* الرياض - الجزيرة: تختلف احتياجات الناس من عصر إلى عصر فيصبح ما كان ضرورياً وماساً في زمن ما هامشياً في وقت آخر، ورغم أن تاريخ الوقف في الإسلام يؤكد أنه لم يقتصر على مجال بعينه، بل امتد لكافة المجالات بما في ذلك رعاية الحيوان والطيور فضلاً عن كل احتياجات الإنسان، رغم ذلك اقتصر الوقف في الفترات الأخيرة على مجالات بعينها مثل: وقف المكتبات أو المساعدة المالية لطلبة العلم أو حفر الآبار، أو بناء المساجد إلا أنه وبمرور الوقت وتكفل الدولة والحكومات بالإنفاق على هذه المجالات بدت الحاجة إلى الوقف على مجالات أخرى لدعم قدرة المجتمعات والدول الإسلامية مثل الوقف للبحث العلمي أو تعليم المرأة، والدعوة إلى الله، ومؤسسات التأهيل الاجتماعي، أو إنشاء وسائل الإعلام الإسلامية وغيرها وهو الأمر الذي يستوجب التعريف بالمجالات الحديثة للوقف، وترتيب أولوياتها وفق أثرها في دعم الاقتصاد والتنمية، فما هي أبرز المجالات التي يمكن الوقف عليها في هذا العصر، ومسؤولية التعريف بها؟ طرحنا هذا السؤال على عدد من أهل الرأي فكان هذا التحقيق.. *** بداية يرى الأستاذ الدكتور محمد بن يحيى النجيمي الأستاذ بكلية الملك فهد الأمنية ورئيس الدراسات المدنية والخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة أن الوقف في الفقه هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة وكلما تزايد حجم المستفيدين من ريع الوقف لسد حاجاتهم الضرورية كان الأمر أنفع وأكثر ثواباً. ولأن الحاجات الضرورية للناس تتغير من وقت لآخر، يصبح من الأهمية والجدوى أن يتعامل الوقف مع هذه الحاجات وفق ضرورتها ومدى نفعها في زمنها.. والمتأمل في واقع المجتمع في الوقت الراهن يجد أن المجالات الجديرة بالوقف عليها تختلف بعض الشيء عما كان سائداً في الماضي.. وعلى سبيل المثال نجد البحث العلمي في عالمنا الإسلامي ضعيفاً للغاية بسبب قلة المبالغ المالية التي ترصد له من قبل الدول والحكومات وهذا أدى بدوره إلى ضعف البحث والإنتاج العلمي بل أدى إلى هجرة العقول الإسلامية والعربية إلى الغرب حيث المناخ والإمكانات أفضل، في حين نجد الكتب والرسائل الجامعية مكدسة في مكتبات الجامعات لا تجد من ينفض عنها الغبار ويقوم بطبعها أو تطبيق الجوانب النظرية بها عملياً ولنا أن نتصور حال البحث العلمي لو تم توجيه أموال الأوقاف لدعمه وتمويله. تعليم المرأة مهم ويضيف د. النجيمي: ومن المجالات الجديرة بالوقف أيضاً تعليم المرأة الذي يعتبر أمراً مهماً جداً والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وفي رواية حسنها الألباني (ومسلمة) في حين أن نسبة الأمية بين النساء في العالم الإسلامي كبيرة جداً وتصل في بعض البلدان إلى أكثر من 90% فلو أوقف المسلمون أراضي وأموالاً ومباني على تعليم المرأة أمور دينها ودنياها وتعليمها صنعة أو مهنة تستغني بها عن المسألة والفقر لأدى ذلك إلى انتشال كثير من نساء المسلمين من الجهل والجوع والفقر، وصدق الشاعر إذ يقول: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق ومن المجالات التي تحتاج أيضاً إلى توجيه الوقف إليها في هذا الوقت مناشط الدعوة إلى الله فالدعوة إلى الله واجب شرعي على طائفة من المسلمين بحيث إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين قال الله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}الآية.. والدعوة إلى الله تشمل أمرين مهمين: 1- دعوة المسلمين إلى تصحيح عقائدهم وعباداتهم وتصرفاتهم مما شابها من الأخطاء. 