في المؤتمر الذي التأم تحت مظلة الخطوط الجوية السعودية، في العام الماضي، وقد حضرت حفل الافتتاح، واستمعت إلى خطاب الدكتور خالد بكر الحماسي، وهو خطابٌ فيه الكثير من التحدي للمنافسة في خدمات أسطولنا الجوي، وكنت مشفقاً على هذا التحدي، غير أن الرجل الذي تحمل تبعة ذلك الهدف، لا يمكن أن يكون قد انطلق من فراغ، وإنما هو يتكئ ويستند إلى إمكانات دفعت به إلى القول، إن السعودية ستكون أكبر منافس في النقل الجوي، والدكتور بكر يدرك من يتحدى من الشركات العملاقة الكبرى، الأطول تاريخاً في النقل الجوي والأكثر إمكانات وقدرات وحرية وممارسة وأكثر مرانة! * استمعت إلى ذلك الخطاب الجاد وغير الهازل، لأنه من مسؤول يقدر ما هو مقبل عليه، ويدرك أهمية ما أعلن على رؤوس الأشهاد، وقد كتبت يومها في هذه الصحيفة حلقتين أو ثلاثاً، بثثت فيها خواطري.. وقلت كلمتي ومضيت.. وخلال الأيام التالية لذلك الملتقى، مرت بنا أيام مواسم، ورأيت ورأى غيري أن ثمة تقصيراً في النقل داخل المملكة، ونحن عبر أسفارنا في قارتنا، أعني المسافات الطوال، مثل جدة - الرياض، جدة - الدمام.. إلخ، ليس من اليسر استعمال السيارة، وليس ثمة بديل كالقطار السريع، الذي يعوض طوال العام وليس وقت الأزمات! * ولعلي أدركت بآخرة أن تركيز مدير عام السعودية في ذلك المؤتمر، الذي اتسم بالتحدي، قد ارتكز أو أن الهدف هو النقل الجوي خارج الحدود.. لكن تظل قضية النقل الداخلي قضيتنا غير اليسيرة، في زمنٍ ليس فيه بدائل، لأن مشروع السكة الحديدية، وأنا أزعم أنني منذ نصف قرن، ومنذ قرأت مرسوم الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الذي صدر قبل ثلاثة أرباع القرن بمد خط للسكة الحديدية بين مكة وجدة، وأنا أحلم وأرجو أن يتحقق الحلم والأمل ببدء نهضة يدعمها القطار.. وطفقت أكتب وأترقب فجر سبيل نقل متطورة كما هي حال الأمم الراقية. وأخذت أكتب، وربما أغضبت كتاباتي بعض وزراء المواصلات، وليس لي هدف سوى أن أرى وطني في مصاف الأمم التي سبقتنا بمشروعات وارتقاء حياتي. * إذاً فإن أسطولنا الجوي المدني الوحيد في النقل اهتماماته تركّز أكثر على النقل الخارجي في ساحة المنافسة، لكن في النقل الجوي الداخلي لا توجد منافسة مع أحد، لذلك فإن الخدمات تهتز في المواسم ونحن نعايش هذا الاهتزاز وهذا الخلل، والقضية معلنة أمام القاصي والداني.. ولو كانت هناك - خصخصة - في النقل الجوي الداخلي، لرأينا منافسة تؤدي خدمات أفضل طوال العام، بعيداً عن الإرباك والنقص.. ومنذ سنين كنا نسمع عن تحويل نقلنا الجوي إلى شركة وطنية، تغطي القارة بخدماتها، إلى أن تفرج قضية النقل بالسكك الحديدية، غير أن أمر الخصخصة لم يتحقق بعد.. وإذا كانت السعودية تقول إن النقل الداخلي فيه خسارة، فلعلها تعالج هذه القضية من خلال مجلس الوزراء لحل المشكلة، أما أن تختل حركة النقل الجوي الداخلي، في المواسم والإجازات فأمر، تتحمل مسؤوليته الإدارة العامة لهذا الأسطول المدني، وما يقبل منها أي عذرٍ في تقصير تتحمل تبعته وحدها، ومسؤولة عنه! * خلال الأيام الأخيرة من شهر ذي القعدة، تجمع المئات من الركاب في مطار الرياض، لكنّ موظفي السعودية هناك لا يملكون صلاحيات تصرف، ولعلهم مقيدون بلوائح لا يتجاوزونها.. ودخل بعض الركاب في تحاور مع بعض المسؤولين هناك، وقال أحد المسؤولين: لو طلبت طائرة تحمل ثلاثمائة راكب أو أكثر، ثم التفت حولي فلم أجد ربع هذا العدد ماذا أصنع؟ وقال له أحد النابهين من الركاب المنتظرين الفرج ليلحق بأهله في جدة: خذ (كوبونات) التذاكر من المسافرين، وبذلك تحل المشكلة.. ولعل الموظف المسؤول رجح هذا الاقتراح، فنفذ ما طلب منه.. والعجيب أننا ندخل في معضلة تصادفنا.. ولا نجد من يبادر إلى حلها، والخاسر فيها الراكب، الذي ركّز سفره في بلاده على الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامه ولاسيما في المسافات الطوال، مثل: جدة الرياض، وجدة الدمام!. * وأقرأ في صحيفتنا الجزيرة الصادرة بتاريخ الإثنين 7- 12-1425ه الموافق 17 يناير 2005م، في الصفحة الأخيرة (إلغاء مفاجئ للرحلات مع ثبوت الوقفة).. وتحت هذا العنوان، عنوان ببنط أكبر يقول: (تفجر أزمة حجوزات يربك سفر (80) ثمانين ألفاً من حجاج الداخل.. وأقرأ تعليقاً بعنوان بارز للجريسي - يقول ل(الجزيرة): (ما حدث ليس ارتباكاً، وإنما خسائر بالملايين وكارثة.. ومفاد هذا التفجير كما قيل: (صدور قرار الخطوط السعودية بتأجيل عشرات الرحلات كان مفترضاً مغادرتها يوم (7) ذي الحجة). * إذاً فالسعودية كما تقول تلك السطور (عقدت اجتماعاً طارئاً كما قال عبدالمجيد الجريسي، (على حد تعبيره) وقررت إلغاء جميع رحلات مؤسسة حجاج الداخل المستأجرة والمدفوعة قيمتها مسبقاً منذ شهر رمضان المنصرم، وتحويلها إلى يوم (8) ذي الحجة، وذلك استناداً إلى ثبوت أن وقفة عرفات يوم الأربعاء.. وهذه الحال لم تقتصر على الرياض وحدها بل شملت المناطق الشرقية والجنوبية، إذاً فإن هذه القضية تمادت إلى مشكلات وخسائر مادية بالملايين، ولست مدعواً لأي تعليق، فما نُشر في الجزيرة فيه كل ما ينبغي أن يقال.. وقد شاهدت بنفسي يوم الأربعاء الثاني من شهر ذي الحجة، زحاماً كبيراً في مطار الملك عبدالعزيز، وهو آخر يوم للعمل والدراسة، وكنت أطمع أن أجد كرسيين إلى المدينة على أي درجة، لكن موظف - الكاونتر- قال لي: ليس فيها استيعاب لأحدٍ، وفهمت من ذلك، أنه لو أمكن تغيير الطائرة بأكبر لأمكن سفر المزيد من الناس.. وأنا منذ مساء الثلاثاء أحاول الحصول على مقعدين، لكن الاعتذار بعدم الإمكانية هو الجواب الحاسم. إذاً نحن لا نحسب حسابات الطوارئ والزحام، ومتقلبات المواسم والإجازات الداخلية..! وكما قلت آنفاً فإن تركيز الخطوط السعودية ينصب على النقل الخارجي فقط، وهو الذي حمل المدير العام على الرهان في مؤتمره في العام الماضي الذي أشرت إليه آنفاً.. أما النقل الداخلي، فإنه ماضٍ حسب الظروف والتسهيلات، كأن التعامل مع وسيلة نقل جوية في البلاد علاقة أجاويد كما نقول في الأمثال.. والسؤال: أين الالتزام وتحمل المسؤولية؟ ومَن المسؤول عن النقص والخلل؟.
|