من بين بلاد الدنيا، تتميز المملكة بمنهج ثابت قويم، مصدره الشريعة الإسلامية، قامت عليه وتأسست، ومن ثوابته استمد البناء السياسي عوامل استمراريته واطراده، ومن قيمه انطلق المجتمع في آفاق العصرنة، آخذاً بأسباب التحضر، في عملية حراك تنموي واجتماعي شكل تجربة فريدة للسعوديين، في عالم اضطربت عقائده، وتزلزلت أركان ثقافته. وفي كل وقت تنمو فيه هذه التجربة نجدها تسابق المستقبل, وترتبط بماضي الأمة، وتاريخ المجتمع، وفي كل دعوات الإصلاح التي تنادي بها القيادة تبرز القيمة الروحية حاضرة بقوة ووضوح في معترك البناء التنموي. الانتخابات البلدية في منطقة الرياض كانت تدشيناً لثمرات هذه التجربة الإصلاحية الملتزمة بقيم المجتمع وثوابته، إذ كانت نتائجها أبلغ مؤشر على تكامل وعي المواطن بمنهج الدولة. في سباق الترشيح والترشح، وفي خضم المضامين الإعلامية والبرامج الدعائية، كان القول الفصل للوعي السليم، والقرار الرشيد. اختار المواطن من يعتقد أنه أهل لتحقيق مقاصد الدولة المسلمة، والجماعة المسلمة، والوطن المسلم. لم يكن صوت المواطن سلعة يزايد عليها، بل كان شهادة وتزكية لمن توسم فيهم الخير والصلاح ليكونوا عوناً لولي الأمر في إدارة مؤسسات الوطن، ولغرس مفهوم (الشورى) في إدارة المجتمع لتحقيق المصالح ودرء المفاسد من خلال الكفايات المؤهلة، والتخصصات المتنوعة، والإمكانات العقلية الجديرة بالولاية والمسؤولية. لقد كان اختيار المواطن دلالة وعي بمفهوم إسلامي أصيل هو (أهل الحل والعقد) وهم الأكفاء والنصحاء، المعاونون لولي الأمر في سياسة المجتمع وإدارته بما يجلب المنفعة ويدرأ المفسدة، وهو كذلك عامل إحياء لهذا المفهوم ترجمة المواطن بطواعية، وصدقته صناديق الاقتراع، واستبشر به الراعي قبل الرعية.. كان التكامل بين (وعي المواطن و(منهج الدولة) ضابطاً لهذه التجربة وهو تكامل أنتج ثماراً تعب ولاة الأمر في غراسها ورعايتها ولقد توقع خلافها الكثيرون بعد أن علت الأصوات وارتفعت أمواج الدعاية، وبلغت قلوب العقلاء الحناجر, فلما انكشفت الغمة وانصرف الناس، تحدثت صناديق الاقتراع بالحقيقة فهنيئاً للوطن، وهنيئاً للساهرين على أمنه، الحافظين لمنهجه.
|