2- دعوة غير المسلمين للدخول في الإسلام. ومناشط الدعوة إلى الله في هذا الوقت تمر بظروف صعبة جداً وتحتاج إلى الدعم المادي لمواجهة الداعين إلى انحراف العقائد وتشويه حقيقة الإسلام بافتراءات تصد الناس عنه، وهناك أيضاً المؤسسات الصحية. ومؤسسات ومراكز التأهيل الاجتماعي، من الجهات التي يمكن أن تتضاعف إمكاناتها في علاج الفقراء ورعاية الأيتام والأرامل والمعاقين والمرضى وكبار السن من خلال الأوقاف عليها. وهناك أيضاً وسائل الإعلام الإسلامي، التي تواجه حرباً شعواء وغير متكافئة في الدفاع عن صورة الإسلام ضد محاولات تشويهه من مؤسسات إعلامية ضخمة تقف وراءها قوى لا تريد الخير للإسلام وأهله. فالإعلام الإسلامي بدأ بداية مشكورة في هذا الصدد ولكنها في مقابل الإعلام المعادي والهابط لا تمثل شيئاً فنرجو من أغنياء المسلمين ومقتدراتهم أن ينتبهوا إلى الجانب الإعلامي فإنه يصنع الرأي العام ويؤثر على الفكر والعقائد فليبادروا إلى دعمه من خلال الأوقاف أو استثمار أموال الوقف في مجالات الإعلام النافع المنضبط بضوابط الشريعة. أبرز مجالات الوقف ومن جانبه يرى د. عبدالعزيز بن عبدالله الهليل وكيل قسم السنة وعلومها بكلية أصول الدين أن تشريع الوقف في الإسلام وكونه من الصدقات الجارية التي يؤجر عليها المسلم في الحياة وبعد الممات يعد من محاسن الدين الإسلامي الحنيف. ذلك كون الوقف أحد روافد التنمية في شتى مجالاتها: الاجتماعية، والعلمية، والاقتصادية، والتربوية. ولذا جاء الحث على البذل في وجوه الخير التي عطاؤها دائم لا ينقطع بمرور الزمن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم وغيره. ومجالات الوقف ووجوهه كثيرة متنوعة تتفاضل فيما بينها، ويتأكد بعضها في زمان أو مكان بحسب الحاجة والآثار المترتبة عليه، ولعل من أبرز مجالات الوقف التي ينبغي توجيه الجهود إليها في الوقت الراهن ما يأتي: 1- الوقف على تعليم العلم، ونشر الكتب النافعة، والتكفل بتجهيز وتكاليف المؤسسات التعليمية في بعض المجتمعات الإسلامية التي تعظم حاجتها في هذا الجانب. ويتفرع من هذا المجال الوقف على جانب تهيئة الأسباب المعينة في القضاء على الأمية النسائية في المجتمعات الإسلامية، ذلك أن حاجة المرأة إلى التعلم والتعليم توازي حاجة الرجل في هذا الجانب، فمن المتوجب اليوم توجيه جزء من إمكانات الوقف على تعليم المرأة وتهيئة الأسباب المساعدة في قيام وإنجاح مؤسسات التعليم النسوية في شتى بقاع العالم الإسلامي التي تعاني اليوم من انتشار الأمية بين النساء. 2- الوقف على برامج الدعوة إلى الله تعالى، القائمة على أسس صحيحة في التوجيه والتربية. ذلك أن المجتمعات الإنسانية بحاجة ماسة في كل وقت إلى من يبصرها بنور الإسلام، ويبين لها تعاليمه السمحة، التي ترغب من يطلع عليها في اعتناق مبادئه السامية، والدخول في دين الله أفواجاً. ومن ذلك أيضاً توجيه جزء كبير من جهود الدعوة إلى الله تعالى بين أوساط المسلمين، الذين تمس حاجتهم اليوم إلى تذكيرهم بتعاليم دينهم، وحثهم على التمسك به. 3- الوقف على تنمية البرامج والمشاريع الصحية. إذ يعد الوقف على هذا الجانب من الصدقات العظيمة التي يحتاج المجتمع المسلم إليها في هذا الوقت على وجه الخصوص بسبب ارتفاع تكاليف العلاج، وعدم قدرة كثير من الناس اليوم على تحمل الأعباء في هذا المجال. 4- الوقف على تمويل المشروعات الإعلامية الهادفة. وتتبين أهمية الوقف على هذا الجانب بتبين حاجة الناس اليوم إلى وسائل إعلامية هادفة تربي النشء على الفضيلة وتغرس فيهم الآداب الإسلامية وتنشر بين أوساط الشباب المسلم القيم النبيلة في وقت كثرت فيه وسائل الإعلام القائمة في برامجها على السطحية أو اللهو المحرم أو المبادئ المنحرفة. الضروريات أولاً أما الشيخ سعد بن لطيف العنزي القاضي بالمحكمة الجزئية بالجوف فيقول: إن أفضل الوسائل لاستمرار تدفق ريع المشاريع الخيرية التي تسعى لمكافحة الفقر والجهل والمرض تكمن في الوقف الذي يعتبر واحداً من أوسع أبواب الخير، لما له من دور كبير وأهمية عظمى في تاريخ الإسلام والمسلمين، وقد اتسعت مجالاته ونمت وتنوعت في شتى المجالات، حيث لم يقتصر الوقف الإسلامي على العناية بفئات المجتمع فحسب، بل تعداها إلى العناية بكل ما يجب فيه تفعيل دور الوقف في تنمية المجتمع وفق الثوابت الشرعية ومعطيات الحاضر، ومتطلبات المستقبل وتجديد مجالات الوقف واستثماره ليواكب التطور في هذا العصر ليشمل جميع جوانب الحياة. وهناك مجالات كثيرة في الوقف واستثماره إلا أنه عند إنشاء الوقف والتبرع له ينبغي البدء بالضروريات ثم الحاجيات التي قد تختلف من مكان لمكان ووقف وآخر. ويضيف الشيخ العنزي: ومن مجالات الوقف في الوقت الحاضر ما يلي: 1- الوقف في العقار واستثماره مثل شراء الأراضي والعقارات أو إنشائها أو تأجيرها ليستفيد الناس من منافعها وعوائدها ويكون الوقف صدقة متعدية. 2- الوقف في المشروعات الزراعية كتأجير الأراضي الزراعية الموقوفة أو المشاركة في استغلال الأراضي الزراعية عن طريق المساقاة والمغارسة. 3- الوقف على المشروعات الخدمية وهي كالآتي: أ- المجالات التعليمية ومن أهمها في هذا العصر الوقف على البحوث العلمية ودعمها بإنشاء المراكز لها وتأمين جميع متطلباتها سواء أكانت شرعية أم طبية أم تطبيقية مما يحتاجه المجتمع في هذا الوقت. ومن ضمن المجالات التعليمية بناء المدارس والمعاهد والكليات وطبع الكتب ونشرها وفتح المؤسسات لتعليم برامج الحاسب وصيانته والعلوم التطبيقية الحديثة. ب - المجالات الصحية وذلك بإنشاء المستوصفات في الدول والمدن والتي تكثر فيها الأمراض والأوبئة. وإنشاء مراكز متخصصة لأمراض العصر كمراكز لغسيل الكلى والسكر والضغط والإدمان وغيرها. ج - المجالات الاجتماعية: 1- إنشاء مراكز التدريب والتأهيل للمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة. 2- إنشاء المؤسسات التي تعنى بالأيتام. 3- مساعدة الشباب على الزواج. 4- الوقف على مشاريع الإعلام واستثمارها. وذلك بفتح مواقع على شبكة الإنترنت وإيجاد قناة إسلامية متخصصة لنشر الإسلام والدفاع عنه ورد الشبهات التي يثيرها الأعداء وبيان الأفكار الهدامة. والوقف على المشاريع الإعلامية واستثمارها يعتبر في هذا الوقت من أنفع الوسائل سواء في نشر الخير أو استثمار أموال الأوقاف لتنمية مواردها، لأن الإعلام هو سلاح العصر.
|