مَن خلف الحملة التي تسفّه العلماء وتشكك في مصداقيتهم؟ هل كل من أمضى سنيات في التحصيل يصبح عالماً وينتقد أهل العلم؟ لابد من التحرك تجاه من يشوهون ويصادرون فكرنا وعلم علمائنا وأعني علماء الأمة الإسلامية، من الذين يستحقون هذا اللقب الفكري. فقد كان العلم الشرعي عملة نادرة، ودرة ثمينة في أعماق البحار لا يغوص لها إلا من رزقهم الله الصبر للعلم ذاته والعمل به، وكان طلبة العلم يجثون على ركبهم في الحر والقر أمام العلماء الأفذاذ يستمعون ومن ثم يعملون، ويمضي أحدهم زهرة شبابه في الحل والترحال من أجل العلم، ويمضي أيضاً أغلب سن رشده حتى يخطه الشيب وهو يتعلم، ومن صفات طلبة العلم آنذاك أنهم يخافون كانوا الرقيب قبل الخلق، ويبتعدون بقدر المستطاع عن الزج بفتاواهم أو تلقف الفتوى، بل علمنا أن أغلب من أعطوا علما وكانوا أعلاماً يبتعدون عن القضاء والمناصب أيام الخلافة الإسلامية، وما ذاك إلا اتقاء لذممهم وابتعاداً عن أن يكونوا لبانة في حلوق الجهلة والعوام، ولم يكن لعلماء ذلك الوقت من شكل معين يفيد أنهم علماء، بل لهم ما للناس وعليهم ما عليهم، ولم نجد أن التاريخ رصد لنا أن العالم أو الإمام فلاناً كان يفعل بشكله كذا أو كذا، بل هو على ما عليه سيد الخلق وصحابته والتابعون، أي أن التمظهر بالعلم والتمسكن لم يكن ديدنا لهم، بل كانوا أقوياء في الحق وبعيدين عن موطن الريبة، وقد روي عن الخليفة عمر بن الخطاب أنه رأى رجلاً يصلي وكادت رقبته أن تميل أو تنكسر من شدة تمسكنه، فما كان من الفاروق إلا أن لكزه بالدرة وقال: لا تمت علينا ديننا أماتك الله. وبعد أن جاءت العمليات التنظيمية للتعلم والعلم في مختلف أصقاع الأرض الإسلامية، جاء علماء بمكثرة لا يحصيها إلا الله، وصار لهم شكل يكادون أن يتفقوا عليه عرفا بينهم، وكثر من يحاولون أن يكون لهم مريدون يتبعونهم في الشوارع والمحافل ويطلقون عليهم لقب (الشيخ) حتى ولو كان هذا الشيخ لم تنبت شعيرات عارضية ولم يعرف من العلم إلا القليل القليل، فتشتت فكر العامة والمقلدين تبعاً لتشتت مصداقية ذلك اللقب الذي كان من الصعوبة بمكان، ثم هان وصار لمن يريد أن يحصل عليه أهون من جرعة الماء التي تؤخذ من ساقي الماء الجاري، ثم أصبح من السهولة أيضاً منح هذا اللقب بمجرد أن يكون قد أنهى سنيات من التحصيل عند مدرس في جامعة أو معهد أو أكاديمية أو نحوها، أي ما عليه من سبل إلا أن يكمل تلكم السنوات ويجتازها حتى ولو كان أكسل الكسالى، المهم أن يأخذ ورقة تفيد أنه نجح في المواد المقررة، وذهبت نشوة التعلم والعلم الذي كان صعب المنال، بل هان الحصول على الألقاب اليوم. وكان العلماء الأفذاذ يبتعدون عن أضواء المجتمع، بل يحاول أغلبهم أن يبتعد عن المجالس التي يكثر الخوض فيها في أمور بعيدة عن التعليم والعلم، وخلف من بعدهم خلف يبيعون ما يملكون مقابل أن يخرج أحدهم على شاشة فضائية وهو يرتدي عباءة مزركشة ويفتي وكأنه الإمام مالك أو أترابه من أئمة الفكر والعلم الجم، وهم يمارسون الذكاء على الجماهير التي تراهم، فتجد بعضهم يكاد يموت (أو هو يتماوت أمام المشاهدين) من الزهد وترديد الكلمات التي تعطي من يشاهده انطباعاً بأنه ممن رزق علماً وعملاً به. وجاءت ظاهرة أشد فتكاً بالأمة من المتماوتين والمدعين، وهي ظاهرة تخوين أو تسفيه العلماء الربانيين، وقد خرجت من أغيلمة لا يكادون يفصحون ولا يبينون عن شيء سوى تجهيل أولئك العلماء الأفذاذ، فهذا سروري، وذاك جامي وآخر قبطي، وآخر عالم دولة رسمي، وذاك يفتي بالتساهل أو بالتشدد.. الخ، من الصفات التي يطلقونها على علماء لهم قدرهم وعلمهم وعملهم الذي عرفوا به، وهنا الكارثة التي تفقد الأمة شيئاً مهما وهو (المرجعية الدينية) أي أن العالم الجليل فلان هو فصل الخطاب في تلك المسألة، لكنهم يحاولون أن يمسخوا فكر العالم عنه لئلا يكون هو القيمة ذاتها، وربما أنه حسد أو غل في القلوب أو توجس من مسألة لا تروق لهم، والأغرب من ذلك أن العوام بدأوا للأسف يخوضون في أعراض العلماء في مجالسهم الخاصة، وكأنهم يخوضون في تحليل مباراة كرة قدم أو حفلة مدرسية بها دان ومعتل في الفكر، وهذه الظاهرة أيضاً كثيرة الخطورة على أمة يجب أن تكون ذات مرجعية متفق عليها، ويصدر عنها القول الفصل ويرضى الناس بما يصدر منها. لكن ما الحل أمام هذا الزخم من التشتت الفكري؟ ومن وراء هذا الاهتزاز في المعايير والمقاييس التي نشأت الأمة عليها؟ وهل حرية الرأي تفقد المتحدث مخافة الله ووعيده لمن يقذفون العلماء على منابر الإعلام؟ ثم ما هو السبيل إلى جمع كلمة الأمة على فكر شرعي ورجال تشهد لهم الأمة بالعدل والصلاح والأهلية للعلم؟ هذه أسئلة مهمة وغيرها كثير، كلها تحتاج إلى أن يكون هناك شيء من التفكير الجاد من علماء الأمة المؤهلين، لأن يواجهوا المدعين على الفضائيات ممن يبثون فتاوى تصلح لغيرنا، وكذلك يجب عليهم أن يخصصوا دائرة تهتم بالرد والردع لمن تسول له نفسه الأمارة بالسوء أن يشهر بعالم له قيمته وعلمه الشرعي، وهنا سوف يكون هناك شيء من اللجام للجياد النافرة من أمتها.
(*) الرياض |