Friday 25th February,200511838العددالجمعة 16 ,محرم 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "أفاق اسلامية"

رياض الفكررياض الفكر
استراحة قصيرة .. في محطة محروقات
سلمان بن محمد العُمري

جعل الله - عز وجل - الزواج سكناً ، يقوم على المودة والرحمة ويلبي الاحتياجات الطبيعية للرجل والمرأة على حد سواء ، وهو بذلك يتجاوز حدود العلاقة الجسدية المجردة والمحدودة إلى آفاق أسمى وأنبل ، تحقق سلامة المجتمع الإسلامي بأسره ، من خلال استيعاب كامل لطبيعة الرجل وحقوق المرأة وكرامتها ، بل وحتى حقوق الأبناء الذين يتم إنجابهم .
وأركان وشروط وأنواع الزواج الصحيح معروفة وموثقة في كتب الفقه ، ولا يوجد من بينها - على ما أعلم - ما يسمى (بزواج المسيار) ، هذا النوع الغريب والشاذ الذي انتشر في بلادنا في الآونة الأخيرة ، وبعيداً عن الخلافات الفقهية بشأن مشروعية هذا الزواج من عدمه ، فهذا شأن أئمة الفقه ولست واحداً منهم بالطبع ، دعونا نتساءل عن طبيعة هذا الزواج ، وهل يرقى بحال من الأحوال إلى الزواج الصحيح الذي لا خلاف فيه أو اختلاف في صحته ؟ ، وهل يمكن مقارنة حال رجل يذهب في عز الظهر إلى بيت زوجته ، ويقرع الباب وهو خجل من الجيران ، يحاول أن يتخفى عن أعين الناس كما لو أنه بصدد سرقة ، وليس ممارسة حقه الطبيعي في دخول بيته أو الاستمتاع بزوجته ، بحال زوج حقيقي ربما يقف مع جاره بعض الوقت يتحدثان ، قبل أن يدخل إلى بيته ، دون أدنى خوف من أن تكون النافذة مفتوحة ، ودون أن يضطر إلى إيقاف سيارته في شارع بعيد عن المنزل .
ولما كان السكن هو أحد المنافع التي يحققها الزواج الصحيح ، يصبح من المنطق أن نتساءل ، كيف يتحقق السكن بين زوج وزوجة ، لا يلتقيان إلا ساعات قليلة وربما على فترات متباعدة ؟ ، وكيف تأمن الزوجة (زوجة المسيار) على نفسها في كنف هذا الزوج ، وهو نفسه يخشى أن يراه الناس عندها ، ويخشى أن يعرف البعض بأمر زواجه منها ؟ ، بالطبع لا مجال للسكن في علاقة من هذا النوع ولا حديث عن الأمان والألفة ، ففاقد الشيء لا يعطيه !!.
قد يقول بعض المنحازين لهذا النوع من الزواج إن جاز تسميته زواجاً ، إنه ضرورة للقضاء على ظاهرة العنوسة أو صعوبات التعدد خوفاً من أن يفقد الرجل زوجته الأولى واستقرار بيته إذا علمت بزواجه من أخرى ، وهي مبررات قد نتعاطف معها ، ونجد عذراً لأصحابها ، لكنها لا ترقى أبداً إلى مستوى المخاطر التي تصاحب هذا النوع من الزواج !!.
وهذه المخاطر ، تبدأ بأن يتحول الزواج هذا الرباط المقدس إلى تجارة ، يتم الإعلان عنها عبر وسيط أو سمسار ، لبيع النساء أو توفير الخدمة للراغبين في هذا الزواج من الرجال ، فالفتاة البكر مهرها أو ثمنها كذا والثيب أقل .. وهكذا .. وما أكثر السماسرة في مثل هذه الحال ، وما أكثر المفاسد ، فالزوج المسيار (يزوغ) من عمله ليقضي حاجته من زوجته ، ولا مانع أن يزورها في الصباح الباكر إذا لم يستطع التزويغ من العمل أو الفكاك من الزوجة الأولى ، فالأمر لا يستغرق أكثر من ساعة ، وإذا كان هناك شرط بعدم الإنجاب ، فالمصاريف قليلة وإذا لم تعجبه الزوجة بعد التجربة ، فلا مانع من تطليقها والزواج (مسياراً) بأخرى .
والمرأة التي تقبل هذا (المسيار) تضمن إلى حد كبير الحرية في الخروج والتجول وزيارات الصديقات والأهل ، دون أدنى اعتراض من الزوج لأنه غير موجود أصلاً ومواعيد حضوره معروفة سلفاً ، وهي حرية تستحق بالفعل أن تتخلى عن بعض حقوقها في عقد الزواج ، كما أنها لن تكون بحاجة إلى خدمة هذا الزوج المسيار أو الخضوع له ، فيمكن أن تهدد بإبلاغ زوجته الأولى لتحصل على ما تريد ، إن كان حقا لا يريد أن تعرف زوجته بزواجه من أخرى .
ولنا أن نتصور كيف ينظر ابن الجيران مثلا لامرأة يرى رجلا يدخل عليها متخفياً ويخرج متخفياً ، وهل تكفي للمرأة هذه الساعات القليلة لتشعر أنها زوجة ، أم أن هذه الساعات ربما تكرس لديها شعوراً بأنها مجرد أداة يستمتع بها الرجل وقتما شاء ، وأن من حقها أن تستمتع هي أيضا بنفس الطريقة ، خاصة وأنه لا يوجد ما يقيدها ، فهي امرأة متزوجة حتى وإن كان الزوج غائباً .
وبعيداً عن هذه التساؤلات ، يكفي أن نسمع بعض المتزوجين (مسيارياً) وهم يتحدثون عن علاقتهم بزوجاتهم ، لنعرف أن هذا الأمر لا يرقى أبداً للزواج السوي ، فهذا يتعذر وهو يقول لرئيسه أو زميله في العمل إنه ذاهب لزوجته لمدة ساعة واحدة لتغيير الزيت !! ، وآخر يصف زوجته بالسيارة الجديدة ، وثالث يقول عن ذهابه إلى زوجته (المسيارة) أنا طالع رحلة !.
والغريب أن بعض من يقولون بفوائد هذا الزواج يستدلون بعدم وجود أدنى مشاكل أو توتر في العلاقة بين الزوجين ، لكنهم نسوا أصلا أن يجيبوا عن سؤال مهم هو أين هي هذه العلاقة أصلاً ؟ ، ومن الطبيعي أنه عندما لا يكون هناك زواج فلن توجد مشاكل زوجية ، ثم أين هو الوقت الذي يمكن أن تستغرقه هذه المشاكل إن وجدت ؟! ، ومن الطريف الذي يروى عن هذا النوع من الزواج (المسيار) ما يؤكد مدى وعي المجتمع لمخاطره ورفضه له ، أن إحدى الأمهات عندما سمعت طرق زوج ابنتها على الباب في الموعد المحدد لحضوره قالت لها : وهي تطلب منها أن تفتح له ، (........) وصل ، ولم يستطع لسانها أن ينطق كلمة (زوجك) ، لأنها لم تشعر فعلاً أن الأمر يرقى إلى الزواج ، ولكنه أشبه بوقفة تقفها سيارة مسافر في محطة للتزود بالوقود أو تغيير الزيت !!.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved