ظهر علينا حديثاً كتاب جديد للأستاذ د. عبد الله بن عبد الرحمن الربيعي، يدوّن فيه - تحت عنوان صنّاجة عنيزة - شعر والده الراوية، الذي عاش في هذه المدينة بين عامي 1309هـ تقريباً و1402هـ. ولقد هنأت مؤلف الكتاب ليس لأنه أضاف إلى المكتبة والى قائمة مؤلفاته هذا الإصدار الجيد الأنيق، الخالي من الأخطاء، الشيق في القراءة، الجميل في السرد، لكنه - في الواقع - أخرج كتاباً جديداً في منهجه البحثي في دراسة الشعر النبطي وتحليله ومقارناته، بين المؤلفات السعودية بخاصة. فالكتاب ليس ديواناً بالأسلوب التقليدي المتعارف عليه في حفظ نتاج شعراء النبط وتسجيل قصائدهم، بل هو في الواقع دراسة جغرافية وثقافية للبيئة التي ظهر فيها، ومقارنات لغوية وموضوعية للمفردات والمعاني والأفكار التي تضمنها شعر الشاعر، أو بالأحرى جسر بين دراسة الأدب الفصيح والشعر العامي، وما كان من أحد غير أمثال المؤلف أقدر على الإتيان بمثل هذه الدراسة والوصول إليها. فمن المعروف أن المؤلف قد جمع بين الثقافتين العربية والفرنسية، ورضع اللغة العربية في أحضان جامعة الإمام، وأصبح لعدة سنوات عميداً للبحث العلمي في الجامعة، مما جعل مؤلفه الأخير أنموذجاً فريداً في دراسة الأدب الشعبي وإعادته إلى أصله الفصيح، وطرازاً متميزاً في الحبكة الفنية التي تشد القارئ، وتجعل صفحاته تنطق بالجاذبية وخفة الروح والحيوية. لقد كان والده - رحمه الله - شاعراً فحلاً بلا منازع، لكنه في الوقت نفسه كان حافظاً وراوية ومدوّناً، رجع إليه كثير من المهتمين بدراسة الأدب الشعبي، لكنه - شأن كثير من العازفين عن الشهرة والأضواء - تجنب الظهور والتعرض لوسائل الإعلام أو الاتصال بصنّاع البراويز. وقد تحدث عنه عدد من الدارسين الذين اتصلوا به واستفادوا من حافظته الشعرية، حتى أطلق عليهم أحدهم هذا اللقب (صناجة) اقتداء باللقب الذي أطلقه العرب على أعشى قيس لجودة شعره ولمكانته في مجتمعه. الكتاب، الذي زادت صفحاته عن الثلاثمائة، هو لوحات تصويرية لأنثروبولوجيا الحياة في بيئة الشاعر، وقراءات متنوعة لثقافة مجتمعها، امتزجت فيه عاطفة البنوة تجاه الأبوة مع روعة الحبكة والصياغة، ومادة شعرية من قريحة الشاعر أو من نظم أقرانه، فأخرجت (الطبخة) مائدة شهية ممتعة وجديدة النكهة والأشكال والوصفات. الشاعر الراوية الربيعي، كان أحد أولئك الذين سبقوا زمنهم في تقدير أهمية التدوين والتوثيق، ظهر بعض ما حفظ ودوّن في هذا الكتاب الجميل، الذي أضفى عليه ابنه د. عبد الله رونقاً وسبكاً، وما يزال باقي مخطوطاته ينتظر جهداً مماثلاً، يمتع القارئ، ويفيد الباحث، ويبرز جهد رجالات هذا الوطن الذين حفظوا تراثه وتاريخه كما حفظوا أمنه ومحيطه. إننا نتطلع إلى إبداع آخر يكمل هذه اللوحة الفنية الأولى الرائعة، وندعو لقراءته والاستفادة من منهجه الجديد - غير المسبوق - في دراسة النصوص الشعرية وعرضها واستنباط المعاني منها ومقارنتها.لقد حاول المؤلف في عرضه أن ينعتق من قيود التوثيق الأكاديمي الجاف، لكنني أعتقد أن فهرساً عاماً في نهاية الكتاب سيزيد من فائدته، وسيساعد الباحث في العثور على بغيته. أهلاً بهذا الكتاب الجديد، الذي رفع من مستوى قراءة الشعر النبطي ومن نمط التأليف في هذا المجال، ووظف العاطفة توظيفاً فنياً وموضوعياً خلاقاً.
|