Friday 18th March,200511859العددالجمعة 8 ,صفر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

تحوّل القلوبتحوّل القلوب
د. محمد بن عبد الرحمن البشر

تسمّي العرب القلب بملك الجوارح، لسيطرته عليها، كما يسيطر الملك على أطراف مملكته، وفي تنظيم شؤون رعيّته، والقلب بما أودع الله فيه من قدرة في التّحكم على تغيير أعمال الجوارح، إلى الاتجاهات الحسنة بصلاحه، أو المسارات السيّئة بفساده، كما يوجه الملوك والرؤساء شؤون رعاياهم، ويصرّفون ما يتعلّق ببلادهم، بما يصدرون من تعليمات، وما يرسمون من أنظمة، وما يهيأ من أجهزة للتنفيذ والمتابعة، رغبة في البحث عن الأحسن متى صلحوا وأخلصوا، لذا اعتبر علماء الإسلام المنافق وصاحب الشهوة مريض القلب.
وقد أثبت مكانة القلب، والدور الفاعل الذي يرتبط به، في توجيه سائر أعضاء الجسم، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جاء فيه: (ألا وإنّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب).. واستناداً إلى هذا، كان الناس يحرصون على هذا الدعاء بقولهم: أصلح الله قلبك.. لأن بصلاح هذه المضغة، تصلح أعمال صاحبها.
فهذه المضغة رغم صغر حجمها، وضآلة الحيّز الذي تحتلّه من جسم الإنسان، فإن المادّيين يرونها، من زاوية، غير ما يراها الشرّعيون، لأن واقع عملها الظاهر لمن يدرس علوم الإنسان بالطبّ والتّشريح، يبيّن له سيطرة القلب على الدورة الدموية في الجسم البشري، وأهمية عملية هذا القلب في ضخّ الدم، قبضاً بالسحب، ودفعاً بالتوزيع.. وبتوقّف حركات القلب تتوقّف الحياة في صاحبه.
وهذه العملية، خلفها مسميات علميّة عديدة، عرفوها بالتّجربة، واهتموا بمسيرتها ووظيفتها بالمتابعة، ويعرف من ذلك الأطباء: ضغط الدم انخفاضاً، وضغط الدم ارتفاعاً، وما يعني هذا في صحة الجسم، وما ينبغي له من علاج، ومثل ذلك ما يتعلّق بدقّاته ونبضاته، وعلاقة هذا بهبوط القلب.
والأطباء برصدهم لأعمال القلب، اتضح أمامهم أشياء كثيرة، بانت في تسابقهم العلمي، وبحوثهم المتواصلة، حتى وصلوا إلى زراعة قلب تالف، بقلب سليم، قد يكون قلب شاب أو امرأة، أو من فئة عبادتها وعقيدتها ولغتها تغاير، من زرع له القلب..
لكن القلب الجديد يزاول الأعمال الظاهرة للأطباء الماديين أمّا الأعمال الخفية كالعقيدة، والعلوم الدينية، وما استوعبته الذاكرة من أمور خاصة وعامّة وعلمية، فإنها تعود لصاحبها الأول، ولم تذهب مع قلبه القديم الذي استبدل منه.. وهذا سرّ من الأسرار التي عجز العلم الحديث عن الوصول إليها، لأنهم كما قال سبحانه: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(سورة الروم6)، فأين موضع التعقل عندهم، مع أن الله قال: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا}( الحج46).
لكن أبسط نتيجة وصلوا إليها: أنّ توقف حركة القلب: تعني توقف حركة الجسم كلّه، وبالتالي يفقد الإنسان الحياة.
وهذا الدور نسميه الدليل التعليمي النّقلي المادي.
والشعراء يأخذون من حركة القلب، استنتاجاً، بأنه يخبر الإنسان عن ماهية الحياة ومدتها في مثل قول الشاعر:


دقّات قلب المرء قائلة له
إن الحياة دقائق وثواني

وهذا يدخل في مجال الحكمة والوعظ، حتى يستعد لآخرته، قبل توقّف هذه الحركة في قلبه، حيث تنتهي حياته، لكن الدليل النقلي من شريعة الإسلام، يرسّخ أموراً عقليّة، أمكن من الماديات، حيث تنقلب الحركة والانفعالات في الجسم كلّه، بتأثير هذا القلب: حباً أو بغضاً، رقّة أو قسوة، خضوعاً أو تجبراً، وغير هذا من الأحاسيس والانفعالات المتضادّة.
هذه الأمور تتحول إلى أمور تؤثر في انفعالات الجسم وعمله، وتسيطر على أعماله المحسوسة وتصرفاته الصغيرة والكبيرة، ولذا جاء في الدعاء المأثور: (يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك..) وتحول القلب من حالة إلى حالة، سواء من حسن إلى سوء، أو من سوء إلى حسن، أو من حسن إلى ما هو أحسن منه، أو غير ذلك.
كل هذا له مؤثرات ومواقف.. وإن من فضل الله على عباده، أن الأمر الوجداني والعاطفي في القلب، لا يؤثر على عمل القلب اليومي، ووظيفته الدائبة في توزيع الدم على أنحاء الجسم، سواء كان صاحب القلب نائماً أو يقظاً، أو مسروراً أو بائساً، وسواء كان غنياً أو فقيراً.
هذه التحوّلات القلبية السريعة، وراءها حكمة بالغة، يقدرها الله سبحانه، لأنه سبحانه هو مقلب القلوب والأبصار، ويعلم ما تصلح به أحوال العباد، وما ستؤول إليه أفعالهم، ومصائرهم، وهذا يقترب من أسرار الروح في الإنسان.
وفي حياة كثير من المسترشدين، نماذج من أعمال ساقتهم إلى طريق الخير، ومواقف غيّرت مجرى حياتهم، فصرفتهم عن مسارب الردى والضلالة، وقادتهم بتوفيق من الله، إلى تلمّس المسالك المؤدّية إلى الأمور النافعة، والأعمال الجيّدة، ليرتادوا لأنفسهم منهجاً مغايراً، لما ساروا فيه من قبل، حيث أعانهم الله على معرفة الدّرب الآمن، فهيأ لهم قرناء صالحين أوصلوهم إلى بر الأمان، وهذا من هداية الله التي قال الله عنها لرسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} (سورة القصص56) فقد يكون الإنسان ذا ذكاء وعقل راجح، في أمور دنياه، يستشيره الآخرون في المهمات المتعددّة، فيمحضهم نصحه ويرشدهم لما فيه منفعتهم، ويتبعون رأيه، فيحققون المطالب التي يرتجون وينجحون في مهامهم.
لكنّهم هم وهو خاسرون في أمور الآخرة، لأنّ الله لم يرد لهم ذلك.. وهذا من أسرار القلوب وتعقّلها، وموطن الذكاء والفطنة.
وأين مستقره من جسم الإنسان.. وقديماً قال الشاعر:


عن المرءِ لا تسأل وسلْ عن قرينه
فكل قرينٍ بالمقارنِ يقتدي

قالقلوب السليمة تنقاد بالكلمة الطيّبة، وبالقدوة الصالحة.. وبالتوجيه الرقيق، ومن نشأ في بيئة صالحة، فإنه كالفرس الأصيل تسهل قيادته وسياسته، وإن صعب أمره في بداية الأمر، إلا أنه يسلس فيما بعد ويستجيب، ولذا صارت الأعمال بالنيات، والنية موطنها القلب: خيراً أو شراً نسأل الله السلامة من كل شرّ يفسد القلوب.
من علم ابن عباس:
جاء في كتاب: مقالات الأدباء لعلي بن هذيل: أنّ ملك الروم، بعث إلى معاوية يسأله عن هذه المسائل: رجل سار به قبره، وعن رجل لا قبلة له، وعن خمسة أكلوا في الدنيا، وحيوا لم يخلق واحد منهم في رحم، وعن شيء ونصف شيء ولا شيء.
وبعث بوفد يسمعون الجواب عنها، فاستنظرهم معاوية، وبعث إلى ابن عباس يسأله عنها، فقال ابن عباس: أما من سار به قبره، فيونس حين التقمه الحوت، وأمّا من لا قبلة له، فمن صعد فوق الكعبة، فلا قبلة له حتى ينزل، وأما الخمسة أنفس، الذين أكلوا في الدنيا، وعاشوا لم يخلق واحد منهم في رحم، فآدم وحواء، وكبش إبراهيم أخرجه الله من الجنة، وناقة ثمود أخرجها الله من صخرة صماء، وعصا موسى ألقاها من يده فإذا هي حيّة تسعى، انقلبت بإذن الله، والتقمت ما ألقى السحرة.
وأما الشيء فالرجل العاقل العالم ترد عليه الأمور فيدبرها بعقله، ويمضيها بعلمه، وأمّا نصف الشيء فالرجل الممضي لما علم، المتثبت فيما جهل، يرد عليه أمور يعجز عنها علمه، ويقصر فهمه، فيلجأ إلى ذوي العقول، فيستشيرهم فلا يستشير قواه، ولا يتبع هواه، وأمّا لا شيء فالرجل لا علم له، ولا عقل، ترد عليه الأمور فيتبع فيها هواه، فيحلّ فيها رداه، فلا تلقاه إلا عاثراً، ولا تجده إلا بائراً.
فأخبرهم معاوية بذلك، فقالوا: ما خرج هذا إلا من أهل بيت النبوة، فأتوا ابن عباس، فقال: أنتم أصحاب المسائل؟ قالوا: نعم. قال: سألتم فأجبناكم، فهل تجيبون إن سألناكم؟ قالوا: سلْ. قال: أخبروني عن موضعين أحدهما: سهل والآخر جبل، السهل لم تطلع عليه قط شمس إلا ساعة من الدهر، والجبل رفعه الله من الأرض، بلا عمد يمسكه، ولا سبب يحبسه. قالوا: ما لنا علم بذلك: قال: السهل (منفلق)، منفرق البحرين، لما فرقه الله سبحانه لموسى لم تصل إليه الشمس إلا في تلك السنة بل الساعة، والجبل هو الذي نتقه الله عز وجل، فوق بني إسرائيل كأنه ظلّة.
(ص106 - 107).

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved