مثلما سال دم الشهيد فوق الأرض التي شق المستحيل من أجل إعادة اعمارها.. كذلك سال حبر غزير في وصف مآثر الرجل على جميع الصعد الشخصية والإنسانية والسياسية بل العربية والعالمية أيضاً. مع ذلك لم يكن الشهيد الحريري الذي بنى لبنان في حياته ووحّده في مماته، ذلك الرجل القابل للرثاء، فمن يعرف الحريري يعرف بأنه اللبناني الوحيد الذي لم يكن يُتوقع موته غيلة وبهذا الحجم من ارتكاب الإثم.. صحيح أنه كان يضع أجهزة إنذار في سيارته وسيارات موكبه، فلبنان والمنطقة لا يخلوان من إرهاب مرتبط أو شخص مأفون مزدوج العمالة في الولاء لكنه لم يكن يتوقع أن حجم المؤامرة ضده يمكن أن يصل إلى مستوى دول أو أجهزة أو منظمات كاملة ومكتملة ومع هذا الاحتمال فإن اغتيال الحريري بلغة السياسة لم يكن لذاته بالحرف بل لاغتيال لبنان وجر المنطقة بأسرها إلى تداعيات هذا الاغتيال، وللحقيقة المؤكدة فإننا نرى اغتيال لبنان في اغتيال الحريري، ذلك أن الرجل كان واسطة العقد الاعتدالي لا في عموم لبنان فحسب بل والمنطقة العربية معه ومع اغتيال الحريري، تكون الوجهة المقصودة هي اغتيال الاعتدال بل وصب الزيت فوق نيران التطرف الأعمى. لم ينجر لبنان مع الواقعة الأثيمة إلى الانقسام بل بالعكس تماماً إلى التوحد، فخلف جنازة الرجل كل أطياف لبنان وتلاوينه السياسية والمذهبية والعرقية دون استثناء، أليست هي علامة استفتاء على ولوج عالم الإجماع، أليست هي علامة توافق على الحزن الجماعي لفراق الرجل؟!. لا نريد إغلاق التاريخ بالإعلان عن استشهاد آخر العمالقة في لبنان فلبنان والمنطقة العربية ما زالا في حالة إنجاب منذ قرون، وليس في وسعنا هنا، أن نعدد مناقب الرجل، لا في عشرات الألوف من أبناء الفقراء، الذين صعدوا إلى أوج العلم العالمي من نفقات مؤسسة الحريري ولا إلى لبنان المهدم الذي أعاد الروح إلى أوصاله ولا إلى رجل الدولة الحقيقي الذي جعل من لبنان منارة اقتصادية وسياحية وسياسية عالمية يتم التطلع إليها باحترام. كان الحريري يجمع بين رجل الأعمال ورجل الدولة، وقديماً قيل من لا يعمل لا يخطئ.. فالخطأ حالة ارتباط ملازمة لمن يعمل وهل للشهيد الحريري أخطاء في حياته شأنه شأن بني آدم عبر المسيرة الكونية في تاريخه، لكن الحسنات يذهبن السيئات وهي كلام الله لا البشر. من جهتنا لا نستطيع التقاط قطرات السيئات في بحور حسنات الرجل، وفي أقلها، أن الرجل مات في سبيل لبنان، كل لبنان دون تفريق أو تمييز، فهل يجوز لنا الاستخلاص، بأن في موت الحريري موتاً للاعتدال ونشوراً للتطرف ؟!
* كاتب فلسطيني
|