Friday 25th February,200511838العددالجمعة 16 ,محرم 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الثقافية"

وقفات مع ذكريات أصغر مرافقي الملك عبدالعزيز وقفات مع ذكريات أصغر مرافقي الملك عبدالعزيز

* عادل علي جودة * :
الحُبُّ يُلهبُ المواهب ويُفجّرُ الطاقات ثم يَنْتَهي إلى صُنْعِ المعجزات. ولا شك أن المقصود بالحب هنا الحب الأصيل؛ الصادق النزيه العفيف، وهذا ما جسده الوالد الكريم الدكتور محمد بن رشيد الماجد الدوسري في كتابه الرائع الموسوم (ذكريات أصغر مرافق للملك عبدالعزيز).
يقع الكتاب في (225) صفحة من القطع المتوسط، طبع بمطبعة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية عام (1422هـ) وأُودِعَ مكتبة الملك فهد الوطنية برقم (3341-22)؛ ردمك (1-685- 39-9960).
وقد زُينت صفحة غلافه الأولى بصورة الملك الراحل عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - وخلف الصورة تدلى شريط ذكريات المؤلف الذي فاجأني منذ زمن غير بعيد بزيارة أسعدتني واستوقفتني في آن معاً؛ أسعدتني إذ شَرُفْتُ بالتعرف إليه وباستلام نسخة مهداة من هذا الكتاب ليمثل إضافة ثمينة جداً لمكتبتي المتواضعة، واستوقفتني إذ استمرت لدقائق لا تتجاوز العشر، إلا أنها كانت ثرية بمعلومات دقيقة ونادرة لا يمكن لأحد الاطلاع عليها إلا إذا حظي بزيارة مماثلة وقرأ الكتاب كلمة كلمة.
أما صفحة غلافه الثانية فقد تضمن جانبها الأيمن سرداً موجزاً لسيرة المؤلف المولود بمكة المكرمة عام (1350-1931م) بينما زُيّن الجانب الأيسر بصورتين للمؤلف بينهما ما يقارب الستين عاماً؛ الأولى لفتى في الثالثة عشرة من عمره، وقد دون تحتها العام (1363هـ)؛ أي العام الذي بدأ فيه مشوار البهجة التي رأيتها في قسمات وجهه ونبرات صوته، إذ نال شرف مرافقة شخصية القرن الملك عبدالعزيز. والثانية لرجل وقور غزا الشيب لحيته وارتسمت بعض التجاعيد على وجنتيه وجبينه وجفنيه، ودُوِّنَ تحتها العام (1420هـ).
لقد لفت انتباهي الحب الكبير الذي كان يغمر هذا الرجل وهو يتحدث عن الملك عبدالعزيز وعن تلك الفترة من حياته التي رافقه فيها واصفاً إياها بالذهبية؛ لا يخطر ببال أحد أنه في الخامسة والسبعين من عمره، بل روح شابة تهتف إشراقاً وحيوية؛ الابتسامة لا تفارق شفتيه، والسعادة تتخلل كلماته وتنبعث من بريق نظراته وهو يقلب صفحات كتابه على الصفحة التي دون فيها توثيقاً لكل قصة يأتي على ذكرها؛ كأني به يحفظه عن ظهر قلب.
تضمنت الصفحات الاولى من الكتاب سطوراً سريعة عن الملك عبدالعزيز وأبنائه أصحاب الجلالة الملك سعود، والملك فيصل، والملك خالد - رحمهم الله -، وخادم الحرمين الشريفين الملك فهد، وولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله، والنائب الثاني صاحب السمو الملكي الأمير سلطان -حفظهم الله-.
ثم وَثَّق المؤلفُ باعتزاز كبير (وحُقَّ له ذلك) رسالة خطية تلقاها الشيخ الفاضل والمربي الكبير الاستاذ عثمان الصالح، هنأه فيها وشجعه بأربعة أبيات من الشعر قال فيها:


لَطيفُ الذّكريات رأيتُ فيها
كأحسن ما يكونُ المستقيمُ
كأصغر خادم لمليك قومي
ولقَّبَلكُم به المَلِكُ العظيمُ
(محمدُ) يا (رشيداً) (دَوْسَرِيّاً
لكُمْ بكِتابكُم ذِكْرٌ كريمُ
فعَجِّلْ طبْعَهُ طَبْعاً أنيقاً
ليُصْبِحَ للشَّيبابِ هُوَ النَّديمُ

وبعد تَقْدِمَة وافية وعامرة بالإعجاب والثناء بقلم الأستاذ عثمان الصالح، وَضَعَ المؤلف مقدمة تشع بنور الوفاء والولاء بدأها بقوله: (الحمد لله مُعز من أطاعه وأتقاه، ومُذل من خالف أمره وعصاه)، وختمها بدعاء أسأل الله أن يتقبله.
ثم سرد بعضاً من روائع ما قيل في الملك عبدالعزيز نثراً وشعراً، أما نثراً فقد وقفت كثيراً مع قول الأديب الكبير عباس محمود العقاد، فماذا قال!؟! تأمل قارئي الكريم: (بطل الأمة من الأمم، هو الرجل الذي يستجمع في شخصه صفاتها ومزاياها، على أتمها وأوضحها وأقواها، فهو مرشح بالفطرة لحكمها وقيادتها، وهي في هذه الحالة إنما يحكمها بنفسها، وبمحض إرادتها.. وصاحب الجلالة الملك عبدالعزيز آل سعود هو بهذه المثابة بطل الجزيرة العربية..)، وأما شعراً فقد وُفق المؤلف إذ بدأ برائعة من روائع صاحب الفضيلة الشيخ الراحل محمد بن عثيمين - رحمه الله - وهي تحت عنوان: (العز والمجد)، أقتبسُ منها:


عبدالعزيز الذي دانت لسطوته
شوس الجبابر من عجم ومن عرب
ليث الليوث أخو الهيجاء مسعرها
السيد المنجب ابن السادة النجب

ومن ثم أطلق المؤلف العنان لفيض إحساسه وصدق قلمه واضعاً بين يدي القارئ تاريخ مجد عاشه في ظلال الملك عبدالعزيز، مبينا صفاته الخَلْقية والخُلُقية، واسلوب حياته في ملبسه، ومأكله، ونهجه في المناسبات المختلفة ولا سيما في الأعياد وشهر رمضان. ووثق بالصور الاشياء المحببة إليه.
ثم تطرق إلى ثقافة الملك عبدالعزيز وما أثر من أقواله، ولعلنا نتأمل منها قوله: (العَزْمُ يُولِّدُ الجَزْمَ، والجَزْمُ يُولِّدُ الظَّفَرات، والتَّرْكُ يُولِّدُ الفَرْكَ، والفَرْكُ يُولِّدُ الحَسَرَات). ولنتأمل أيضا قوله: (إن المسلمين يتفرَّقون اليوم طرائق، بسبب إهمالهم العمل بكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).
ثم راح المؤلف بنشوة العز والفخار يستعرض ذكرياته مع الملك عبدالعزيز؛ بدأها بأول لقاء مع الملك!
وأول سؤال ملكي وُجه إليه: هل تعرف الكتابة؟!!
ثم كيف تَدرجَ في وظائفه وأعماله إلى أن أصبح موظفاً في المكتب الخاص لجلالته. ثم تحدث عن البرنامج اليومي للملك عبدالعزيز الذي يبدأ من صلاة الفجر وفي معية جلالته أبناؤه وأفراد حاشيته، ثم المسؤوليات الجسام التي تشغل فكره وقلبه ووقته نحو شعبه وشؤون بلاده المختلفة؛ الدينية، والسياسية، والصحية، والتعليمية، والفكرية والثقافية، والرياضية، والوقوف على كل كبيرة وصغيرة في أعمال النهضة الشاملة التي كان يحرص على متابعة تنفيذها شخصياً، مستعيناً بالله سبحانه وتعالى، ثم برجاله الأكفاء المخلصين،.
ومستفيداً من النعم الوفيرة التي من الله بها على هذه الأرض وفي مقدمتها الثروة البترولية.
ثم أفرد المؤلف عدداً من صفحات الكتاب لحديث شيق عن ماضي بعض مدن المملكة وحاضرها، بدأ بمسقط رأسه، ثم عرج على المدينة المنورة، فالرياض، وجدة، إلى أن انتهى بالطائف.
أجزم أنه من الصعب اختزال كتاب بهذا الحجم من المعلومات في مقالة متواضعة كهذه.
ولعلي أختم بوقفة حزن عميق مع إحدى القصائد التي تضمنها الكتاب في رثاء الملك عبدالعزيز، وهي تحت عنوان (مقادير) جادت بها قريحة ابن الجزيرة البار الشاعر العظيم طاهر زمخشري -رحمه الله-، أقتبس منها:


مقاديرُ أرستْ في حمانا المراسيا
بضَحْوَةِ يومٍ عادَ بالزُّرْءِ داجِيا
مقاديرُ فَلَّتْ بالعَوادي ودَكْدَكَتْ
عزائمَ صِدقٍ لا تُبالي العَواديا
رَمَتْها فأصمَّتْ كلَّ سمع ومزَّقَتْ
نِياطَ فؤادٍ سال في الدَّمع باكيا
رَمَتها بعادٍ لا تُفَلُّ قنَاتُهُ
إذا ما رمى سَهماً أصاب المراميا
تخَيَّرَ بَاني صَرْحِهَا فمشى به
فأدْمَى الحنايا واستفاضَ المآقِيا

رحم الله الملك الموحد الباني عبدالعزيز ورضي عنه وأرضاه، وبارك في أبنائه وأعانهم وسدد خطاهم.
*كاتب فلسطيني مقيم بالرياض

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved