Monday 14th March,200511855العددالأثنين 4 ,صفر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الوعي بوجود الطفلالوعي بوجود الطفل
د. عبدالرحمن الحبيب

في العديد من مجتمعاتنا العربية ينتشر الباعة الأطفال في الطرقات وقرب الإشارات، والأدهى من ذلك انتشار الشحاذين الصغار، في المدارس ينظر لتعليم الأطفال وتنمية مهاراتهم باهتمام ضعيف وبقليل من الاحترام، باعتبار ان مشاعر الطفل وأفكاره هامشية.
شاهد الطفل في حالات متنوعة: في الشارع ينظر للطفل على أنه عبء جاهل، فإن دخل دكاناً تعداه البائع إلى آخر.. في المدرسة المدرس لا يناقش الطفل بل يوجه له الأوامر.. في المنزل إذا دخل ضيف في المجلس يؤمر الطفل بالمغادرة الفورية؛ وحين يرغب بالمشاركة في عمل ما يستخف بمقدرته..الخ.
عندما ننظر الى الأطفال في مجتمعاتنا العربية قد نراهم ولكن لا نبصرهم، أين الطفل؟ إنه غير موجود كحالة إنسانية بل هو مجرد كيان غير حيوي، قد نراه إنما لا نشعر نحوه بالاحترام ولا الاهتمام الواجب.. نرى الطفل كما ننظر للشيء، أي ليست نظرة تعتبره موجودا بشريا حيويا وموضوعيا، وهنا نبحث عن الطفل أم نبحث عن القمع أم عن الوعي بوجود الطفل؟
الشائع في مجتمعاتنا العربية عدم الاهتمام بالطفل تربية وثقافة وتنشئة وحقوقا، وعندما نهتم بالطفل نتصوره مجرد وعاء لتلقي الأفكار الجاهزة والأوامر الناجزة، كي يشب بعد ذلك نسخة كربونية منا، بغض النظر عن قدراته ومهارته وتغير المرحلة الزمنية التي ينشأ بها مقارنة بما كنا عليه، فضلاً عن حقوقه كإنسان مكتمل الإنسانية وإن لم يكن مكتمل البلوغ الفسيولوجي.
وهنا يفوتنا الكثير في إدراك نمو شخصيته، مخاطرين بسلامة هذه الشخصية وما يمكن أن تقود إليه فيما بعد، بسهولة الانحراف سواء في التضليل الأيديولوجي وعقائده السياسية المتطرفة أو الوقوع في التهتك الاجتماعي كالجريمة والمخدرات أو أمراض نفسية أو حتى في أبسط الحالات عدم الشعور بالمسؤولية وبقيمة العمل والتبلد وفقد المهارات والقدرات الإبداعية..الخ.
ورغم تنامي الاهتمام بقضايا الطفل في العالم العربي إلا أنه ضعيف ولا يمكن مقارنته بالاهتمام العالمي حيث يحظى الطفل بمكانة أساسية بين كافة الاهتمامات باعتباره احدى الركائز الرئيسة في التنمية الشاملة، فتنمية دون إدراج قضايا الطفل في برامجها هي تنمية مشلولة زمنيا، وأصبح اهتمام المجتمع بأطفاله مقياساً لحضارته ومستقبله.
مثلاً لم يعد ينظر عالمياً لأدب الطفل باستخفاف كأدب صغار وجهلة، بل أدب رفيع له صفاته الجمالية وله جوائزه الدولية وكتابه المبدعين الأفذاذ، نتيجة العناية الفائقة بتلك الأعمال، لذلك يتفوق المنتج الغربي على أغلب منتجاتنا الفنية والأدبية لأطفالنا العرب، وهنا تجدر الإشارة بالدور الأساسي للمكتبات والأندية الرياضية والأدبية والمراكز والمؤسسات التنموية والثقافية ومنظمي الندوات، في مجال ثقافة الطفل.
ويوضح عبد التواب أن معادلة إنتاج أدب الطفل لدينا مختلة، في أمريكا مثلاً المعادلة كالتالي: خمسة آلاف عنوان جديد أو أكثر 25 ألف نسخة مقسومة على عدد الأطفال الذين يجيدون القراءة من سن الثامنة، بينما يجيدها الطفل لدينا في سن العاشرة - فتكون النتيجة من 8: 10 كتب يقرأها الطفل (هناك).
في الوطن العربي المعادلة هكذا 2.000 كتاب في العام ? 5.000 نسخة على أكثر تقدير مقسومة على ملايين الأطفال العرب الناتج يساوي فقرة في كتاب!!
وفي كتابه (تنمية ثقافة الطفل) يرى عبد التواب يوسف أن المشكلة الأساسية في ثقافة الطفل العربي أنها خضعت لممارسة اجتهادية وإلى توجهات وتصورات خاصة ولم تعتمد على خطة عملية تقوم على أرض الواقع الثقافي للطفل الذي لم يدرس ولم يبحث برغم كل المؤتمرات والندوات وحلقات البحث، حيث من الضروري إشباع الحاجات الأساسية للأطفال لكي يصبحوا مواطنين صالحين، وارضاء رغبة الطفل في المعرفة وحبه للاستطلاع وطموحاته للاستقلالية.
ربما نحن لم نفهم التركيبة الذهنية للطفل، مثلاً، عندما نطالبه بالصدق ونمارس الكذب أمامه كل لحظه، ونتوقع منه أن يفرز نوعية الكذب، من مزاح وكذب أبيض، وكذب اضطراري، ومجاملة، وكذب حقيقي وقح، والأخير نمارسه قليلاً ومضطرين أمام أطفالنا! لم نفهم التركيبة الذهنية لأطفالنا لأننا لم نفكر جيداً بهم بقدر ما فكرنا بأنفسنا، نظن أننا عبر التلقين نستطيع أن نقنعهم أو نعودهم على قناعاتنا، نحن لم نعتن بما يفكرون ويرغبون بمقدار عنايتنا بما نريد ونرغب! لم نتعامل معهم كبشر متفاعلين قدر تعاملنا معهم كأوعية تلق!!
لماذا هذه المبالغة في الاهتمام بقضايا الطفل؟ أولاً لأن للطفل كإنسان حقوق يجب الالتزام بها، فالطفولة براءة ومرح وتعلُّم من حق الأطفال أن ينعموا بها، معيشة وصحة وتعليما. يلي هذا الواجب الإنساني أهداف عديدة: تنمية المهارات الفكرية والإبداعية والنفسية للطفل؛ تنمية قيم العمل والتعاون الجماعي؛ تغذية روح الانتماء للمجتمع والوطن؛ إذكاء التفكير العلمي العقلاني المنظم؛ تعديل المفاهيم التقليدية السلبية التي طواها الزمن.. وكل هذه الأهداف هي في المطاف الأخير تصب في خدمة الإنسان والوطن، هناك خطأ تصوري في نظرتنا للطفل في المجتمعات العربية ناتج عن خلل في الوعي بوجودية الطفل.
إن علينا جميعاً: آباء وأمهات، تربويين وأصحاب قرار، رياضيين وفنانين وأدباء، تقديم قضية الطفل كمسألة ضرورية إنسانياً وتنمويا.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved