Sunday 6th March,200511847العددالأحد 25 ,محرم 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "وَرّاق الجزيرة"

(من رائدات الصحافة) فاطمة عُلية(من رائدات الصحافة) فاطمة عُلية
حنان بنت عبدالعزيز آل سيف

فاطمة بنت جودت باشا أديبة أريبة، وعالمة فاضلة، وكاتبة قاصة، ولدت في الأستانة العلية سنة (1279هـ) وكان والدها عالماً مؤرخاً مشهوراً وهو ناظر العدلية العثمانية سابقاً، وقد شغف بها والدها وأحبها حباً عظيماً لما ظهرت عليها أمارات النجابة، ومخايل النباهة، وسمات العبقرية، فرافقته في حله وترحاله، وكان شديد الحرص على تعليمها وتثقيفها فلا يصرفها عن العلم صارف، ولا يشغلها عنه شاغل، وفر لها المعلمين فتعلمت القراءة والكتابة باللغة التركية، ثم أتقنت أصول اللغتين العربية والفارسية، ثم أبحرت في فنون اللغة العربية لتتقن نحوها وصرفها وبديعها وبيانها وعروضها. وأما العلوم العقلية فيقول الأستاذ عمر رضا كحالة في كتابه الرائد أعلام النساء (4-37-38): (فخرجها أبوها تخريجاً حسناً فتلقت كافة العلوم المعروفة في عصرها كعلم التوحيد والكلام والمنطق والهندسة والحساب). وهذه الرائدة الناهضة المتسامية قد ضربت في كل فن بسهم، وأخذت من كل علم بطرف، حتى إنها حذقت علم الموسيقى وتفننت فيه، وتتلمذت على أيدي موسيقيين بارعين حذقة وهم خلق من عرب وفرس وترك وإفرنج، وأصبحت فاطمة عُلية من أشهر أهل زمانها علماً بفن الموسيقى وقدرة على تذوقها، فأصبحت مضرب المثل، وممن يشار إليهم بالبنان في علوم اللغات، وفنون الآداب، وأصول المعارف، وشتى الثقافات فلله درها.
(فاطمة عُلية)
أسطورة واقع وإشعاعة نور، سيدة قلم، وسيدة مجتمع، وسفيرة أدب، ووعاء ثقافة، وهي ممن قدن الحركات الفكرية الأدبية في العالم العربي والإسلامي، هي امرأة مزجت علم الشرق وأدبه وتراثه، بعلم الغرب وأدبه وجديده، ففاقت نساء عصرها علماً وفكراً وتوقداً ونباهة وذكاء، لقد نذرت نفسها للعلم لتوقظ المرأة من سباتها العميق، فانصرفت إلى العمل العلمي والفكري والأدبي بصبر وجلد وتحمل وأناة حتى حققت ما صبت إليه النفس الطموح من حلم علمي وأدبي كبير. علمها وفكرها روى ظمأ الجاهلات، وعقلها المنير أنار ظلام الأخريات، زوجة وأم ومربية وقفت حياتها على تربية مجتمعها الأسري الصغير أولاً، ثم مجتمعها العالمي ثانياً، لتكون فيه رائدة حركة نسائية أدبية بعثية جديدة، فهي ذات نظرة مستقبلية تجاوزت الحدود، وتخطت الآفاق، لتكون علماً من أعلام الكلمة الواعية الحية اليقظة، في دنيا المنبر والقلم والتعليم النسائي الخالد، إن هذه الرائدة البارزة من رائدات الصحافة هي راية من رايات الانتصار لمسيرة إثبات الذات النسائية العربية والمسلمة كعنصر متألق راق، وقد جسدت (فاطمة عُلية) عليها رحمة الله هذه الذات قولاً وفعلاً. تقول الأديبة زينب بنت فواز العاملي في كتابها الرائد (الدر المنثور) ص 600 - 601: (ولما عمت العلوم والمعارف في هذا العصر الحميدي إلى عموم المماليك العثمانية وخصوصاً في الاستانة العلية، وابتدأ بعض المخدرات العثمانية في نشر الآثار، والاشتراك في خدمة التأليف وغيرها ابتدرت المترجمة أن تسابق هاتيك المخدرات فترجمت رواية (دولانته) تأليف (جورج أدنا) أحد مشاهير أدباء الفرنساويين من اللغة الفرنساوية إلى التركية، وسمتها باسم (مرام) وأبدعت فيها كل الإبداع من جهة الأسلوب والسياق وهي أول آثار براعتها، ولكنها ضنت باسمها فلم تذكره بل أخفته صوناً واحتجاباً، وانتظرت أقوال أدباء العصر عنها، ولم يتكامل نشرها حتى ظهرت علائم استحسان الأدباء للطرز الجديد الذي جرت عليه في عباراتها، وقد احتفل بها العلامة أحمد مدحت أفندي محرر جرنال ترجمان حقيقت التركي العبارة وكتب جملة فصول عنها وشوقها إلى خدمة العلوم والآداب. وكثر الكلام بين أدباء العثمانيين عن سياق هذه الرواية بالنظر لخفاء اسم مترجمتها، ولكن عضدها فيه مدحت أفندي وأمثاله من فضلاء الأتراك وأظهروا لهم حقيقة حالها. وبناء على تعضيد وتنشيط مدحت أفندي لها أظهرت اسمها وابتدأت المباحثات العلمية والأدبية بينها وبينه، وصارت تكتب المقالات العديدة وترسلها تحت إمضائها فتنشر في (ترجمان حقيقت) وبذلك اشتهرت بين الأدباء اشتهاراً عظيماً. ولما شاع ذكرها في الآفاق وسمعت بها نساء الإفرنج السائحات، صرن أول ما يردن على الآستانة يقصدن منازل السيدات العثمانيات المتصفات بالفضيلة ويزرن المترجمة، ويذاكرنها في العلوم والمعارف والفنون فيجدن منها فاضلة أديبة. وقد جرت بينها وبين ثلاث من سيدات الإفرنج السائحات محاورات مهمة كتبتها في رسالة وسمتها باسم (نساء الإسلام) وقد نشرت في جريدة ترجمان حقيقت سنة (1892م) افرنجية وترجمتها عنها جريدة ثمرات الفنون التي تطبع في بيروت من التركية إلى العربية، ثم ترجمت هذه الرسالة إلى الفرنسية والانكليزية وبلغت حدها من الاشتهار. وللمترجمة رواية تركية عثمانية وسمتها باسم (محاضرات) نشرتها بأسلوبها التركي البديع في الآستانة العلية. هذا وقد كانت الأديبة زينب العاملي معاصرة للمترجم لها، كما أنها أوردت نص رسالة المترجم لها المسماة بنساء الإسلام رغم طولها، وذلك لأنها من آثار الأديبة فاطمة علية ثم تعظيم فائدتها وجليل نفعها، وكثرة دورها، ونفيس جواهرها، ومطلع الرسالة:
(لما كان النوع الإنساني مدنياً بالطبع ومحتاجاً إلى التعاون والتعاضد مع بعضه البعض، تمكن في كل جهة من عقد روابط الجمعية، وبسط بساط المدنية، واستكمال حاجاته الضرورية، ثم تسنى له بالتدريج استحصال حوائجه الكمالية أيضا، وعلى هذا الوجه ظهر اختلاف في اللغات في أي الأطراف، ونشأ تباين في العرف والتعامل يخالف بعضه بعضاً، وقد أدى اختلاف اللسان والمكان إلى إيجاد مباينة كلية بين الملل والأقوام حتى إنه من القديم أخذ كل فرد من هاته الملل يعيش في عالمه الصغير في حالة العزلة والانفراد لا يعلم شيئاً عن أحواله سواه). وأما تاريخ وفاتها فلم تشر إليه المصادر التي ترجمت لها. رحم الله (فاطمة عُلية) فقد توفيت وذكرها ملء العين والقلب.
مصادر الترجمة
- زينب بنت فواز العاملي، الدر المنثور في طبقات ربات الخدور، تحقيق، منى محمد الخراط، الطبعة الأولى، بيروت، مؤسسة الريان سنة 1421هـ - 2000م. - عمر رضا كحالة، أعلام النساء، بيروت، مؤسسة الرسالة. - محمد التونجي، معجم أعلام النساء، الطبعة الأولى، بيروت، دار العلم للملايين، سنة 2001م ص13
- رضوان دعبول، تراجم أعلام النساء، الطبعة الأولى، بيروت، مؤسسة الرسالة سنة 1419هـ - 1998م ص 333 .

عنوان المراسلة: - ص ب 54753 الرياض 11524

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved