Monday 14th March,200511855العددالأثنين 4 ,صفر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

متعة.. ما كان أجملها !متعة.. ما كان أجملها !
عبدالله الصالح العثيمين

متع الحياة التي وهبها الله للإنسان كثيرة. منها ما تتحقق بواحدة من الحواس الخمس المعروفة: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، ومنها ما تتحقق بأكثر من واحدة. ولكل منها لذتها ونشوتها. وما أعظم اللذة والنشوة في الاستماع إلى كلمة عذبة وعبارة جميلة. وكلما كان مضمون هذه العبارة وتلك الكلمة ذا دلالة على أصالة فكر قائلهما وتمسُّكه بثوابت هويته ازدادت متعة الاستماع عمقاً وتأثراً.
وإذا كان الكلام المتصف بهذه الصفات مبعثاً لمتعة الاستماع فإن كون قائله شاباً أو شابة يضاعف من لذَّة تلك المتعة ونشوتها والتجربة أكبر برهان.
أحسنت مؤسسة الفكر العربي صنعاً في إفساح المجال للشباب في مؤتمراتها العامة يعرضون فيها مشكلاتهم ويبدون آراءهم. وفي مؤتمر المؤسسة الأخير، الذي عقد في مراكش، سعدت بحضور جلسة من الجلسات المخصصة للشباب. وكان محور النقاش يدور حول الإصلاح المطلوب. وقد تحدث في تلك الجلسة أربع فتيات من أقطار عربية مختلفة، وأدارها فتى من السودان.
كانت إحدى تلك الفتيات فتاة من الجزائر، وكانت رائعة في أسلوبها وعرض فكرتها ومضمونها وإلقائها، وللمرء أن يتصوّر مدى الإعجاب بروعتها، وبخاصة أنها من وطن أراد من استعمروه سابقاً أن يقضوا على هُويته، التي من أركانها لغته العربية.. لغة القرآن الكريم الذي تعهّد منزِّله - سبحانه - بحفظه. ومما أثلج الصدور أنه تم اتفاق تلك الفتيات، إضافة إلى الفتى مدير الجلسة، على ضرورة الإصلاح في الوطن العربي، لكن يجب أن يكون هذا الإصلاح نابعاً من داخل الأمة لا مستورداً، أو مفروضاً من خارجها.
وفي الأسبوع الماضي سعدت بأن لبيت دعوة كريمة من جامعة الإمارات في العين لحضور الملتقى الأدبي لشباب الجامعات العربية. وكم كان احتفاء من دَعوا بالذين دُعوا عظيماً، وإن كان احتفاء الكرماء أمثالهم غير مستغرب.
وكان حضوري فرصة لي لتجديد اللقاء بأصدقاء أعزاء عرفتهم وعرفوني في لقاءات علمية سابقة أو عبر كتابات متصلة بتخصص الدراسة. وكان فرصة، أيضاً لمعرفة إخوة وأخوات لم تسبق لي سعادة معرفتهم ومعرفتهن من قبل. وكنت أظن أن تكريمي في ذلك الملتقى محصور في الحضور والاستماع. لكني فوجئت بغبطة وزيادة التكريم بأن دعيت للمشاركة في أمسية شعرية، وما كان لمثلي إلا أن يلبي الدعوة شاكراً ومقدراً. وكانت هناك بحوث جيدة عن أدب الشباب، بعضها عميق التخصص، وبعضها الآخر واسع الطرح عام التناول، وفي كلٍ خير وفائدة.. وماذا عن أولئك الشباب؟
لقد ساهم الطلاب والطالبات من جامعات عربية متعددة - بينها جامعة الملك سعود - بما دار من نقاش حول البحوث الملقاة في الملتقى، وكان مستوى تلك المساهمة رفيعاً. وأبدى أولئك الفتيان والصبايا ما لديهم ولديهن من إبداع في مجال الفكر والأدب، نثراً وشعراً. ولأن متعة كاتب هذه السطور تتحقق بالاستماع إلى الشعر أكثر من استماعه إلى النثر بمختلف أنواعه؛ فإن من الصعب عليه أن لا ينحاز في الحديث عن شيء مما سمع من شعر الشباب والصبايا. إحداهن - واسمها لميس - من العراق - أنهى الله احتلالها وفكَّ قيدها- كان لها من الثقة بنفسها ما جعل جرأتها وروعتها في الالقاء مثار إعجاب الجميع. وأخرى - واسمها مرام - من فلسطين طهرَّها الله من أدران الصهاينة. وكان لها من التمكُّن في اللغة العربية وجودة الشعر وحسن الإلقاء، أيضاً، ما أثلج الصدور وأنعش الأرواح. ومما ورد في قصيدة ألقتها أمام الحاضرين والحاضرات:


إن كان قافيتي سحراً
وبشعري (ينسحر) البشر
فعصا أشعارك تلقفها
أبطلت السحر ومن سحروا
أشعاري ومضٌ من قبسٍ
من نار شعورك تستعر
يا شمساً تعطيني ضوءاً
بغيابك ينطفئ القمر

على أنها خصَّت كاتب هذه السطور بإسماعه قصيدة جميلة أخرى من شعر التفعيلة عنوانها: (الديك صاح)، ومطلعها:
الديك صاحْ
وتسللت لملامحي تلهو بها
ريح الصباحْ
فتثاءبت صفحات أوراقي
المبعثرة الكثيرة
من فوق مكتبتي الصغيرة
وتنتهي بالقول:
وتلثمني نسائمه
وتهمس لي
صباح العشق يا طيراً
بغير جناح
نام الدجى
هبَّت الهوا
والديك صاحْ
وكان تألُّق الفتى الجزائري الشاعر بكاي الأخضري لا يضاهى، قوة شعر وحسن إلقاء، ولعلِّي أكون منصفاً - حسب الاستطاعة - إذا أتحفت القارئ الكريم بأبيات من قصيدة ألقاها في الملتقى، فخلب بها الألباب، وعنوانها: (يا قدس).


يا قدس عذراً ومثلي ليس يعتذر
قد بات أشجع مني الطير والمدر
تحوم حولك تلك الوُرق آمنة
يمور - لو عقلت - من تحتها الخطر
هو الوفاء.. فأمسى من بسالتها
ان ليس يزجرها خوفٌ ولا حذر
إن كان يقتل فيك الصخر غاصبه
فليت أني فيك ذلك الحجر
أو كان يبذل فيك الطفل مهجته
فدى ثراك فمن عوراتي الكِبَر
ها أنت هأنذا خطان ما التقيا
ونقطتان تعالت بيننا الجُدُر
وأمتي كلما حاق الهوان بها
ما علَّمتنيَ إلا كيف اعتذر
لكم تجلجل آهي في دياجرها
حتى انطويت وحتى ملَّني الضجر
يا صرخة صُلبت في الزَّيف أحرفها
وجذوة لفَّها في ثلجه الخور
قومي تثر منك آساد مزمجرة
وما عليك إذا لم تنتصر وزر
في ربوة القدس ثارت أمس زنبقة
أتعلمين لماذا الورد ينتحر؟
ونحن في الأرض أهمال مبعثرة
حيرى نفاخر أنَّا معشر صُبُر
هذا الزمان ونحن منه ظلمته
ونحن عُزَّته لو أنه بشر
وقيل: زلزلنا المقدار فاندثرت
صروحنا.. بل هوان العجز لا القدر
ويمضي الشاعر الفتى قائلاً:
القلب مني آهات مزمزمة
يمور من جانبيها الريح والشرر
والطرف أجمد لكن ان يكن ظفر
بالدمع.. هأنذا من عينيَ المطر
يا ليت أنَي طفل فيك ترفعه
يد الشهادة أو يا ليتني الظفر

أما كاتب هذه السطور فيرجو الله القوي العزيز ان يتغمد الشهداء برحمته ويكتب الظفر لأمتنا على أعدائنا.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved