* علي العبد الله* : مر أسبوع على اغتيال رفيق الحريري, دون بدء تحقيق لبناني جدي. ودون بروز مؤشرات محددة على الجهة التي اقترفت جريمة القتل وهذا أثار أسئلة حول الجهة والأسباب التي قادت إلى اغتياله. في محاولة لاستكشاف ما حصل, يحتاج الباحث لإعادة تركيب صورة الوضع منذ طرح قضية التمديد للرئيس اللبناني, حيث جاء تصويت مجلس الوزراء اللبناني على التمديد للرئيس لحود بعد لقاءات، وعلى أعلى المستويات، بين المسؤولين السوريين واللبنانيين. فقد زار رئيسا مجلس الوزراء والنواب اللبنانيين دمشق، والتقى العميد رستم غزالة الوزراء اللبنانيين في مقره في عنجر. وهذا أدخل الوضع اللبناني في لحظة بالغة الدقة والحساسية. فقد قطع الحوار الداخلي وعمّق الشرخ بين دعاة التمديد ومعارضيه، وزاد التوتر في المجتمع اللبناني. وأعاد طرح الوجود والدور السوري في لبنان على جدول أعمال القوى الإقليمية والدولية. وأدخل سوريا في سجال مع عدد من الدول الأوربية بالإضافة إلى روسيا. ارتبط الحسم السوري للاستحقاق الرئاسي اللبناني بقراءة سورية خاطئة لعوامل لبنانية وإقليمية ودولية. فعلى الصعيد اللبناني عكست تصريحات ومواقف القيادات السياسية والروحية والنيابية اللبنانية ميلا متزايدا لرفض التمديد الذي تفضله سوريا. وقد قاد عدم إعلان الموقف السوري - الذي كان تقليديا يؤجل الإعلان عن موقفه إلى الربع ساعة الأخيرة - المعارضة اللبنانية إلى التحرك السريع لإحداث تغيير في ميزان القوى الداخلي. واستقطاب الرأي العام اللبناني. وتوجيه رسائل واضحة ومحددة إلى القوى الإقليمية والدولية تضعها في صورة موقف القوى السياسية والروحية والاجتماعية لكسبها إلى جانب خيار إجراء انتخابات الرئاسة. استثمر المعارضون للوجود والدور السوري في لبنان تحفظات قوى إقليمية ودولية فاعلة على السياسة السورية بعامة والوجود والدور السوري في لبنان بخاصة: التوتر الذي تلا قصف حزب الله لمواقع في شمال (إسرائيل) وتهديد إسرائيل بالرد في العمق السوري. التحفظ الفرنسي على الدور السوري في لبنان، خاصة وأنه جاء على حساب الدور الفرنسي السابق في لبنان حيث قامت سوريا, وبالاتفاق مع الولايات المتحدة, في ثمانينات القرن الماضي بضرب النفوذ الفرنسي في لبنان عبر ضرب القوى الموالية له، خلق هذا التحفظ الفرنسي تقاطعا في المصالح بين فرنسا والولايات المتحدة ضد سوريا, تجسد بالقرار 1559 الذي طالب سوريا بالخروج من لبنان وعدم التدخل بالانتخابات الرئاسية اللبنانية، ناهيك عن التحفظ الألماني والروسي. آثار هذا التطور قلق السلطة السورية، وأخرجها عن حذرها المعهود خاصة وأنها أحست بتآكل قدرتها على التحكم بعناصر المعادلة اللبنانية وإعادة إنتاج تكتيكها السابق بتحريك عناصر محلية بحيث يظهر القرار وكأنه قرار وطني لبناني صرف, لذا استعجلت في إعلان موقفها عبر دفع الرئيس لحود للإعلان عن رغبته بالبقاء في منصبه، ومجلس الوزراء للتصويت لصالح هذا الموقف، مستغلة لحظة استرخاء بينها وبين الولايات المتحدة، ترتبت على استقبالها لرئيس الوزراء العراقي المعيّن إياد علاوي والاتفاق معه على معظم الملفات بين البلدين. وبعد قيامها بإغلاق الحدود السورية العراقية أمام عمليات التسلل. واعتبار تصريح ريتشارد ارميتاج، مساعد وزير الخارجية الأمريكي، حول الاستحقاق الرئاسي اللبناني حيث اعتبره شأنا سوريا لبنانيا. ومطالبة واشنطن إسرائيل بضبط النفس وعدم تصعيد الموقف مع سوريا ولبنان، علامة رضا أمريكي أو مكافأة أمريكية لسوريا على استجابتها لمطالب الأخيرة في العراق. بررت سوريا خيار التمديد بوطنية الرئيس لحود ودعمه للمقاومة اللبنانية. غير أن هذا الموقف آثار مشكلات كبيرة مع فئات لبنانية كثيرة لأن الرئيس لحود ليس الوطني الوحيد في لبنان, ولأن دعم المقاومة اللبنانية مرتبط بنظر معظم اللبنانيين بحاجة لبنان إلى هذه المقاومة. حيث يربط الكثير من المحللين اللبنانيين دعم سوريا لحزب الله بأهداف سورية: تحريك الأمور من أجل استعادة الجولان، وتمسكها بالرئيس لحود مرتبط بحالة التماهي بين النظامين، التي كرسها الأخير بعسكرة النظام اللبناني وتحويله إلى صنو للنظام السوري ومركزة السلطة بيده، والابتعاد عن مستدعيات النظام النيابي اللبناني، والانفراد باتخاذ القرار السياسي, ما يضمن بقاء الجيش اللبناني بعيدا عن الحدود - بينما وافق منافسون أقوياء له (نايلة معوض، نسيب لحود) على إرسال الجيش إلى الحدود الجنوبية - لأن إرساله سيلغي الدور الردعي لصواريخ حزب الله ويفتح المجال واسعا أمام إسرائيل للضرب في سوريا ولبنان دون خوف, وهذا يفقد سوريا ورقة مساومة. يبدو أن دمشق قد أقدمت على نقلة خاطئة في لعبة الشطرنج. وسمحت باتساع دائرة المعارضين للوجود والدور السوري في لبنان، مما أدى إلى استقالة رفيق الحريري وإلى تدهور علاقاته مع سوريا بعدما أصرت على تعليق العمل بالقيد الدستوري الذي يحدد المدى الأقصى للولاية الرئاسية حتى يتسنى التمديد للرئيس إميل لحود, وفي حين لم يعارض الحريري هذه الخطوة بشدّة، فإن بعض التقارير تشير إلى أنه شجع الولايات المتحدة وفرنسا على القيام بتحرك نشط لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، يطالب سوريا بسحب قواتها من لبنان. انطوى القرار 1559 على عدة دلالات. لعل أهمها اعتبار الوجود العسكري السوري في لبنان، وبقاء ميليشيات لحزب الله غير شرعيين، وإعطاء انسحاب القوات السورية أولوية. وقد جاء كلام وليم بيرنز في دمشق حول سحب القوات السورية من لبنان وإنهاء تدخلها في الشؤون الداخلية اللبنانية، والسماح للقوات اللبنانية والحكومة ببسط سلطتها على كل الأراضي اللبنانية. واعتبار السفارة الأمريكية في بيروت التمديد للرئيس لحود (خرقا) للقرار 1559، ليكثف الضغوط على سوريا ولبنان ويضعهما في موقف دقيق جدا. لقد نصح الرئيس مبارك سوريا بالتعاطي بجدية مع القرار 1559، وألمح إلى استعداده للعب دور وسيط بين دمشق وواشنطن حول نقطتين: التواجد العسكري السوري في لبنان، ومراقبة الحدود السورية العراقية. وأبدى تخوفه من تحول القرار إلى قرار عملي يخدم نية إسرائيل وأمريكا، نتيجة لأي تصرف خاطئ. فالقرار 1559 ليس للاستهلاك السياسي أو جزءا من حملة دعائية لصالح المعركة الانتخابية للرئيس الأمريكي جورج بوش بل وُضع كمدخل لتغييرات شاملة وجذرية في سوريا ولبنان ضمن إطار الشرق الأوسط الكبير. وقد نقلت وسائل الإعلام أن الرئيس مبارك اقترح على الرئيس السوري مخرجا عربيا يقوم على الانسحاب السوري من لبنان تحت إشراف عربي، عبر إرسال مائة مراقب عربي للإشراف على الانسحاب، كما قرن الاقتراح بتقديم (جزرة) لسوريا عبر الوعد بتأمين تعويض مالي قدره 2 مليار دولار. كما قدّم غطاء سياسيا للموقف السوري عبر تفسيره للقرار 1559 حيث قال: (إن دراسة القرار في إطار واقعي وعملي يقود أيضا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية واللبنانية) . لم تقبل سوريا بالقرار 1559، وحركت الموالين لها في لبنان لإعلان رفضهم للقرار، وكان ما سمي بمسيرة المليون (لم يخرج فيها خُمس هذا العدد) . وهذا صعد المواجهة بين (المعارضة) و (الموالاة) وقاد إلى تكثيف النشاط الداخلي بحشد القوى والتأييد (زيارة جنبلاط والبطرك صفير إلى فرنسا، التنسيق بين جنبلاط والجنرال عون، وتحرك اللوبي اللبناني في الولايات المتحدة المطالب بتكثيف الضغط على سوريا لتنفيذ القرار خاصة على ضوء الاستحقاق الانتخابي النيابي...إلخ) . اشتد الجدل بين (المعارضة) و (الموالاة) حول قانون الانتخاب النيابي، فسعت السلطة اللبنانية، ومن ورائها دمشق، إلى استخدام قانون الانتخابات في تفكيك المعارضة، عبر التلويح باعتماد لبنان دائرة واحدة تارة والدائرة الكبيرة والصغيرة تارة أخرى، وبيع دائرة القضاء للبطرك صفير، وتوظيف قضية عودة الجنرال عون والإفراج عن سمير جعجع في تغيير مواقف أطراف من المعارضة دون نجاح. في هذا الوقت عيّن الأمين العام للأمم المتحدة السيد تيري لارسن مبعوثا خاصا له لمتابعة تنفيذ القرار، والذي زار دمشق وبيروت، وعاد إلى دمشق ثانية لأخذ جواب من سوريا ولبنان حول موقفهما من تنفيذ القرار، وكان واضحا أن دمشق لا تريد تنفيذ القرار واعتمدت على الرفض اللبناني له. أجج الرفض اللبناني الرسمي للقرار السجال الداخلي وقسم القوى والأحزاب اللبنانية إلى خندقين متقابلين، خندق (البريستول) ، وخندق (عين التينة) . وقد تركز الجدل حول قانون الانتخاب على القسم الخاص بتقطيع بيروت إلى ثلاث دوائر انتخابية. في هذا المناخ المتوتر جاءت زيارة مساعد وزير الخارجية السورية وليد المعلم إلى بيروت ولقاؤه بالموالين وببعض أطراف المعارضة دون تحقيق نجاح في إقناع الأخيرة على تغيير موقفها، تلاها حملة نقد وتشهير بالمعارضة من قبل الموالاة عكست محاولة سورية واضحة لدفع المعارضة إلى الاختلاف لأن سوريا، حسب سكوت ويلسون، تخشى من حركة معارضة لبنانية منسجمة أكثر من خشيتها من الضغط الدولي، وتشويه سمعتها لمنعها من تحقيق مكاسب كبيرة في الانتخابات النيابية لأن فوزها - كما قال السفير البريطاني في دمشق - بأغلبية في البرلمان سيكون إيذانا ليس فقط بانتهاء الوجود السوري وإنما بقبضة النظام على السلطة. في هذا المناخ اغتيل رفيق الحريري، فمن قتله؟ بغض النظر عمّن قام باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، فإن سوريا ستتحمل المسؤولية السياسية لسببين: الأول التوتر السياسي الذي سيطر على الحياة السياسية اللبنانية بعيد زيارة السيد وليد المعلم لبيروت، حيث انزلق الوضع نحو سجال حاد وإطلاق تهم بين جميع الأطراف.
* كاتب سوري |