* مدريد - رويترز: تعرض الأطفال للتعذيب أمام آبائهم وخطفت نساء حوامل، ثم وضعن أطفالهن رهن الاعتقال.. وكان السجناء السياسيون يحتجزون في أماكن يستمعون فيها إلى صرخات زملائهم من فرط التعذيب. إنها بعض التفاصيل المروّعة التي كشف النقاب عنها شهود عيان في محاكمة غير عادية لضابط سابق بالبحرية الأرجنتينية هو الكابتن أدولفو سيسلينجو التي انتهت في الأسبوع الماضي. لقد كان هناك رجل واحد وراء القضبان في المحكمة لكن بدا من الواضح أن نظاماً عسكرياً بأكمله تجري محاكمته. قال المحامي مارتنيز موراتا في جلسة مغلقة يوم الخميس: (توصلت إلى خلاصة مفادها أن الهدف من المحاكمة هو محاكمة نظام وهو نشاط غير مقبول بالتأكيد.. أن يتم عبر (موكلي) ادولفو سيسلينجو. لقد أراد ذلك مدعون وجهوا تهم إبادة جماعية وتعذيب وإرهاب لسيسلينجو أمام المحكمة العليا في إسبانيا. ومن المتوقع صدور الحكم يوم 19 أبريل نيسان، حيث يطلب الادعاء إصدار حكم بسجن المتهم 9138 عاماً. وعصفت المحاكمة بأرواح ضحايا (الحرب القذرة) التي شنتها الطغمة العسكرية الحاكمة بالأرجنتين خلال الفترة بين 1876 و1983م ضد تمرد يساري مع أنهم كانوا يتعطشون للعدالة لكنهم في محنة مع استعادة ذكريات ما جرى فيما كان رجل واحد فقط هو الذي يواجه المحاكمة بعيداً عن الوطن. وفي كل الأحوال فإن الضحايا يقولون: إنها فرصة نادرة للأرجنتين لمواجهة ماضيها، لأن قوانين العفو عرقلت أي محاكمات في الداخل. قالت كارلوتا كيسادا التي تبحث عن حفيد تعتقد أن ابنتها جراسيلا كيسادا التي اختطفت وهي حامل فيه أنجبته بعدما اختفت (النظام كلّه يتم محاكمته.. الأمر هو أن سيلينجو كان الوحيد الذي اعترف). وتابعت (أنها العدالة الكونية). وهذه هي أول محاكمة من نوعها في إسبانيا تستند إلى مبدأ العدالة الكونية، حيث يمكن الإدعاء ضد أي جرائم شنيعة ارتكبت في أي مكان بالعالم.. إلا أن الأمر ليس هيناً على كيسادا. قالت: (لقد تحطمت إلى شظايا.. كل مرة يدلي فيها شاهد بأقواله نستعيد التجربة كلّها مرة تلو المرة.. لا نعرف أين اختفى أحباؤنا). وبعض ضحايا التعذيب مثل ادولفو بيريس اسكويفل الحائز على جائزة نوبل في السلام عام 1980م يستطيعون أن يحكوا ما جرى لهم بسهولة، حيث يتلهفون على كشف ما حدث. وآخرون يترددون لأسباب جلية. وقد وصفت امرأة اعترفت بأنها كانت تنتمي لجماعة مونتونيرو الثورية كيف ربطت وهي عارية إلى سرير معدني وعذبت بالصدمات الكهربية في مختلف أنحاء جسدها.. وقد غادرت المحكمة سريعاً وبهدوء عندما انتهت شهادتها. والتهم الموجهة إلى سيسلينجو تشير إلى أنه ساعد في الدفع بسجناء مخدرين وعراة من الطائرات وإلى قاع البحر. واعترف سيسلينجو في عشرات المقابلات مع الصحفيين وفي شهادة تحت القسم في مرحلة مبكرة من التحقيق إلا أنه تراجع عمّا قاله مشيراً إلى أن الأمر ليس سوى كذبة تستهدف البدء في تحقيق أوسع نطاقاً بالبحرية. وتقوم القضية في جوهرها على أن سيسلينجو عرف الفظائع التي كانت تجري حوله في المدرسة الميكانيكية بالبحرية سيئة السمعة التي كانت تستخدم كمركز اعتقال وتعذيب خلال الحكم العسكري بين عامي 1979 و1983م. وثوار مثل عناصر جماعة مونتينيرو أو جيش الثورة الشعبية شنوا هجمات على الثكنات العسكرية وحاولوا اغتيال ضباط. ويقول معارضون للحكم العسكري: إن رد فعل السلطة كان مروعاً، حيث اعتقلت كثيرين دون محاكمات. واختفى 30 ألفاً كما تقول جماعات حقوق الإنسان. قال جوييرمو ليبدنسكي شقيق سوزانا بيتريز ليبدنسكي التي اختفت يوم 18 مارس آذار 1976م عندما اقتحم مسلحون منزلهم في وضح النهار وأخذوها بعيداً (أريده أن يدفع ثمن ما اقترفته يداه إلا أن هناك آخرين مازالوا مطلقي السراح ويتمتعون بحياتهم). وأضاف ليبدنسكي الذي عاش في إسبانيا لسنوات طويلة أن الأرجنتين ليست مستعدة تماماً كي (تتحمل المسؤولية) عمّا جرى خلال الحرب القذرة.. لكن إسبانيا مثلها أيضاً. لقد أقرت إسبانيا قوانين للعفو عن الجرائم التي ارتكبت خلال الحكم الدكتاتوري للجنرال فرانشيسكو فرانكو الذي حكم في الفترة من نهاية الحرب الأهلية عام 1939م حتى موته في 1975م. قال ليبدنسكي (إسبانيا أيضا تريد أن تنسى بسهولة).
|