تكاد تكون المشكلة الاقتصادية عاملاً مشتركاً لدى معظم أقطار العالم الثالث. ويتفاوت حجم المشكلة من قطر إلى قطر آخر طبقاً لما تجود به أرضه من ثروات طبيعية، وطبقاً لقدرة أبناء القطر على الاستفادة من نتاج تلك الثروات. وحريٌّ بنا أن نشير إلى أن أغلب تلك الأقطار قد نالت استقلالها حديثاً بعد أن ظلت في سبات دائم تحت وطأة الاستعمار. ولا شك أن ذلك كان عاملاً مهماً في تخلفها. إن ما تعيشه معظم تلك الأقطار من أوضاع اقتصادية متدنية يحتم عليها بحث الأسباب الكفيلة بخروجها من تقوقعها الاقتصادي ومحاولة اللحاق بركب الدول المتقدِّمة. وليس ذلك بالأمر اليسير إذا ما أدركنا تأثير بعض الظواهر الاجتماعية والثقافية لدى سكان تلك الأقطار على خطة التنمية بها، مما يعوق نموها الاقتصادي، وقد يكون من المفيد عرض تلك الظواهر. فالكم الهائل من الموظفين يعتبر سمة ظاهرة لدى معظم دول العالم الثالث بغض النظر عن كفاءة الإنتاج لدى الفرد وقدرته على الإبداع، فيخال المرء أن الوظائف الحكومية لدى تلك الدول مجرد ضمان اجتماعي توفِّر به الدولة للسواد الأعظم من مواطنيها حدَّ الكفاف من العيش، ويختلف ذلك الحد باختلاف حجم إيرادات وعدد السكان لدى الدولة. والمشكلة هنا ليست في توفير الضمان الاجتماعي، فقد يكون توفيره عاملاً مساعداً في تحقيق أهداف التنمية، ولكن المشكلة تكمن في البطالة المقنَّعة المصاحبة لذلك فهي الداء بعينه. فمن المؤسف حقاً أن يقضي بعض شباب تلك الدول شبابهم ينتظرون تحرير خطاب أو فرصة انتداب إن وجد، وفي الحقيقة فإن البطالة المقنَّعة أشد ضرراً من البطالة الظاهرة. فالبطالة الظاهرة وإن كانت غير حميدة إلا أنها ظاهرة للعيان مما يسهل محاولة إيجاد الحلول لها، إضافة إلى أن إحساس المرء بكونه عاطلاً قد يدفعه إلى إيجاد عمل يرفع به من مستواه المعيشي ويبرز به مواهبه. ولا شك أن متوسط إنتاجية الفرد لدى العالم الثالث أقل منها لدى الدول المتقدِّمة، غير أن من يعزُو ذلك إلى التركيب الفسيولوجي لدى كل من الفئتين قد جانبه الصواب، أو أنه أراد بمقولته تلك ثني أفراد تلك الدول عن التطلع إلى زيادة الكفاءة الإنتاجية لديهم، وإقناعهم بأن ما ينتجونه فعلاً هو منتهى قدرتهم الذاتية. ولكن الكثير من الشواهد أثبتت أن إنتاجية الفرد لا تختلف باختلاف الفئة التي ينتمي إليها متى أتيحت الفرص وتوفرت الظروف الملائمة للإنتاج، وتجدر الإشارة إلى أن الظروف الإنتاجية المناسبة غير متوافرة في معظم دول العالم الثالث، وبالتالي قلَّ الإنتاج لديها، ولكن الحل لا يكمن في توجيه اللوم إلى الظروف، والانتظار حتى تصبح ملائمة، على أمل تقديم عون من دولة غنية أو حدوث مفاجأة، قد لا يكون الوقت كافياً حتى بالتمتع بتلك الأحلام فتقع الكارثة كما حدث لبعض تلك البلدان. إن على أفراد تلك البلدان مسؤولية بناء، ومسؤولية إنتاج، مسؤولية العمل على توفير الظروف المناسبة، ومسؤولية الإنتاج تحت ظروف غير مناسبة. وتنتشر لدى بعض أفراد العالم الثالث كثير من المفاهيم الاجتماعية الخاطئة، كأن يحتل أصحاب الحرف المهنية مكانة اجتماعية تقل عن أصحاب المهن الكتابية ومتخذي القرار، ونتيجة لهذا المفهوم الخاطئ أصبح التسابق على الوظائف الكتابية والمراكز القيادية تسابقاً محموماً، وهنا تلعب ظاهرة اجتماعية أخرى دوراً بارزاً في الحد من خطوات التنمية، هذه الظاهرة هي ظاهرة المجاملة على وضع الأفراد غير المناسبين في مراكز قد لا يستحقونها، فإذا بأعداد هائلة من الموظفين وعدد محدود من الفنيين العاملين، ووضع كهذا سيعمل على إيجاد عرض أقل من العمالة الراغبة في مزاولة العمل التطبيقي، فتعلم الفجوة بين العرض والطلب في سوق العلم على زيادة أجور العمالة الفنية العاملة، وعلى النقيض من ذلك، تؤدي زيادة العرض من القوى العاملة الكتابية إلى تقليل أجورها. ووضع كهذا يؤدي إلى إيجاد خيارات متناقضة لدى عشاق الوظائف الكتابية، فالبقاء في الوظيفة يعني دخلاً أقل وبالتالي عدم القدرة على توفير متطلبات الحياة الأساسية، والخروج منها، يعني فقد المكانة الاجتماعية، فيبدون التذمر من وضعهم وتقل إنتاجيتهم، بينما تقل كفاءة ونوعية الفنيين نتيجة لغياب عنصر المنافسة. وعلى الرغم من انتشار الأمية بين مواطني دول العالم الثالث إلا أن بعض تلك الدول تغص بحملة الشهادات الجامعية والعليا في نفس الوقت، غير أن تلك الشهادات لدى البعض مجرد وسيلة للحصول على وظيفة كتابية أو مركز مرموق، ولكنهم نسوا أو تناسوا أن الإنتاج والإبداع لا يمكن أن يتم من خلال المكاتب ولا سيما لدى أصحاب الشهادات الفنية، فالكلية وحدها لا يمكنها أن تخرِّج فرداً قادراً على حلِّ المشاكل الحقلية من خلال مكتبه، ولكنها تهيئ العقلية العملية القادرة على التعامل مع الميدان، كما تسهل المسالك لإيجاد الحلول من خلال الرجوع إلى المراجع ومحطات الأبحاث، هذا لو افترضنا اتباع الكلية لطرق التعليم الصحيحة، غير أن بعض جامعات دول العالم الثالث تنحو منحى آخر من التدريس، فنجد أن الاهتمام ينصب على الكم لا على الكيف، بالإضافة إلى افتقار المكتبات إلى كل ما هو جديد فتنقل المعلومات من جيل إلى آخر دون إضافات تثري عقلية المتعلم وتفتح له آفاقاً يمكنه بها مسايرة أبناء جيله من الدول الأخرى. ومن الناحية الإنتاجية فما زالت معظم أقطار العالم الثالث تستخدم النظم القديمة في الإنتاج، وقد يكون مرد ذلك عدم القدرة على توفير كل ما هو جديد لعدم توافر العملة الصعبة الكافية، ولكن عدم توافر الجديد لا يعني بالضرورة الاقتناع بما هو قديم، بل من المنطق محاولة التطوير باستخدام المواد الخام المتوافرة لتحسين القديم كخطوة وسطية يمكن بها الانتقال إلى مراحل التقنية اللاحقة. ونعود لنكرر مرة أخرى أهمية الجدية ومضاعفة الجهد حتى يمكن اللحاق بركب الحضارة، وهذا كله لن يتأتى إلا بالتخطيط السليم. والتخطيط لدى بعض دول العالم الثالث له طابع خاص، فتجد خططاً توحي لك عند قراءتها بأن معظم المشاكل سيتم حلها بانتهاء تنفيذ الخطة، وأن ليس على قاطني البلد في السنوات اللاحقة سوى التمتع بمنجزات الخطة، وعند البدء في تنفيذ الخطة تبدأ الصعوبات والعقبات، فيذهب البريق وتعود العربة من حيث بدأت ويعود التخطيط مرة أخرى وهكذا بناء وهدم. ومن الأجدى حقاً أن يكون التخطيط واقعياً ومن ثم يتم البناء. وعلى المرء أن يدرك تمام الإدراك أن لكل خطة سلبياتها وإيجابياتها ومن الحكمة محاولة الحد من السلبيات والاستفادة من الإيجابيات بقدر المستطاع والمضي قدماً في تنفيذ ما يمكن تنفيذه. مما سبق وكنتيجة لتأثيرات وتفاعلات الظواهر السابقة عانت وما زالت تعاني الكثير من دول العالم الثالث أزمات اقتصادية كانت نتيجة نقص حاد في المواد الغذائية، والخدمات العامة، والبنية التحتية، ونقص في العملة الصعبة، وانخفاض قيمتها وترتب على ذلك المزيد من الديون الخارجية حتى زادت عن (500) مليار دولار. وأصبحت خدمات القروض تشكِّل نسبة كبيرة من ميزانيات تلك الدول، وجميع المؤشرات توحي بزيادة هذه النسبة سنة تلو الأخرى. وفي وضع كهذا وبعد عجز تلك الدول عن إيجاد السبل الكفيلة بسد العجز في ميزانياتها، لم يعد أمامها سوى طلب العون من الدول الغنية، فأخذت الدول الغنية في تقديم الإعانات، كما قامت بتقديم القروض بشروط ميسرة، والحقيقة تشير إلى أن تلك الإعانات والقروض ليست سوى حلول مؤقتة تعمل على التخفيف من الأزمة ولكنها غير قادرة على حلِّها؛ لأن الحل لن يتحقق إلا بزيادة الكفاءة الإنتاجية لسكان تلك الدول، والعزوف عن الكسل، والرفع من المكانة المالية والاجتماعية للمنتجين، والشعور بأن منبع حل المشكلة لن يتم إلا بتضافر جهود المخلصين من أبناء الوطن.
|