جعل الله - عز وجل - الزواج سكناً ، يقوم على المودة والرحمة ويلبي الاحتياجات الطبيعية للرجل والمرأة على حد سواء ، وهو بذلك يتجاوز حدود العلاقة الجسدية المجردة والمحدودة إلى آفاق أسمى وأنبل ، تحقق سلامة المجتمع الإسلامي بأسره ، من خلال استيعاب كامل لطبيعة الرجل وحقوق المرأة وكرامتها ، بل وحتى حقوق الأبناء الذين يتم إنجابهم . وأركان وشروط وأنواع الزواج الصحيح معروفة وموثقة في كتب الفقه ، ولا يوجد من بينها - على ما أعلم - ما يسمى (بزواج المسيار) ، هذا النوع الغريب والشاذ الذي انتشر في بلادنا في الآونة الأخيرة ، وبعيداً عن الخلافات الفقهية بشأن مشروعية هذا الزواج من عدمه ، فهذا شأن أئمة الفقه ولست واحداً منهم بالطبع ، دعونا نتساءل عن طبيعة هذا الزواج ، وهل يرقى بحال من الأحوال إلى الزواج الصحيح الذي لا خلاف فيه أو اختلاف في صحته ؟ ، وهل يمكن مقارنة حال رجل يذهب في عز الظهر إلى بيت زوجته ، ويقرع الباب وهو خجل من الجيران ، يحاول أن يتخفى عن أعين الناس كما لو أنه بصدد سرقة ، وليس ممارسة حقه الطبيعي في دخول بيته أو الاستمتاع بزوجته ، بحال زوج حقيقي ربما يقف مع جاره بعض الوقت يتحدثان ، قبل أن يدخل إلى بيته ، دون أدنى خوف من أن تكون النافذة مفتوحة ، ودون أن يضطر إلى إيقاف سيارته في شارع بعيد عن المنزل . ولما كان السكن هو أحد المنافع التي يحققها الزواج الصحيح ، يصبح من المنطق أن نتساءل ، كيف يتحقق السكن بين زوج وزوجة ، لا يلتقيان إلا ساعات قليلة وربما على فترات متباعدة ؟ ، وكيف تأمن الزوجة (زوجة المسيار) على نفسها في كنف هذا الزوج ، وهو نفسه يخشى أن يراه الناس عندها ، ويخشى أن يعرف البعض بأمر زواجه منها ؟ ، بالطبع لا مجال للسكن في علاقة من هذا النوع ولا حديث عن الأمان والألفة ، ففاقد الشيء لا يعطيه !!. قد يقول بعض المنحازين لهذا النوع من الزواج إن جاز تسميته زواجاً ، إنه ضرورة للقضاء على ظاهرة العنوسة أو صعوبات التعدد خوفاً من أن يفقد الرجل زوجته الأولى واستقرار بيته إذا علمت بزواجه من أخرى ، وهي مبررات قد نتعاطف معها ، ونجد عذراً لأصحابها ، لكنها لا ترقى أبداً إلى مستوى المخاطر التي تصاحب هذا النوع من الزواج !!. وهذه المخاطر ، تبدأ بأن يتحول الزواج هذا الرباط المقدس إلى تجارة ، يتم الإعلان عنها عبر وسيط أو سمسار ، لبيع النساء أو توفير الخدمة للراغبين في هذا الزواج من الرجال ، فالفتاة البكر مهرها أو ثمنها كذا والثيب أقل .. وهكذا .. وما أكثر السماسرة في مثل هذه الحال ، وما أكثر المفاسد ، فالزوج المسيار (يزوغ) من عمله ليقضي حاجته من زوجته ، ولا مانع أن يزورها في الصباح الباكر إذا لم يستطع التزويغ من العمل أو الفكاك من الزوجة الأولى ، فالأمر لا يستغرق أكثر من ساعة ، وإذا كان هناك شرط بعدم الإنجاب ، فالمصاريف قليلة وإذا لم تعجبه الزوجة بعد التجربة ، فلا مانع من تطليقها والزواج (مسياراً) بأخرى . والمرأة التي تقبل هذا (المسيار) تضمن إلى حد كبير الحرية في الخروج والتجول وزيارات الصديقات والأهل ، دون أدنى اعتراض من الزوج لأنه غير موجود أصلاً ومواعيد حضوره معروفة سلفاً ، وهي حرية تستحق بالفعل أن تتخلى عن بعض حقوقها في عقد الزواج ، كما أنها لن تكون بحاجة إلى خدمة هذا الزوج المسيار أو الخضوع له ، فيمكن أن تهدد بإبلاغ زوجته الأولى لتحصل على ما تريد ، إن كان حقا لا يريد أن تعرف زوجته بزواجه من أخرى . ولنا أن نتصور كيف ينظر ابن الجيران مثلا لامرأة يرى رجلا يدخل عليها متخفياً ويخرج متخفياً ، وهل تكفي للمرأة هذه الساعات القليلة لتشعر أنها زوجة ، أم أن هذه الساعات ربما تكرس لديها شعوراً بأنها مجرد أداة يستمتع بها الرجل وقتما شاء ، وأن من حقها أن تستمتع هي أيضا بنفس الطريقة ، خاصة وأنه لا يوجد ما يقيدها ، فهي امرأة متزوجة حتى وإن كان الزوج غائباً . وبعيداً عن هذه التساؤلات ، يكفي أن نسمع بعض المتزوجين (مسيارياً) وهم يتحدثون عن علاقتهم بزوجاتهم ، لنعرف أن هذا الأمر لا يرقى أبداً للزواج السوي ، فهذا يتعذر وهو يقول لرئيسه أو زميله في العمل إنه ذاهب لزوجته لمدة ساعة واحدة لتغيير الزيت !! ، وآخر يصف زوجته بالسيارة الجديدة ، وثالث يقول عن ذهابه إلى زوجته (المسيارة) أنا طالع رحلة !. والغريب أن بعض من يقولون بفوائد هذا الزواج يستدلون بعدم وجود أدنى مشاكل أو توتر في العلاقة بين الزوجين ، لكنهم نسوا أصلا أن يجيبوا عن سؤال مهم هو أين هي هذه العلاقة أصلاً ؟ ، ومن الطبيعي أنه عندما لا يكون هناك زواج فلن توجد مشاكل زوجية ، ثم أين هو الوقت الذي يمكن أن تستغرقه هذه المشاكل إن وجدت ؟! ، ومن الطريف الذي يروى عن هذا النوع من الزواج (المسيار) ما يؤكد مدى وعي المجتمع لمخاطره ورفضه له ، أن إحدى الأمهات عندما سمعت طرق زوج ابنتها على الباب في الموعد المحدد لحضوره قالت لها : وهي تطلب منها أن تفتح له ، (........) وصل ، ولم يستطع لسانها أن ينطق كلمة (زوجك) ، لأنها لم تشعر فعلاً أن الأمر يرقى إلى الزواج ، ولكنه أشبه بوقفة تقفها سيارة مسافر في محطة للتزود بالوقود أو تغيير الزيت !!.
|