دخلت الأزمة اللبنانية منعطفاً وعراً بعد أن تعذرت كل السبل لإيجاد مخرج لتباعد مواقف الأطراف السياسية المتداخلة في الأزمة مع غياب طرف ثالث فعال قادر على تقريب وجهات النظر المتناقضة؛ فالرئيس عمر كرامي المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، والذي يسعى إلى تشكيل حكومة حوار وطني لا يجد استجابة من نواب المعارضة الذين يجدون في إعادة تكليفه بتشكيل الحكومة تحدياً لهم وإمعاناً في تعميق الأزمة؛ ولذلك فإنهم يصرّون على أن تنفذ شروطهم أولاً قبل الموافقة على الاشتراك في أي حكومة، وشروطهم تبدأ من إقالة رؤساء الأجهزة الأمنية والاستخبارية المسؤولين عن جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وأن يتم الكشف عن الجهات التي نفذت جريمة الاغتيال وخططت لها، وأمرت بتنفيذها، وأن يتم استكمال انسحاب جميع القوات السورية. هذه الشروط يعتبرها مَن يسمّون (نواب الموالاة) شروطاً تعجيزية، فإذا كانت القوات السورية مستمرة في إتمام عملية الانسحاب وفق بنود اتفاق الطائف، فإنه لا يمكن أن يجزم أحد بأن الانسحاب سيتم في وقت قصير، وإذا تم هل يكون انسحاباً كاملاً بخروج جميع القوات السورية من الأراضي اللبنانية..؟ أما بالنسبة لإقالة رؤساء الأجهزة الأمنية والاستخبارية فإن الأمر لا يمكن تنفيذه من خلال حكومة مستقيلة، فلا يستطيع وزيرا الداخلية والدفاع، وحتى رئيس الحكومة، إصدار قرارات بتنحية قادة الأمن والمخابرات وهم مستقيلون، إذ مهمة رئيس الحكومة والوزراء تصريف الأعمال وليس اتخاذ قرارات مهمة. أما الكشف عن قتلة الشهيد الحريري والجهات التي أمرت بتنفيذه وتخطيطه فلا يمكن أن يتم في وقت قصير ولا حتى طويل؛ لأن مثل هذه الأعمال، وبالذات في لبنان، لا أحد يستطيع أن يكشف عنها، حتى وإن عرف مَن نفذها ومَن يقف وراءها. وستظل (الجريمة) تتقاذف تهمها عدة أطراف، حتى وإن أعلنت الجهات الدولية التي تتولى التحقيق نتائجها فسوف تتهم بمحاباة جهة على حساب جهة أخرى. إذن هذه الشروط التي تطرحها المعارضة لا يمكن أن تحققها أية حكومة، سواء برئاسة كرامي أو غيره؛ ولذلك فإن وضع مثل هذه الشروط - كما تقول الأطراف التي يسمونها الموالاة - مقصود لعرقلة تشكيل الحكومة، وبالتالي قيادة البلاد إلى فراغ سياسي يتيح الفرصة للقوى الدولية للتدخل في الأزمة وتدويلها؛ وبالتالي فرض تنفيذ القرار 1559 الذي لا تقتصر بنوده على سحب القوات السورية، بل هناك بنود تتعلق بنزع سلاح المقاومة اللبنانية وتوطين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، وهو ما يعني تجاوز اتفاق الطائف الذي يتم بموجبه الآن تنفيذ سحب القوات السورية من لبنان، ولذا فإن المراقبين يرون أن المعركة السياسية الدائرة الآن، والتي تمثل (المعارضة) و(الموالاة) طرفيها هي معركة بين أنصار اتفاق الطائف وأنصار القرار 1559 أو بعبارة أخرى بين الحل العربي.. وبين التدويل.
|