لكل سلعة ثمن، وثمن السلعة تحدده تكلفة إنتاجها وقانون العرض والطلب، كما هو الحال في الدول الرأسمالية. أو تحدده تكلفة الإنتاج المعان أو غير المعان طبقاً للنظرية الماركسية. وفي الاقتصاد الإسلامي يتحدد الثمن طبقاً لتكلفة الإنتاج، والواجب التكافلي الواقع على عاتق الفرد حيال المجتمع والمتمثل في الزكاة التي تؤخذ من الأغنياء لترد إلى الفقراء. كما أن قانون العرض والطلب أو الأيدي الخفية كما سماها آدم سميث ليست مطلقة في تحديد الثمن في ظل الاقتصاد الإسلامي، بل هي مؤشر له لوجود قيود تمنع الاستغلال والغبن. وأياً كان الأمر فإن النمط الاستهلاكي يؤدي دوراً رئيسياً في مقدار الطلب ونوعيته، وتفاوت الشعوب في نمطها الاستهلاكي من حيث الكمية والنوعية، فالشعب الياباني مثلاً يفضل الادخار على الإنفاق بغض النظر عن الدخل، والشعب الأمريكي يرى في الإنفاق متعة وإن كان الادخار لديه موجوداً، ولكن بدرجة تقل كثيراً عما هو موجود لدى الشعب الياباني ولا سيما في وجود الوفرة المالية. وتتفاوت الشعوب الأوروبية في أنماط استهلاكها وإن جمعتهم صفة الإنفاق الحذر. وتقع الشعوب الأخرى بين أقصى اليمين وأقصى الشمال بين الإنفاق والادخار. وتتباين الشعوب في استهلاكها لأنواعٍ معينة من السلع، فالفرد السوداني يستهلك من السكر أكثر من أي فردٍ في العالم. كما أن الشعب الفلبيني من أعلى مستويات العالم استهلاكاً للأرز، في الوقت الذي يستهلك الفرد الأمريكي كميات من اللحوم تفوق نظراءه من الشعوب الأخرى، وفي المملكة العربية السعودية يستهلك الفرد كميات من التمور تفوق استهلاك أي فردٍ في العالم من هذه السلعة. ويختلف بنو البشر في نمط الإنفاق داخل المجتمعات الموصوفة بصفة عامة، فقد يوصف مجتمع بعينه بكونه مجتمعاً مسرفاً في إنفاقه غير أنك تجد فيه من يعيش البخل معه كظله، وستجد من المجتمعات ذات النمط التقتيري في الإنفاق، من ينفق بلا روية أو إرشاد. والإسراف والبخل صفتان متناقضتان، غير أن الحد الفاصل بينهما واضح المعالم في كثيرٍ من المجتمعات، فالفرد الأوروبي مثلاً يرى أن رمي أي من بقايا طعام منزله هو إسراف لا يمكن قبوله، وأن على من يقوم بتجهيز الطعام تقدير الكميات الواجب إعدادها بقدرٍ لا يزيد عن الحاجة. في الوقت الذي يغلب على الفرد العربي في إعداد طعام أكثر من حاجته إليه لأنه قد يفاجأ بضيفٍ أو عابر سبيل أو طارق بليل. لذا فهو مستعدٌ لمثل هذا حتى وإن كان حدوثه نادراً، وهو يطرح مع مخرجات المنزل من أنواع الطعام في كل يوم ما يزيد على حاجته، وهي بمقدار ما صنع مخافة ضيف يلم. أو امتثالاً للمثل القائل: (العين أوسع من المعدة). والبخل قد يوجد في أفراد يغلب على مجتمعهم الذي يعيشون فيه صفة الكرم الذي قد يتعدى إلى حد الإسراف، وفي مثل ذلك النوع من البخل اشتهر بعض الأفراد مثل أشعب، وعيسى الذي قال فيه الشاعر العربي:
يقتر عيسى على نفسه وليس بباقٍ ولا خالد ولو يستطيع لتقتيره تنفس من منخرٍ واحد |
كما أُلفت كتب كثيرة في البخل والبخلاء مثل كتاب (البخلاء) للجاحظ: والمرء في نمطه الاستهلاكي يعتقد أن الصواب فيما يفعل، ويعلل فعله بالرشاد والترشد تارة، فيذر حد الترشيد إلى حد التقتير فيصبح بخيلاً دون أن يعلم في الغالب أو هو يعلم في النادر. أو قد يعلل فعله بالكرم تارة، فيزيد في الكرم إلى حد الإسراف فيصبح مسرفاً دون أن يعلم في الغالب، أو هو يعلم في النادر، ويفتعل المخارج والعلل ليقنع ذاته وغيره بمنطقية ما يفعل رغم عدم توافقها مع حقيقة قناعته. وقد يلجأ إلى الإسراف مسايرة لمن حوله من أقرانه في المجتمع ظناً منه أنه نهجٌ لا بد من سلوكه كي يضاهي أو يبز أقرانه. ومن الناس من يستهلك من السلع ما يرغب في أن يراه غيره، دون أن يشعر بلذة الاستهلاك والاقتناء، كما انه لا يستلزم ما قد يسمعه من تبجيل الناس باستهلاكه لسلعة بذاتها ولكنه يفعله لاعتقاده أنه مظهرٌ لا بد منه، وطريقٌ لا بد من سلوكه فهو جبري المذهب فيما يعتقد أنه غير لازم حتى وإن خالف العقل والمنطق. والحياة ملأى بالأنماط التي تقع في دائرة البخل والأنماط التي تقع في دائرة الإسراف وأياً كانت المجتمعات التي تظهر فيها سلوكياتها فإن الوسط بين دائرتي الإسراف والبخل قد يوافق ما يتفق على أنه يتمشى مع المنطق والعقل، وهو ما يسعى إليه كل حكيم، فأين نحن من ذلك؟ وأين الحكمة منا؟ لست أدري؟
|