسير معها حياتهم، ويرصدون فيها أحداثهم يقول سبحانه: { وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (سورة آل عمران 140)، قال ابن سعدي في تفسيره: ومن الحكم في ذلك: أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوماً لهذه الطائفة، ويوماً للطائفة الأخرى (1-427).
ومن الأدلة على أن التسميات للأمور الفرعية، من وضع البشر حسب الحاجة، ما ذكره الأصمعي، أنه رأى أعرابياً يحتسي مرقماً حاراً، فقال له: ما اسم هذا عندكم؟ قال: الحميم. قال الأصمعي: هذا اسمه إذا كان حاراً، فما اسمه إذا برد؟ قال: لا نتركه يبرد حتى نبحث له عن اسم.
ولما كان العرب قد عرف عندهم أن اليوم والليلة محددان بساعات، لكن بغير الساعة الوقتية المعهودة في هذا الزمان التي تقسّم الليل والنهار إلى 24 ساعة، بدقائقها وثوانيها، فإن هذا التقسيم معهود عندهم، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في جزاء كل ساعة يتقدم فيها المصلّي يوم الجمعة، مقرونة بالجزاء، فإن النويري في كتابه نهاية الأرب، قد توسّع في هذا، فقال: قد وضعت العرب لساعات النهار أسماء، كما وضعت لساعات الليل، فساعات النهار هي: الزرور، ثم البزوغ ثم الضّحى ثم الغزالة، ثم الهاجرة ثم الزوال، ثم الدّلوك، ثم العصر، ثم الأصيل ثم الصّبوب، ثم الحرور ثم الغروب.
والدليل أنها من وضع العرب: أولاً: أنها ليست متساوية في الطول أو القصر، ثانياً: أنها تعدّدت المسميات حيث أورد مسميات عديدة، وتختلف بين قوم وقوم في الدلالة والمعنى.
وعن الأيام: أوضح أن العرب العاربة، كانت تسمي أيام الأسبوع، بأسماء غير هذه الأسماء التي يتداولها الناس في وقتنا هذا، وهي: أول وهو الأحد، وأهون وهو الاثنين، وجُبارٌ وهو الثلاثاء، ودُبارٌ وهو الأربعاء، وتونس وهو الخميس، وعروبة وهو الجمعة، وشيار وهو السبت، وقد نظمها شاعر في بيتين من الشعر.
والنهار عندهم قسمان: طبيعيّ وشرعيّ.. لأن الشرعيّ تنبني عليه العبادات كالصلاة والصوم، مثلما أخبر الله عن الأهلّة في قوله الكريم: { ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}(سورة البقرة 189).
فالنهار الطبيعي: زمان بين طلوع نصف قرص الشمس من المشرق، وإلى غيابه في المغرب، والشرعي: ما بين انفجار الفجر الثاني، إلى غروب الشمس، والفجر فجران: كاذب وهو بياض مستطيل، وصادق وهو بياض مستطير، ولذا فإنه يبين، للمتابع: مثلما اختلفت قبائل في تسمية الأيام والشهور، فإن الأمم بلغاتها المختلفة، هي الأخرى قد اختلفت، وأعطت كل أمة مسميات للشهور والأيام، فهي عند الفرس غيرها عند القبط، وعند الرومان غيرها عن الإغريق.. وهكذا نجد الاختلاف والتباين يتغير مع الأيام، ووفق مصطلحات، لكن الإسلام أثبتها وحددها بالهلال كما جاء في الآية الكريمة السابقة وبتأكيده صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته - أي الهلال - وأفطروا لرؤيته)، وأعطى صلى الله عليه وسلم لأمته حلاً عند الاشتباه حتى لا يختلفوا بقوله الكريم: (فإن غم عليكم فأكملوا الشهر ثلاثين).
وقد جعلت كل أمة من الأمم يوماً حسب عقيدتها، فيوم الجمعة للمسلمين، وسبب اتخاذهم له أنه اليوم الذي أتم الله فيه خلق العالم، وأوجد فيه أبا البشر آدم عليه السلام، وفيه قبض، وفيه يكون النفخ في الصور وفيه الصعق وفيه قيام الساعة والساعة التي لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها حاجة إلا قضاها له. وكل هذه الأمور بتأكيدات شرعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويوم السبت اتخذه اليهود، وحجّتهم فيه: أن الله ابتدأ خلق العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، وأن يوم السبت يوم فراغ ودعة، ولهم في هذا أقوال كثيرة تخالف شرع الله.
ويوم الأحد: اتخذه النصارى، وسبب ذلك أنهم يرون بأن الله سبحانه ابتدأ فيه بخلق الأشياء، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم بأن الطائفتين قد ضلتا، وأن الله هدى هذه الأمة ليوم الجمعة.
وقد وضع أهل الفنّ لمعرفة درجات الليل: وساعات النهار، آلات يستدلّون بها على معرفة، ما مضى من ذلك، وما بقي وذلك قبل اختراع الساعات الحديثة بأنواعها ومميزاتها، وذلك لتحرير الوقت مثل: الاصطرلاب، والسطر جّهّارَة.
والاهتداء في الليل بالنجوم، وفي النهار بظلّ الشمس، ثم جاءت الساعة الترابية ثم الساعة المائية.
وجاء في تسمية الشهور العربية أنها قسمان: قسم مستعمل وقسم غير مستعمل، فالمستعمل ما وضعته العرب المستعربة وهي الشهور: المحرّم وصفر والربيعان، والجماديان ورجب وشعبان ورمضان وشوال، وذو القعدة وذو الحجة، وقد جاءت التسمية حسب اتفاق حالات وقعت في كل شهر فسمي بها عند ابتداء الوضع: فسموا المحرم محرماً: لأنهم أغاروا فيه فلم ينجحوا فحرّموا القتال فيه، فسمّوه محرماً، وهو الذي اتفق عليه المسلمون في عهد عمر بن الخطاب أن يكون بداية للسنة الهجرية، وسمّوا صفراً: لصَفَر بيوتهم فيه منهم عند خروجهم للغارات، وشهرا ربيع: لأنهم كانوا يخصبون فيهما بما أصابوا في صفر، والربيع: الخصب، والجماديان: من جَمَدَ الماء لأن الوقت الذي سميا فيه بهذه التسمية، كان الماء جامداً فيه لبرودته، ورجب لتعظيمهم له، وقيل لأنه وسط السنة تشبيهاً بالأنامل: الوسطى والإصبع، وقيل: إن العود رجب النبات فيه أي أخرجه فسمي بذلك، ولتشعب العود في الذي يليه سُمِّي، شعبان، وقيل لتشعبهم في الغارات، وسُمِّي رمضان لشدة الحر والرّمضاء فيه، وشوال من شالت الإبل اذنا بها إذا حالت، وذو القعدة لقعودهم فيه عن القتال، وذو الحجة لأنه اتفق فيه الحج فسمِّي به. ويقال إن أول من سمّاها بهذه الأسماء كلاب بن مرّة.
وقد أوردوا في ذلك أشعاراً وحكايات، وأوصافاً، وأقوالاً: يصعب حصرها في مثل هذا الحيز، وما يتعلّق بالسنة الشمسية أو القمرية.
كلمات في الحجاب
تعرّض النويريّ في كتابه: نهاية الأرب في فنون الأدب، لأمور كثيرة تتعلّق بالعامة، وآداب علية المجتمع، ومن ذلك الحجابة والحجاب، فكان من ذلك قوله:
أن خالد بن عبدالله القسريّ أمير العراق أيام دولة بني أمية، قال لحاجبه: إذا أخذتُ مجلسي فلا تحجبنّ عني أحداً، فإنّ الوالي يحتجب عن الرّعية لإحدى ثلاث: إمّا لعيّ يكره أن يُطلع عليه، وإما لبُخْلٍ يكره أن يسأل شيئاً، وإما لريبة لا يُحبُّ أن تظهر منه.
وقال زياد لحاجبه: وليتك حجابتي، وعزلتك عن أربع: المنادى إلى الصلاة والفلاح، لا تُفرِّجنّه عنِّي، فلا سلطان لك عليه.
وطارق الليل: لا تحجبه فشرّ ما جاء به، ولو كان خيراً، ما جاء به تلك الساعة، ورسول الثغر: فإنه إن أبطأ ساعة، فسد عمل سنة فأدخله عليّ، وإن كنت في لحافي، وصاحب الطعام: فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد.
ووقف أبو سفيان بباب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد اشتغل بمصلحة للمسلمين فحجبه، فقال له رجل وأراد إغراءه: يا أبا سفيان، ما كنت أرى أن تقف بباب مُضريّ فيحجبك؟ قال أبو سفيان: لا عدمت من قومي من أقف ببابه فيحجبني، واستأذن أبو الدرداء على معاوية بن سفيان فحجبه، فقال: من يغش أبواب الملوك يقم ويقعد، ومن يجد باباً مغلقاً، يجد إلى جانبه باباً مفتوحاً، إن دعا أجيب، وإن سأل أعطي.
وقيل: لا شيء أضيع للمملكة من شدّة الحجاب، لأن الرعية إذا وثقت بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم، وإذا وثقت بصعوبته هجمت على الظلم، وقال علي رضي الله عنه: إنما أمهل فرعون، مع دعواه ما ادّعاه لسهولة إذنه وبذل طعامه.
وقال عمرو بن العاص لابنه، وقد وُلي ولاية: انظر حاجبك فإنه لحمك ودمك.
وقيل ولَّى المنصور حجابته الخصيب، فقال: إنك بولايتي عظيم القدر، وبحجابتي عظيم الجاه، فبقِّها على نفسك: ابسُطْ وجهك للمستأذنين، وصُنْ عرضك عن تناول المحجوبين، فما شيء أوقع بقلوبهم من سهولة الإذن، وطلاقة الوجه (نهاية الأرب 6: 87-90).

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved