مدخل
نقلت لنا جريدة الجزيرة الغراء بتاريخ 13-1-1426هـ أن عضو مجلس الشورى الدكتور عبدالرحمن بن عبدالله المشيقح طرح توصية ذهبت إلى المطالبة بإنشاء جامعة تقنية جديدة تكون نواتها كلية تقنية الرياض (برنامج البكالوريوس)، وحيث إن موضوع التوصية سيخضع لنقاش قريب في مجلس الشورى الموقر، فقد بدا لي أن المبادرة في طرح بعض الرؤى والأفكار العامة حيال هذه التوصية قد يكون ذا فائدة في النقاش والإنضاج. وتجدر الإشارة إلى أن الطرح في هذا المقال سيتجه إلى تناول موضوع تأسيس الجامعة التقنية بشكل عام دون الدخول في الأطر الإدارية والتنظيمية والإجرائية والتي يتعين أن تخضع لدارسات علمية تفصيلية. الجامعة الوليدة.. بواعث التأسيس
ثمة بواعث متعددة تؤيد من وجهة نظري صحة ما ذهب إليه الدكتور المشيقح وتؤكد وجاهة طرحه والمتمثل بتأسيس جامعة تقنية جديدة. وطلباً للاختصار في الطرح أقف مع أربعة بواعث كبيرة عبر العناوين التالية: أولاً: الجامعة عين للاقتحام
الجريء لفضاءات جديدة
يتميز التعليم التقني الفعال بخضوعه لثورة معرفية ديناميكية في سياقاته النظرية والعملية، ويتسم بدرجة كبيرة من التعقيد في مجالاته المتنوعة، ويمتاز ذلك اللون من التعليم بأنه مكلف ويتطلب استثمارات كبيرة، وهذا يقودنا إلى تقرير أن برامج التعليم التقني يجب أن تسبق وتؤطر بفلسفة متعمقة ترشده وتحدد له ميادينه وأولوياته. وقد سبق لي في بعض الأبحاث التأكيد على أن تلك الفلسفة يجب أن تنبثق من مشروع حضاري، حيث يعد ذلك الانبثاق شرطاً أساسياً ل(النجاح النهضوي) المنشود، وهو ما نصت عليه وثيقة السياسة الوطنية للعلوم والتقنية التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر في 27-4- 1423ه (سنشير لها لاحقاً بالوثيقة الوطنية). إن اتكاء برامج التعليم التقني في مختلف الوحدات على فلسفة تقنية عميقة تحمل نظرة شمولية (انظر الأساس الإستراتيجي الأول من الوثيقة الوطنية) يعد في نظري استبصاراً ضرورياً ومقوماً مهماً لا لنجاح تلك البرامج في تحقيق أهدافها المباشرة فحسب، وإنما لممارسة نوع أرقى من التفكير، من شأنه أنه يعلو فوق مستوى المشكلة.. نوع آخر من التفكير يقتحم به المنظرون والمخططون والباحثون ميادين جديدة أو ميادين مألوفة بطرق وروح جديدة، بشكل يؤدي إلى تكامل مفردات منظومة العلوم والتقنية (انظر الأساس الإستراتيجي الأول)، ويلبي حاجات المشاريع النهضوية في مختلف المجالات من خلال استجابة ذكية لمتغيرات السوق واستشراف دقيق لمؤشرات المستقبل. ويمكن للجامعة الجديدة من وجهة نظري أن تكون مصدراً رئيساً يسهم بشكل فاعل في بلورة وتطوير تلك الفلسفات.. والجامعة بهذا الاعتبار أشبه ما تكون بعين حادة لجسد يكبر وتنمو أطرافه. ثانياً: الجامعة تصنع
ثقافة (المنظمات المتعلمة)
سبق لنا تقرير أن التعليم التقني يخضع لثورة معرفية ضخمة، الأمر الذي يؤكد على أهمية إيجاد ثقافة (المنظمات المتعلمة) Learning Organizations في فضاء التعليم التقني. ونعتقد أن الجامعة التقنية تصلح لأن تكون مركزاً لإرساء مقومات وثقافة المنظمات المتعلمة في وحدات التعليم التقني، وذلك لعدة أمور من أهمها: 1. توفر عدد من الباحثين المؤهلين في مختلف المجالات ذات الصلة بالتعليم التقني وفلسفته وطرائق التدريس وأساليب التدريب المناسبة، لاسيما وأن الجامعة تستطيع تهيئة البيئة الملائمة للبحث العلمي، سواء من حيث تفريغ هؤلاء الباحثين جزئياً أو كلياً، وتوفير كل الموارد اللازمة والخدمات المساعدة للباحثين (انظر الأساس الإستراتيجي الثالث من الوثيقة الوطنية)، الأمر الذي يمكّن الجامعة من الاضطلاع بالجهد الأكبر من البحوث والدراسات في مجال التقنية، على نحو يضمن وجود آلية منهجية لعمليات التحديث في الفكر التقني وتطبيقاته العملية. 2. إمكانية استقطاب أساتذة ومحاضرين وباحثين متمرسين من بعض الدول المتقدمة في محاولة منهجية للإفادة من مدارس الفكر المختلفة Different Schools of Thought في مجال التعليم التقني، وقد نصّ البند العاشر من الأساس الإستراتيجي الثالث من الوثيقة الوطنية للعلوم والتقنية على ذلك (ويمكن الإفادة من أولئك، نظراً لإمكانية استخدام اللغة الإنجليزية بشكل أساسي في الجامعة كما سيتم توضيح ذلك لاحقاً). 3. بناء علاقات وطيدة بين الجامعة ومراكز الأبحاث العلمية التي تعتني بالمجالات التقنية في أبعادها النظرية والتطبيقية (انظر الأساس الإستراتيجي التاسع من الوثيقة الوطنية). 4. توثيق الصلة بالمراكز التي تهتم باستشراف مستقبل التعليم التقني ورسم سيناريوهاته (انظر البند السابع من الأساس الإستراتيجي الرابع والبند الثامن من الأساس الثامن من الوثيقة) على خارطة العولمة بسهولها وهضابها! ثالثاً: الجامعة وهندسة الأكفاء
ثمة حاجة ماسة لصناعة محاضرين ومدربين أكفاء في وحدات التعليم التقني المختلفة يمكنهم النهوض بأعباء التعليم والتدريب وتنفيذ برامجه والتي يجب أن تتسم بالتحديث الديناميكي الذي يتكيف بمرونة لطلبات السوق Adaptation and Flexibility.. وصناعة أمثال هؤلاء يجب أن تتم داخل الرواق الجامعي المشدود بأوتاد الأعراف الأكاديمية والمتكئ على أعمدة البحث العلمي، نظراً لتوفر الجامعة على مقومات متعددة، ويهمنا في هذا السياق إبراز أهم مقومات نجاح الجامعة في عملية التأهيل للمحاضرين والمدربين، والتي نختصرها في الآتي: 1. قيام الجامعة بالأبحاث الضرورية لعلميات التطوير والتحديث في فضاء التعليم التقني، وهنا تلزمنا الإشارة إلى وجود ميزة تختص بها الجامعة عن بقية الوحدات الإدارية التي يمكن أن يعهد لها بعملية التطوير، حيث تخضع عملية التطوير في تلك الوحدات للبيروقراطية التي قد تؤثر على الحس المنهجي في عملية التطوير، بخلاف الأمر في الجامعة، حيث يسود المنهج العلمي المدعم بطرائق التفكير الخلاّق، والذي يمكن أن يقودنا إلى الخروج من (صندوق) البيروقراطية وحدودها الحمراء، يُضاف إلى ذلك خضوع نماذج وأطروحات وفلسفات التطوير المقترحة للنقد المنهجي في جو علمي هادئ يبتعد عن ضغوط البيروقراطية ومواعيد الإنجاز التي يغلفها غالباً توقيع (عاجل)! 2. استخدام الجامعة للغة الإنجليزية (في كل أو بعض التخصصات وبأقدار معينة يتم تحديدها في ضوء دراسة علمية خاصة - انظر البند الثامن من الأساس الإستراتيجي الأول من الوثيقة الوطنية)، حيث نعتقد أن تلك اللغة مقوماً رئيساً في تأهيل المحاضرين والمدربين الذين يتم صناعتهم في رحاب الجامعة، والذين سيتولون مهام التعليم والتدريب في مختلف وحدات التعليم التقني وبالذات الكليات التقنية، وتقريرنا لأهمية اللغة الإنجليزية في ميدان التعليم التقني تنبثق من طبيعة هذا اللون من التعليم حيث يعد من الحقول المتجددة بشكل ثائر، لاسيما أن مشاريع الترجمة العربية لم تحقق نجاحاً يذكر في تلك المجالات، لعدم اصطباغها بمقومات وشروط المشروع القومي في سياقه النهضوي والاقتصادي، حيث غلب عليها التشتت وضعف التراكمية وغياب التنسيق. رابعاً: الجامعة موئل النابهين
ثمة اعتبارات مهمة تؤكد على أهمية وجود آليات منهجية وإجرائية لاكتشاف الموهوبين والمبدعين في مجال العلوم التقنية، تمهيداً لانخراطهم في سلك الباحثين النابهين الذي يدفعهم شوق الاكتشاف وحرارة البحث ولذة الإنجاز، أو انضمامهم في سرب المدربين الأكفاء. ونعتقد أن إنشاء جامعة تقنية يمكن أن يتيح فضاءً جيداً للنابهين والمتفوقين في وحدات التعليم التقني، من خلال إتاحة الفرص لهم لإكمال دراساتهم العليا في المجالات التي برعوا فيها (انظر البند السادس والسابع من الأساس الإستراتيجي الثاني من الوثيقة الوطنية)، الأمر الذي يمكّننا من الإفادة من مواهبهم وتنمية مهاراتهم البحثية والتدريبية (انظر الأساس الإستراتيجي السابع من الوثيقة). وختاماً آمل أن يكون في الأسطر القليلة الماضية ما عساه أن يفيد في المطارحة والإنضاج لتوصية الدكتور المشيقح الجريئة بإنشاء جامعة تقنية جديدة في ضوء السياسات والإستراتيجيات العامة للتعليم التقني في المملكة، والتي يجب أن نستمر في مراجعتها وتطويرها وفق مشروعنا النهضوي بمنطلقاته وأولوياته ومتطلباته.
(*) كاتب وأكاديمي سعودي |