Thursday 10th March,200511851العددالخميس 29 ,محرم 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "عزيزتـي الجزيرة"

على لسان تلميذهعلى لسان تلميذه
جوانب من حياة الشيخ عبد الرحمن الجلال

اطلعت على ما سطره قلم شيخنا وأستاذنا الفاضل الدكتور عبد الرحمن بن ناصر الداغري حول مشاعره ومشاعر أهالي الدلم وفرحتهم بسلامة الوالد الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عبد العزيز الجلال من العارض الصحي الذي ألمّ به، المنشور بجريدة الجزيرة يوم الجمعة 9-1-1426هـ في عددها رقم 11831 صفحة الرأي.. وقد أجاد وأفاد - حفظه الله - وحيث إن الشيخ عبد الرحمن الجلال - أمد الله في عمره على طاعته - قد قدم للدلم والخرج عموماً من الأفضال والأيادي الكريمة ما هو حري بأبنائها أن يكونوا أوفياء في الرد على الجميل بجميل ولو بشكر فاعله والدعاء له، فقد أحببت أن أعرض في هذه المقالة لبعض جوانب حياة الشيخ الوالد عبد الرحمن بن جلال وسيرته من باب الوفاء أولاً ثم لتكون نبراساً لنا ولأبنائنا بالاقتداء بها والسير على منهاجها.
ولقد حظيت كغيري من أبناء البلد بعناية الشيخ وجميل رعايته غير إنني قد خصصت بشيء منها فقد لازمته في عملي معه وتحت توجيهه مدة عشر سنوات كانت كلها مدرسة وجامعة تلقيت فيها من العلم والأدب والأخلاق ما لم يسطر في كتاب أو يدرس في جامعة، ولا أبالغ - بل والله هو الحق - إن قلت ان شيخنا الفاضل من بقية السلف في هذا الزمان ومن نوادر الرجال الذين اجتمعت لهم خصال الكمال البشرى من علو الهمة وتواضع النفس وكرم اليد وطلب العلم وكثرة العبادة وخدمة الناس وقضاء مصالحهم وشؤونهم، ولذلك فلا غرو أن يحبه الناس ويقدروه ويكون محط أنظارهم وقدوتهم ومرجعهم ولم يحصل على ذلك بشرف نسب وان كان من أعلاهم نسباً وأكرمهم جداً ولم يبلغ ذلك بكثرة ماله وان كان قد وسعّ له في رزقه وماله وما وصل ذلك لكثرة إنفاقه وإغداقه وان كان من أنداهم يداً وأسخاهم نفساً، بل بلغ ذلك بذلك كله ومعه اجتماع الدنيا والدين وما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا - فاجتمع له الزهد الحقيقي والسعي في طلب الرزق كما اجتمع له التعبد الصحيح وممارسة كافة أوجه الحياة الاجتماعية من صلة رحم وإجابة دعوة ومشاركة غيره في الأفراح والأحزان.. وبالاختصار فإن الشيخ - حفظه الله - جبل نادر من الأخلاق يحمل بين جنباته نفسا طموحة لكل خير سباقة لكل بر محجمة عن كل شر.
وحتى يعرف الشيخ من لم يعرفه من قبل أقول: إن الشيخ له في خدمة الأمة في العمل الوظيفي حتى الآن ما يزيد على ستين سنة فهو منذ أن جاوز الخامسة عشرة ابتدأ عمله في الإمامة والتدريس ثم بعد ذلك عمل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رئيساً ومعلماً ولا يزال حتى الآن، وكان مولده في عيد الأضحى عام 1343هـ أي انه قد التحق بالعمل الحكومي في عام 1360هـ تقريباً فله الآن ما يقارب ستاً وستين سنة في الوظيفة ولا اعلم - على حد علمي - أحداً على رأس العمل الآن له مثل هذه الخدمة الطويلة.
وهو مع هذا أيضا عمل إماماً للصلوات الخمس والجمع والأعياد كما عمل مأذوناً للأنكحة في الفترة نفسها ولا يزال وقد اجتمع له أن عقد النكاح لرجل وابنه وابن ابنه وابن ابن الابن أيضا كما انه كان في الفترة نفسها مسؤولاً ومشرفاً على لجان توزيع زكاة الحبوب والثمار محتسباً لوجه الله ورئيساً للجمعية الخيرية، وله نشاط رئيسي في الدعوة إلى الله ودعم حلق العلم وتحفيظ القرآن الكريم - كما أنه أيضاً كان مسؤولاً عن الأوقاف والمساجد قبل وجود إدارة متخصصة لها وكان أيضاً محل ثقة وعناية شيخه ومعلمه الإمام عبد العزيز بن باز - رحمه الله - الذي كان كثيراً ما يحيل إليه بعض الطلبات الشرعية والعلمية والاجتماعية للتحقق منها وأخذ رأيه فيها قبل اتخاذ سماحته لقراره أو إصداره لفتواه، كمسائل الطلاق أو الإفتاء بإقامة صلاة الجمعة أو بعض المسائل التي تهم المسلمين كالمواقيت ونحو ذلك.
وأمام هذا الزخم الهائل من المهمات العظيمة كنت لا تقابله إلا وتراه مبتسماً متهللاً ولا يشعرك بانشغاله عنك ولا يتذمر من كثرة ما يرتاده أهل الحاجات والمسائل، وفوق هذا كله قد لا تجد ملكاً أو مزرعة قديمة إلا وثائقها قد كتبت بخط يده لما كان يحظى به من ثقة لدى الناس فكانت كتاباته في قبولها وأهليتها كالصكوك التي تصدرها المحاكم الشرعية وتحظى بالقبول لدى القضاة والعلماء وعامة الناس.
هذا جانب من حياته هو أما والده الشيخ عبد العزيز بن محمد بن جلال - رحمه الله - فقد سبقه في القيام بهذه المسؤولية وتولى عمل الحسبة في الخرج والدلم منذ عام 1337هـ خلفاً للشيخ عبد الله بن ناصر بن بخيتان جد شيخنا لأمه الذي تولى هذا الأمر منذ أواخر القرن الثالث عشر وحتى عام 1337هـ حيث توفي في الوباء الذي حصل سنة الرحمة - رحمه الله - فللشيخ عبد الرحمن ووالده عبد العزيز وجده عبد الله في عمل الحسبة تواصل غير منبت وسلسلة غير منقطعة منذ ما يقارب مائة وثلاثين سنة.
أما تعامل الشيخ مع تلاميذه، وخاصته فضرب من الخيال وعجب من العجب فقد عملت معه ولازمته عشر سنين وأنا أصغر سناً من أصغر أبنائه وعملت تحت رئاسته فما أشعرني يوماً بأنني دونه في شيء وما أنبني ولا عنفني لا أنا ولا غيري من الزملاء، كان يثني على كل عامل بما يستحق أو يزيد فيبعث ذلك في النفوس مزيداً من الحماس وكان يهمل حقوقه الوظيفية ولا يلتفت لها حتى جاوزه من هم دونه في المراتب ولكنه لا يتسامح ولا يفرط في ضياع حقوق موظف لديه، فكثيراً ما كان يلح ويلقي بثقله لترقية موظف أو مكافأته الأمر الذي يبعث الثقة والارتياح في نفوس مرؤوسيه حتى لقد سمعت بأذني وكنت معه في إحدى مراجعاته أحد كبار موظفي الرئاسة يخاطبه ويتمنى ان لو كان موظفاً ومرؤوساً للشيخ ليحظى بهذه العناية.
سافرت معه وبتنا سوياً في مكان واحد فكان أقلنا نوماً وأولنا استيقاظاً كثيراً ما ننام وهو يصلي ثم لا نستيقظ إلا على صوت قراءته وصلاته في تهجده وقد لازم الحرم المكي منذ ما يزيد على أربعين سنة في شهر رمضان المبارك من أوله إلى آخر متعبداً ومتصدقاً ومطعماً للطعام، وفي رمضان الفائت لعام 1425هـ حظيت بمجاورته في مجلسه في الحرم الشريف فهو على كبر سنه وألم ظهره يرفض الصلاة على الكرسي لئلا يحرم لذة السجود، وكثيراً ما كانت تحدثني نفسي وتراودني أن أصلي النافلة والتراويح جالساً أخذا بالرخصة فأرى من عزيمته ووقوفه مع انحناء ظهره ومرضه ما يدفعني للخجل والحياء فأتجلد حيناً، وإذا ما غلبني الضعف اتركه وأصلي في مكان آخر، صليت بجانبه نافلة العصر القبلية في شهر رمضان في الحرم وكان سبقني إلى الحرم فأتيت بركعتين فقط فالتفت إلي مبتسماً وناصحاً وهو يقول: رحم الله امرئ صلى قبل العصر أربعاً فاستحييت وقمت للركعتين الأخريين.
كل هذا وهو لا يكاد يمر دقائق وهو في مجلسه المقابل للكعبة مما يلي الميزاب حتى يجلس بين يديه سائل ومحتاج فلا تسأل عن دقة الشيخ في التمييز بينهم وإعطاء كل سائل ما يليق به، فقد رأيته والله يعطي الريال والريالين وربما أعطى البعض بالآلاف فأساله فيقول ان الريال حين اصرفه وأنا غير متأكد من وقوعه في موقعه يكون عندي كبيراً وإذا كان في موقعه فلا يهم ولو كان ألفاً أو ألفين.. وكان يخص طلبة العلم من المنقطعين بالحرم بشيء من العناية وتفقد أحوالهم وله إسهامات في الداخل والخارج - حفظه الله ورعاه - وإذا أردت ان أصف الشيخ فجدير بي ان أقول انه نسخة أخرى في الخُلق والكرم ومحبة نفع الناس وسلامة الصدر وطيب النفس والتواضع من شيخه سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - ولا عجب فقد لازمه مدة أربعة عشر عاماً منذ أن بلغ عمره أربع عشرة سنة منذ سنة 1357هـ وحتى سنة 1371هـ ثم استمر بعد ذلك في الاتصال به والنهل من معينه مدة تزيد على ثلاث وستين سنة.
وأجدها فرصة بعد ان منّ الله بالشفاء على شيخنا واسأله ان يتم ذلك له أجدها فرصة لأرفع شكري وشكر كافة طلبة العلم ومحبي الشيخ وأهل الدلم والخرج لمقام خادم الحرمين الشريفين لاهتمامه الشخصي بفضيلة شيخنا ورعايته له في مرضه ولولي عهده الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض ولصاحب السمو الملكي الأمير عبد الرحمن بن ناصر بن عبد العزيز محافظ محافظة الخرج ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز على اهتمامهم ومواصلة سؤالهم عن صحة الشيخ ومتابعة حالته حتى عاد إلى عافيته.
وبهذه المناسبة فإنني أتوجه لصاحب الوفاء الأمير الشهم الكريم صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود - أمير منطقة الرياض -، وألتمس صدور توجيهه الكريم بتكريم الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن جلال وهو على قيد الحياة لقاء خدمته الطويلة في العمل الحكومي والخيري وذلك بإطلاق اسمه على إحدى المدارس وأحد الشوارع الرئيسية في الدلم - فهو جدير بذلك ولسمو الأمير سلمان قصب السبق في تكريم الرواد والوفاء لهم.. وفي الختام اسأل الله ان يمد في عمر شيخنا على طاعته وان يمتعه بصحة بدنه وعافية جسده وسائر قواته فهو والله من الأشياخ الركع الذين تندفع بهم البلوى، وترجى إجابة دعائهم في كشف الغمة عن المسلمين ولولاة أمرنا المسلمين.

المستشار سعد بن عبد الله بن غنيم

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved