Monday 14th March,200511855العددالأثنين 4 ,صفر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "تحقيقات"

(الجزيرة) تحاور عدداً من المدمنين وتسجل اعترافاتهم:(الجزيرة) تحاور عدداً من المدمنين وتسجل اعترافاتهم:
المخدرات قضت على حياتنا ودمرت مستقبلنا

* تحقيق - ماجد التويجري:
المخدرات خطر كبير وداء عظيم. دمرت أسراً.. وفككت مجتمعات.. آثارها السلبية لا تعد ولا تحصى.. وباختصار هي الدمار.
(الجزيرة) عايشت وعن قرب المأساة التي ذكرها عدد من مدمني المخدرات والذين هم في طور العلاج التأهيلي بمركز التأهيل النفسي ببريدة كما أخذت آراء بعض من المختصين للحديث عن أسباب الوقوع في براثن المخدرات.. فإلى ما قاله هؤلاء:
بدأية تحدث لنا أحد مدمني الحشيش والخمر لمدة عشر سنوات كانت حياته مليئة بالهم والنكد على حد تعبيره رغم أن عمره لا يتجاوز الخمس والعشرين سنة.. يروي لنا بداية دخوله في هذا العالم المظلم ويقول: كنت أعيش في هناء ورغد من العيش ولله الحمد ومن المحافظين على الدين والصلوات وكنت موظفاً في وظيفة استطيع القول عنها بأنها محترمة، اجتماعياً في حياتي محبوباً بين أهلي وأقاربي وأصدقائي.
كانت علاقتي بأشخاص محدودين قوية ولكن بعضهم لا يعرف الآخر.. ذهبت ذات مرة إلى أحد الأصدقاء غير المقربين- وليتني لم أذهب-.. كنت أنوي من خلالها زيارته في استراحته، وقد كانت هذه الزيارة نقطة تحوّل كبيرة في حياتي وأي تحوّل من السعادة إلى الشقاء.
ويضيف أنه أثناء تبادل أطراف الحديث بيننا عرض علي سيجارة حشيش وبدأ يشجعني على أخذها لأنها ترد (الروح) على حد قوله، وتذهب الهم والنكد، خصوصاً وأنني في ذلك اليوم كنت ضائق الصدر لمشاكل عائلية بسيطة أفصحت بها له.
أخذت ما ناولني إيّاه بعد إلحاح من صديق السوء.. بعدها ولأنني كنت حريصاً على الحصول عليها ظناً مني أنها كانت سبباً في اتساع صدري وذهاب الهم عني، كنت أتردد عليه بعدما كنت غائباً عنه شهور عدة.
بدأ يواعدني في أي مكان ويناولني ما أريد أو بالأصح ما يريد هو.. في البداية كان متعاوناً معي وفجأة انقلب الحال وقال لي بالحرف الواحد أريد مقابل ما أعطيك؟!! تفاجأت في البداية ولكن لم أمانع حتى أنني ذات مرة سافرت أكثر من 300 كم لشراء قطعة من الحشيش من صاحبنا.
ويضيف بحزن قائلاً: تحولت حياتي إلى بؤس وجحيم وكان همي الوحيد الحصول على المال لشراء المخدرات حتى إنني اضطررت ذات مرة للسرقة وتكسير زجاج السيارات لسرقة ما فيها.
صاحبنا كان يتهرب عني إذا لم يكن معي مال حتى أنه كان يطردني ولا يبالي رغم أنني أتوسل إليه، اهتمامي بنفسي قليل حتى بت لا أملك سوى ثوب واحد فقط.
ويواصل حديثه بذكره لقصة (مؤثرة) حدثت له ويقول: ذات مرة طلبت من والدتي (مبلغاً من المال) حيث كان والدي متوفياً رحمه الله، ولم تستجب لطلبي وقالت لي بالحرف الواحد: أنت تطلب الدمار لنفسك.. فشتمتعها وضربتها في يدها بسبب العصبية التي تحدث لي عندما لا أحصل على مرادي وخرجت من المنزل مسرعاً لا أعلم إلى أين أذهب.. بعدها- دمعت عيناه لتأثره بالموقف-!
ويواصل بتنهد عميق، لم أهتم لشتم والدتي ولا لضربها فقد كان همي أكبر من ذلك وهو الحصول على المال لا أحرقها بذلك الدمار، استخدمت طريقة قد تجلب لي مرادي، غررت بأحد أصدقائي السابقين (البريئين) والذي لا يعرف حتى (الدخان) أوقعته بالفخ كما وقعت به من قبل حتى أدمن على المخدرات بصورة مبدئية رغم أنه صغير ولا يتجاوز عمره 22 سنة، وأصبحت آخذ منه مبلغاً واشتري لي وله حتى أنني ملكته ولا يستغنى عني أبداً.
ويكمل حديثه بقوله: مللت هذه الحالة والوضع الذي أنا فيه.. فكلها انطوائية وعصبية ونار موقدة وأهل المخدرات كل ينظر لنفسه، وأذكر أنني على علاقة بشخص استمرت أكثر من خمس سنوات وكنا نشتري المخدرات سوياً، وذات مرة سرقت مبلغاً من أهلي وأعطيته ليشتري لنا وعندها ذهب واشترى لوحده وأنكر أنه أخذ مني رغم أن المبلغ ليس باليسير.
علمت والدتي بالسرقة كون المبلغ كبيراً وطردتني من المنزل إن لم أكف عن ما أنا فيه.. خرجت ذليلاً وسكنت عند عمالة آسيوية في السكن الخاص بهم وعاملوني معاملة جيدة وكان أحدهم يعلم بما أنا فيه ونصحني كثيراً.. جلست عندهم عشرة أيام تقريباً.. الكل يشمئز مني حتى ضاقت بي الدنيا، اتصلت على خالي للتوسط عند أهلي الرجوع للبيت، أن أترك المخدرات وأعود إلى صوابي، عدت منتكس الرأس، أهلي لا ينظرون إلي وضعي من سوء إلى أسوأ.. جلست ذات مرة مع نفسي وسط بكاء عميق يخرج من جسدي بأكمله، إلى متى أنا على هذا الحال.. إلى أين أسير في هذه الدنيا.. لماذا الناس يتحاشون الاقتراب مني.. أسئلة كثيرة لم أجد لها إجابة سوى الذهاب إلى أخي الكبير طالباً إيّاه أن ينقذني مما أنا فيه، حتى أذكر أنني عندما دخلت عليه وأنا مجهش بالبكاء رأف بحالي لأول مرة وصار يبكي معي واعداً إياي بأن يذهب بي إلى المستشفى.. وفعلاً ذهبت وتعالجت لفترة.
وعندما خرجت وجدت أهلي باستقبالي بكل صدر رحب، وأخبرت إمام المسجد بأنني مقبل على الالتزام بإذن الله طالباً إياه البحث عن مجموعة تساعدني، وفعلاً قدّم لي ما أريده- جزاه الله خيراً-.. وها أنا أمامك مرتاح نفسياً ولله الحمد، وأبحث حالياً عن زوجة صالحة تكمل نصف ديني، وأحب أن أختم حديثي برؤية رأيتها بالمنام قبل فترة وجيزة، وهي إنني ذاهب بصحبة شيخ يخطب لي ابنة رجل كبير في السن فوافق قائلاً: ما زال مستقيماً فأهلاً به.. فذرفت دموعه بعد هذا الحديث الطويل، مختتماً بقوله: إن صاحب المخدرات ومن يتعاطها يشبه (بالذباب) الكل (يهشها) ويتزمر منها وإذا أصلح الله حاله وتاب يكون كالنحلة لا تعطي إلا طيباً.
الاختبارات البداية
ويضيف خالد 25 سنة قائلاً: ثماني سنوات قضيتها في تعاطي المخدرات بأنواعها.. كانت البداية في السير بهذا الطريق عندما كنت في الثانوية العامة وتحديداً أيام الاختبارات حيث عرض عليّ أحد الزملاء (حبوب منشطة) تساعد على المذاكرة وحفظ المعلومات، فعلاً طلبتها وكان لها مفعول أكثر من جيد في اعتقادي ولم أعلم أنها ستكون بداية الدمار والأسى.
أخذت على هذه الحبوب حتى أدمنت عليها وبت لا أستغني عنها خصوصاً وأنه ليس هناك مراقبة من الأهل والوالد لا يعلم بماذا أقضي وقتي ومن هم رفقائي.
استمررت على هذا الحال حتى انتقلت للدراسة في المرحلة الجامعية بمدينة أخرى وهنا صفا لي الجو.. وأصبحت أكثر حرية من ذي قبل.. أخذت الجامعة تسلية وكنت لا أذهب في الأسبوع سوى مرة أو مرتين وأحياناً كثيرة لا أذهب.
تعرفت على رفقاء سوء هناك وكانوا يقضون جلّ وقتهم عندي في (الشقة) وأذكر أن أحدهم قال لي: إن هناك نوعاً جيداً من الحبوب أفضل من الذي معك لم أبال بنوعيتها وطلبتها منه وفعلاً اكتشفت أنها أقوى تأثيراً، واصلت على هذا الوضع سنتين حتى فصلت من الجامعة لكثرة الغياب، أخبرت والدي أنني غير مرتاح نفسياً في هذه المدينة، فوافق على إرسالي لمدينة أخرى ليكتمل مشوار الدمار والفساد والضياع.
ويواصل حديثه بتنهد قائلاً: جلست في هذه المدينة خمس سنوات تقريباً تعاطيت فيها أنواعاً عديدة من المخدرات لم أدرس يوماً واحداً حيث إن وضعي زاد سوءاً مع المخدرات وأصبحت أكثر إدماناً.. علم والدي بوضعي الدراسي وقال لي: لن تفلح أبداً.. وطلب مني الرجوع والعمل معه في التجارة.
عدت مكرهاً.. وهنا وقعت الطامة التي لم أكن أتوقعها- أخذ نفسا عميقاً مكملاً حديثه- ويقول: عدت إلى المنزل ليلة من الليالي وكنت في وضع سيئ إنني لا أعرف ماذا حولي دخلت المنزل ووقعت أمام غرفة والدي وكان ذلك قبل الفجر بقليل، ولم أستطع المقاومة لمفعول المخدرات القوي، علماً أن غرفة والدي بجانب غرفتي ولكن لم أستطع أن أكمل المشوار.. أيقظني والدتي مع الأذان تقريباً وسط خوف وهلع منها خشية أنني مصاب بشيء مكروه وما إلى ذلك ولم تعلم (المسكينة) أنه من آثار المخدرات- سكت قليلاً يبكي-.
ويكمل ويقول: جاء والدي بسرعة بعد نداء من والدتي وعندما أيقظني صفعني وقال لي: وقعت في السموم، بماذا قصرت معك، لماذا تسير في هذا الطريق، وسط بكاء من والدتي حتى أكاد أن يُغمى عليها..!!- سكت طويلا والدموع تسيل على خديه-، ويضيف: عاتبني والدي طويلاً حتى أن الدمعة هي الأخرى لم تفارقه.. جردني من الفلوس والسيارة وأدخلني غرفة وأغلق عليّ الباب وفي الصباح أخذني إلى المستشفى وجلست ستة أشهر للعلاج، وبعد أن أنهيتها وخرجت عدت إلى المخدرات ثانية لأنه لم يكن هناك عزيمة لدي، كما أن المجتمع الذي حولي لم يساعدني، استمررت على هذا الوضع ثلاثة أشهر تقريباً وما ساعدني أن والدي كان مسافراً في ذلك الوقت.. علم أحد أقاربي وهو من المشهود لهم بالصلاح بإذن الله.. ونصحني حتى الإقناع بأن أعالج مرة أخرى وفعلاً ذهبت للعلاج بعدما قلت لوالدي إنني أريد أن أعالج مرة أخرى خشية الرجوع إلى ما أنا فيه سابقاً.
قضيت ثماني سنوات كنت خلالها الابن البار للمخدرات.. لا أرى حياة بدونها وكنت أعتبرها أفضل صديق لي، رأيت من خلالها رفقاء السوء على حقيقتهم وكيف يكيدون لك المكائد.
واختتم حديثه بقوله: أنصح إخواني الشباب وخصوصاً الطلاب بأن يحذروا من الاقتراب من المهالك والحبوب المدمرة لأنهم سيجدون كل سوء وبلاء وخاصة الحبوب التي تظهر أيام الاختبارات المدرسية لأنها بداية النهاية.
عظة وعبرة
(ع. م) 26 سنة، قضى في هذا العالم المظلم أكثر من ستة سنوات يروي لنا أسباب وقوعه في المخدرات ويقول: أحمد الله أني الآن بصحة وعافية، والحقيقة مؤلمة جداً ولكن سأذكر ما عندي وما حدث للعظة والعبرة.
كنت شاباً في مقتبل عمري موظفاً في أحد القطاعات كان لي أصدقاء نذهب ونجلس سوياً ونسافر سويا أيضا، نجتمع تقريباً كل يوم، اثنان من المجموعة يتعاطيان حبوباً على سبيل التعبث، ولكن في فترات متفاوتة، لم نعرهما أي اهتمام ولكن كنا فيهم أثر (الفرفشة) و(الوناسة) إذا تعاطوا هذه الحبوب.
رغبت في تجربتها في سبيل التجربة فقط ظناً مني أنها غير مؤثرة ذات مرة حدثت لي مشكلة مع أهلي وهي بكل صراحة مشكلة عائلية بسيطة ولكن الشيطان حريص، ذهبت في ذلك اليوم إلى أحد الأصدقاء وطلبت منه حبّة بعد ماشرحت له مشكلتي علّ الهم يزيل عني وأخرج من مشاكل أهلي؟!!.
حقق لي مطلبي وبدأ يكيل لي بالمدح والثناء بأن هذه هي (الرجولة) أخذتها، وفعلا أنستني ما أنا فيه.. وليتها لم تُنسني!!.
أصبحت بعد هذه الحبة التجئ إلى هذا الداء الخطير في أي مشكلة تواجهني حتى أدركت فعلاً أنني أدمنت المخدرات، علمت والدتي بعدما رأت تصرفاتي الغريبة، ومرضت ثلاثة أشهر بسببي لأنني كنت الوحيد الذي أسكن عندها في المنزل، وقد كانت في شك لمدة خمس سنوات تقريباً وبعد ذلك تيقنت حتى أنها دخلت المستشفى.. ويضيف طلبتني ذات مرة في المستشفى وقالت لي: إن أملي بعد الله في الشفاء هو أن تعالج، وأخذت تبكي وتدعو لي ومن تلك اللحظة وعدتها وعداً قاطعاً بأن أذهب للعلاج، عندها نزلت دمعة من عينيه وقال: شفيت ولله الحمد ولكن والدتي توفيت.. بعدها رفض أن يكمل الحديث.
جلسة مرح جعلتني مدمناً
(سعد) 26 سنة قضى أكثر من ثماني سنوات في عالم المخدرات قال: جهلت في بداية حياتي وتحديداً في سن المراهقة حيث تعلق قلبي برفقاء سوء دمروا حياتي حتى وصلت إلى حال الله أعلم بها.
كنا نقضي جل الأيام بعيداً عن الله.. الصلاة لا نعرفها، بر الوالدين آخر ما نفكر فيه، والكثير من المعاصي نسأل الله المغفرة.
ذات يوم ونحن جالسين (4 أشخاص) على ما أذكر، جاءنا صديق وأي صديق وجلس برهة معنا سامرنا من خلالها وبعد أن أخذت الجلسة وضعها أخرج من جيبه (حبوب) وقال: إنها (توسّع) الصدر، ولطيش الشباب الذي نعانيه أخذنا هذه الحبوب لأن كل هّمنا الوناسة.
ويواصل حديثه قائلاً: استمررنا على مثل هذه الجلسات وفي كل مرة يأتي صاحبنا ومعه هذه الحبوب حتى أنه في إحدى الجلسات أتى ولم تكن معه، وعند سؤالنا عنها قال: إذا أردتموها فادفعوا مبلغاً وفعلاً أعطيناه قيمتها وأصبحنا نشتاق إليها من حيث لا ندري!.
تبدل وضعنا الاجتماعي، فالأمر ليس سهلاً لأننا وقعنا في عالم مظلم ألا وهو المخدرات التي كنا نسمع عنها ولم نكن نتوقع يوما من الأيام أن نكون من أصحابها.
ويضيف قبل أن أتعمق في مخاطر الدمار والفساد حصلت لي وظيفة جيدة ولكن للأسف المخدرات أكلت كل شيء فيني.
أهلي والمجتمع الذي حولي عرفوا بحالي وها أنا فيه وكانوا كثيري النصح لي حتى أنهم يتعمدون وضع كتيبات تحتوي على قصص ومواعظ في الأماكن التي أتواجد فيها في المنزل.
لم أبالي بها في بداية الأمر حتى مرت الأيام تلوى الأخرى وسئمت من هذه الحياة وأردت أن أبدّل نظام معيشتي فقررت أن أذهب إلى المستشفى للعلاج بعد الاتفاق مع أحد أقاربي، وفعلاً ذهبت وتعالجت وأحمد الله على ما أنا فيه الآن.
ويختتم حديثه قائلاً: بفضل من الله لم أكن متعمقاً بالمخدرات كغيري من المدمنين وإلا حدث لي ما حدث من المآسي التي نسمعها، ولكن أردت أن أذكر قصتي للعظة والعبرة.
سعادتي الزوجية انقلبت إلى شقاوة
ويواصل (حمد) الحديث قائلاً: أبلغ من العمر 47 سنة قضيت 20 سنة منها في عالم المخدرات.
كانت البداية في الخارج وعندما وصلت إلى أرض الوطن أكملت مسيرتي في هذا الداء الخطير حتى أدمنت وأصبحت أتعاطى أنواعاً من المخدرات من شراب وحبوب وما إلى ذلك.. كنت بعيداً عن الصلوات وعلى ذكر الله فكرت ذات يوم في الزواج حتى أنني كنت أتعاطى بخفية حتى يوافق أهلي على تزويجي وفعلاً تزوجت وكنت سعيداً في البداية ولكن انقلبت هذه السعادة إلى شقاوة بعد ما علمت زوجتي بأنني أتعاطى المخدرات، تصالحنا أكثر من مرة رزقني الله بأولاد أربعة، أصبحت حياتي الزوجية بين وبين.
ويضيف قائلاً: زوجتي بارك الله فيها صالحة وحريصة على علاجي وكانت تتستر عليّ في أمور كثيرة ولكن المخدرات لها فسادها ودمارها حدث لي موقف ما زلت أحزن عليه وهو أنني كالعادة وصلت إلى البيت وأنا في حال الله أعلم بها، وجلست أنتظر العشاء وما إن تأخر لبضع دقائق حتى رميت به على الأرض عند تقديمه.. وأذكر أن أبنائي وزوجتي (ناموا) في ذلك الوقت وهم في حال خوف كبير ولم يتطعموا في تلك الليلة.
مللت الوضع والحال الذي أنا فيه حتى قررت أن أعالج وفعلاً عالجت ولله الحمد والآن كما تراني محافظاً على الصلاة في وقته وحياتي الزوجية عادت إلى السعادة وأحب أن أختم حديثي بأن المخدرات رأس المشاكل والإهانات، وأحذّر الجميع من الوقوع فيها والاّ يكون ضحية مرجيها وخصوصاً في الخارج كما حدث لي.
أما الابن خالد صغير في السن لم يتجاوز (19) عاماً ربيعاً عاش مع المخدرات ثلاث سنوات رغم أنه في ريعان شبابه يحدثنا عن الشرارة الأولى التي أوقعته في عالم الظلام والفساد ويقول: كان لي صديق عزيز عليّ نجتمع سوياً، أكثر جلوسنا في منزلهم، له شقيق أكبر منه سناً كثير الجلوس معنا إذا كان في المنزل.
ذات مرة جاء وهو في حالة غريبة لم نعهدها من قبل ويكرر كلمات (أنا مبسوط) وما إلى ذلك، حاولنا أن نستفسر عن السر في ذلك فرفض لأننا على حد قوله صغار.
فرضنا عليه أن يخبرنا فأخرج من جيبه (حبة) صغيرة بيضاء وقال: بسبب هذه أنا مبسوط.. طلبنا أن يعطينا (حبة) لكل واحد فوافق حتى أصبحنا نأكلها يومياً وأحسسنا أنا وصديقي بصعوبة فراقها.
أهملت دراستي وفصلت من المدرسة بحجة أنني لا أستطيع الذهاب إلى المدرسة لأسباب نفسية، استمررت على هذا الحال، الصلاة لا أعرفها، أتهرب عن الاجتماعات سواء العائلية أو التي في الحي.
حدث لي موقف مع أهلي كان سبباً في معرفة أخي الأكبر بحالي حيث أذكر أنني دخلت المنزل وأهلي مجتمعون ورفعت صوتي طالباً الورث رغم أن والدي ما زال على قيد الحياة، قام أخي وجذبني إلى غرفة وبدأ يحاورني حتى أبلغته بما أنا فيه، قرر أن يذهب بي إلى المستشفى دون أن يخبر أحداً وفعلاً عالجت ولكن للأسف عدت إلى الانتكاسة بعد سنتين لأن العزيمة والإرادة لم تكن موجودة، ولكن ولله الحمد لم استمر حيث وقف معي أحد الإخصائيين النفسيين الذين كنت أعالج عنده والآن بلا رجعة لأنها مأساة وضياع للوقت والمال وأسأل الله أن يتوب علي.
خطر
أستاذ علم الإجرام المشارك رئيس مركز الشيخ ابن سعدي للدراسات والبحوث الدكتور يوسف بن أحمد الرميح قال: لقد عرف الإنسان المخدرات منذ أكثر من 400 سنة تقريباً واستخرج الهيرويين في القرن الثامن عشر، ومنذ معرفة هذه المواد المخدرة والكثير من الناس يستخدمها ليهرب بها من واقعه.. ولذلك فقد أصبحت هذه المخدرات من متطلبات الحياة في بعض المجتمعات المخلة أخلاقياً.
وأشار إلى أن المخدرات تؤثر على الفرد والأسرة والمجتمع بطرق سيئة ومخيفة جداً، إذا أنها سبب مباشر لانهيار العديد من الأسر وتفككها وانحلالها، ولذلك نهى الشرع الكريم عنها بل وحرمها وجعل عقوبات قاسية مترتبة عليها.
وأضاف: إن حكومة المملكة العربية السعودية عملت على التعامل مع مستخدم أو مدمن المخدرات على أنه (مريض) يجب علاجه فأوجدت عدداً من المستشفيات والوحدات الصحية المتخصصة بهذا الداء العضال.. منها مستشفيات الأمل التابعة لوزارة الصحة والمتخصصة في علاج المستخدمين والمدمنين على المخدرات بأنواعها وعن النظر لمشكلة المخدرات، فلابد لنا من دراسة ومعرفة بعض أسبابها، فمن أهم العوامل المسببة لاستخدام المخدرات هم أصدقاء السوء أو الرفقة (السيئة).. فهذا العامل يعتبر أهم عوامل استخدام المخدرات.. حيث إنه من المتعارف عليه علمياً وعالمياً أن المخدرات هي مستخدم اجتماعي ومن النادر ان يستخدمه الإنسان بمفرده، ولكن في الغالب مع الآخرين كجماعة وهذه الرفقة يشجع بعضها بعضاً على استخدام المخدرات ويبين صاحب الخبرة (الخبرة) لمن هم أقل منه بها.. وغالباً ما تستخدم المخدرات بجلسات اجتماعية بين الأصحاب والأصدقاء إذا الصديق هو العامل الأساس لاستخدام المخدرات، فيجب على الجميع الحذر من صديق السوء الذي يؤدي إلى التهلكة وإلى جحيم المخدرات.
وأوضح الدكتور الرميح قائلاً: إن الصديق قد يستفيد من صديقه عن طريق المخدرات وذلك عن طريق إهداء الجرعات الأولى من المخدر كهدية ومن ثم يدمن الآخر ويعتمد على الصديق في شراء هذه السموم وقد يستفيد الصديق الأول من استخدام صديق للمخدرات بأن يحصل منه على أي شيء يريده مثل المال او حتى العرض عندما يدمن على المخدر فيدفع كل ما يطلبه الصديق منه.
كذلك من العوامل المساعدة على إنتشار المخدرات بين الشباب الأسرة وسوء التربية الأسرية.. فبعض الأسر يقع في طرفي نقيض، إما أن تكون قاسية جداً والابن عندما يفعل أي شيء يقابل بعنف شديد من الوالد مثل الضرب والسجن وغيرها من أنواع العقوبات وهذا يدفع الابن للهرب من المنزل حيث يتلقفه أصدقاء السوء الذين يستقبلونه بالترحاب ويستفيدون من وجوده بينهم لترويج المخدرات كل ذلك حصل بسبب العنف الأسري.
كذلك من المشكلات الأسرية إهمال الابن فلا تعرف الأسرة مكان الابن سواء جلوسه أو نومه أو سفره.. والابن للأسف مهمل يسافر وقت ما يشاء ويجالس من يشاء دون رقيب ولا عاقل يوجهه وهذا بلا شك يدفعه لشرور كثيرة لعل أحدها المخدرات استخداماً وترويجاً وكل هذا حصل بسبب إهمال الأسرة للابن أيضاً.
مشكلة ثالثة أسرية كذلك هي الأسرة المنحرفة فالوالد الذي يستخدم المخدرات أو يشرب الخمر ويشاهده أطفاله في هذه الحالة سوف يكبرون ويتقبلون المخدرات كأمر واقع لما شاهدوه من استخدام بعض أفراد الأسرة لها.ويضيف إن من أسباب الوقوع بالمخدرات أيضاً (البطالة) حيث إنها توجد في الشباب وقت فراغ كبير لابد من أن يعبأ سواء بخير أو بشر والبطالة بشكل عام تسبب عند الشباب عدم وضوح الهدف ومعنى الحياة، حيث إن العمل يوضح مسار الحياة للشاب كذلك يوجد له دخلاً ثابتاً فيكون للحياة معنى وهدف مما يبعده عن طريق المخدرات وتأثيراتها.
كذلك من أسباب استخدام المخدرات السفر للخارج خاصة لصغار السن، فهناك يتعرض لمن يعرض عليه المخدرات لحثه على الإدمان ومن ثم يكون زبوناً دائماً له.. ولذلك فمن الخطورة بمكان ترك صغار السن يسافرون لوحدهم خارج الوطن لسهولة التأثير عليهم من طريق تجار المخدرات وغيرهم من أهل الأفكار الهدامة والفاسدة.
كما أن المتعة والتغيير وحسب الاستطلاع والتجريب لكل غريب وجديد حتى وإن كان مهلكاً من أهم الأسباب المؤدية للوقوع بالمخدرات وإدمانها.
وأخيراً وليس آخراً من الأسباب المهمة وقد يكون أهمها هو ضعف الوازع الديني فلا يوجد رقيب داخلي يمنع الحدث من الاقتراب من المخدرات ويبتعد عن الحرام ويبتعد عن الناس الصالحين وأهل المسجد وتضعف عن الشخص الرقابة الذاتية للنفس مما يؤدي إلى استخدام وإدمان المخدرات في بعض الأحيان.
الوقاية من الإدمان
عندما يفكر أي منا في قضية أدمان المخدرات وتأثيراتها السلبية على الفرد والأسرة والمجتمع.. وسواء كنت فرداً تفكر كيف تقي نفسك وتريد أن تعرف كيف تقاوم وتبتعد عن أي مؤثرات قد تدفعك إلى الاقتراب من هذا الخطر الصحي والاجتماعي الكبير، أو سواء كنت أباً أو كنت أماً تحاول دفع هذا الوباء عن أبنائك، أو سواء كنت معلماً في مدرسة أو مؤسسة تعليمية وترغب في حماية تلاميذك ومدرستك.. فإنك حتماً ستجد الإجابة على هذه التساؤلات من خلال ما ذكره عميد كلية الطب بجامعة القصيم الدكتور صالح بن عبدالله الدامغ الذي قال: حاولت الدراسات والأبحاث خلال العقدين الماضيين أن تحدد الأسباب التي تدفع الأفراد إلى الإدمان وكيف تنشأ هذه المشكلة لدى الفرد، وما هي العوامل التي تدفعه لتجربة المخدرات ومن ثم إدمانها وعدم القدرة على التخلص منها، وقد حددت الدراسات مجموعة من تلك العوامل التي إذا ما تواجدت في فرد ما فهي تزيد من احتمالات وقوعه في مخاطر الإدمان وتسمى هذه العوامل (عوامل المخاطرة) وعلى العكس من ذلك فهناك مجموعة من العوامل إذا ما توافرت في الفرد تقلل من احتمالات إدمانه للمخدرات وتزيد من قدرة على مقاومة أي إغراءات تدفعه إلى تجربة المخدرات إذا ما تعرض لها، وتسمى هذه العوامل (عوامل المقاومة) وأن كلتا هاتين المجموعتين من العوامل موجودتان في كل إنسان بدرجات مختلفة، وتتفاعلان مع بعضهما البعض داخل الفرد، وتبدأ تأثيرها على الفرد في مرحلة مبكرة من عمره قبل دخول المدرسة، ويستمر التأثير عليه في مراحل نموه المختلفة وحتى مرحلة الرجولة وربما إلى ما بعدها.
ويضيف: إن أهم ما تشمله عوامل المخاطرة هو التصرفات العدوانية التي تظهر مبكراً في شخصية الطفل في بداية سنوات عمره، ويبدأ تأثيرها السلبي مع أولى سنوات الدراسة الابتدائية، حيث يقل إندماج التلميذ مع باقي زملائه في الابتعاد عنه والخوف من سلوكياته إذا ما تقربوا إليه.. وكثيراً ما يلجأ المدرسون إلى عقاب الطفل على سلوكيات السلبية داخل الفصل الدراسي او مع زملائه، ويقل تحصيل التلميذ الدراسي فيبدأ في الإحساس بأن المدرسة والمدرسين والزملاء يرفضونه ولا يعطونه الحب والعطف الذي يحتاجه في تلك المرحلة السنية، ويبدأ في رفض المدرسة والرغبة في عدم الذهاب إليها التفكير في الحصول على زملاء أو أصدقاء يشاركونه مثل رفضه ومن ثم تبدأ رحلة الإدمان وتتضمن عوامل المخاطرة أيضا سوء التحصيل الدراسي وعدم اهتمام التلميذ بواجباته المدرسية وعدم الانتظام في الذهاب إلى المدرسة، حيث إن تلك التصرفات تخلف لدى التلميذ في مراحل السن المبكرة عدم الالتزام بالقيم الإيجابية في المجتمع، كما تجعله أكثر استعداداً لقبول أي قيمة سلبية أخرى، ويتولد لديه عدم الاكتراث بنظرة المجتمع السلبية إلى الفشل الدراسي أو أي نظرة سلبية أخرى، حيث يتولد لدى الطفل ابن الإحساس بأهمية إشباع رغباته دون الاهتمام بنوع الرغبات أو عدم قبول المجتمع لها.
ويواصل د. الدامغ حديثه قائلاً: إدمان أحد أفراد الأسرة أو تدخينه للسجائر يعتبر من عوامل المخاطرة الهامة التي قد تساعد الطفل على الإدمان لأن الأسرة وأفرادها يشكلون لدى الطفل أحد الروافد الهامة للحصول على القيّم والمبادئ ودوافع التصرفات وخاصة في المراحل الأولى من العمر، ولا يقتصر دور الأسرة على ذلك، بأن الرقابة الفعالة والسليمة والإيجابية التي يعطيها الأبواب لأطفالها تعتبر من أهم عوامل الوقاية من الإدمان، حيث يجب على الأب مراقبة أي تغيير في تصرفات الابن ومعرفة أصدقائه ومساعدته في اختيارهم ومراقبة تحصيله الدراسي ومساعدته في اختيار قراءاته الخارجية دون اللجوء إلى التدخل القهري ولكن من خلال الحوار والإقناع والتفاهم.
ويختلف تأثير عوامل المخاطرة باختلاف النوع والعمر فبينما يتأثر الطفل الذكر كثيراً بعواقب سلوكه العدواني يكن تأثر الطفلة أكثر بضعف التحصيل الدراسي. والتدخل المبكر لعلاج عوامل المخاطرة يؤدي إلى نتائج أفضل مما لو تأخر العلاج إلى مرحلة المراهقة حيث تكون عادات الفرد وتصرفاته ومواقفه قد تشكلت ويصبح من الصعب تغييرها، وأن علاج جميع عوامل المخاطرة ومواجهتها أفضل من الاكتفاء بعلاج عامل واحد وإغفال العوامل الأخرى وأن تقوية الجوانب الإيجابية في سلوك الطفل في المجتمع والأسرة التي يعيش فيها قد تساعد كثيراً على مقاومة عوامل المخاطرة وإذا ما تواجدت وصعب علاجها.
الرعاية اللاحقة ودورها الإيجابي
الرعاية اللاحقة في مركز التأهيل النفسي بالقصيم لها دور إيجابي في عملية تعافي المدمنين بعد الله.
مدير إدارة مكافحة المخدرات بمنطقة القصيم العقيد عبدالله بن عبيد الرشيدي أكد أن ظهور الرعاية اللاحقة في المركز استجابة منطقية لتعديل نظرة المجتمع للشخص المدمن خاصة بعد خروجه من المجتمع العلاجي وأنه لا يستحق الازدراء والتنكيل به ومعايرته بما فيه ورفضه وعدم قبوله وأنه بحاجة إلى الرعاية والاحتواء ومساعدته ليواجه الحياة من جديد بطريقة فعالة بحيث يمكنه تخطي ما يعترض طريقة من عقبات، مما يساعده ويمكنه أن يظل على التعافي والثبات ومن ثم يحقق أقصى قدر ممكن من التوافق مع نفسه ومع مجتمعه الأمر الذي يترتب عليه عدم الانتكاسة مرة أخرى.
وعن برامج الرعاية اللاحقة بالمركز قال: تعمل بنظام الفترتين في اليوم صباحية ومسائية، ومن ضمن البرامج المقدمة العمل على مناقشة حالاتهم وحل مشكلاتهم ودعمهم داخل أسرهم وتقوية أواصر العلاقة بينهم وبين أسرهم.
وهناك برامج دينية إرشادية، وبرامج ترفيهية ورحلات للعمرة، والحج بالإضافة إلى الأنشطة الصيفية وأتقدم بجزيل الشكر والتقدير للإخوان العاملين بمركز التأهيل النفسي بالقصيم من كادر طبي وإخصائيين اجتماعيين ونفسين ومرشدين على رحابة الصدر في تعاملهم مع هذه الفئة والتي بإذن الله سيصبحوا أعضاء نافعين في المجتمع.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved