للمجتمع والبيئات أعلام ومنائر في دينها ودنياها من المصلحين والقادة، فأما القادة فإن هذه البلاد تتمتع برائد ارتاد لها الخير وأحلها المقام اللائق بها في دنياها ودينها وربى لها في حقول البناء والاصلاح رجالاً قاموا بالواجب في مجالات الخير والارشاد في كل ميدان من ميادين الهداية والفلاح، وخاصة في مجال القضاء، فقد تم لنا في حقبة من الزمن القصير ما لم يتم لدى سوانا في ازمان طويلة، فقد شملت المناطق والمدن والبلدان محاكم لحل المشاكل وتنوير البصائر وتثبيت العدالة وترسيخ الشريعة ما لا يتصوره إلا من شمله هذا العدل في القضاء وعمه خير هذه المحاكم الشرعية، ولكن هؤلاء القضاة العدول أصبحوا حجة ومنارا وزينة لمجتمعاتنا وعلامة بارزة من الأفذاذ في بلادنا وأي فرد منهم نفقده فمعناه فقدنا نجما لامعا ولبنة قوية راسية في بلادنا، ومن هؤلاء الاعلام فضيلة الشيخ الجليل عثمان إبراهيم الحقيل الذي وافته المنية فجأة على أثر ارتطام سيارته وهو يسوقها قرب الدوادمي في طريقه إلى الرياض لأداء عمله الجديد كعضو في الهيئة القضائية العليا التي تشكلت والتي تعتبر من الهيئات العلمية التي لها توجيهها وتأثيرها في مجالات القضاء في وزارة العمل، وتحت رئاسة وزيرها سماحة الشيخ محمد الحركان.. لقد غادر الشيخ عثمان هذه الحياة بجسمه.. ولكنه لم يغادرها بسمعته وغزير علمه، فقد عرفته طالبا عندي عام 1356هـ في مدينة المجمعة قاعدة سدير، وكان مثاليا في سلوكه وأدبه واقباله على الدراسة وكان من أذكى زملائه، ثم بعد نيله الشهادة الابتدائية من مدرسة المجمعة انتقل إلى دار التوحيد في الطائف والتي كانت حصنا من حصون العلم أرادها الملك عبدالعزيز- غفر الله له فكانت كذلك وبدت على الشيخ عثمان علائم الذكاء والنبوغ، وحالما التحق بكلية الشريعة في مكة المكرمة وجهت اليه الانظار لبروزه في علوم الشريعة وفي الفقه وبالذات وكان إلى جانب ذلك من أبرع الطلبة في التعبير والخطابة فطلبته الدولة ليكون قاضيا في المحكمة الشرعية في الطائف، فكان الشاب النابه، وكان القاضي الواعي وما زال في هذا الحقل حتى رأت الدولة أن يكون في الظهران فالدمام، فمكث هناك رئيسا لمحاكمها بضعة عشر عاما أبدى خلالها من البراعة وفض المشاكل ما أحله المركز اللائق به كقاض حازم فارتأت وزارة العدل أن يكون أحد أعضاء هيئة التمييز في مكة المكرمة فمكث غير يسير، ثم كلف مع قضاة آخرين بحل قضايا تتطلب دراسة مستقلة، وعندما أنهاها أسندت اليه عضوية هيئة قضائية أعلى، وفي طريقه اليها في مدينة الرياض واجهه القدر المحتوم وحسم القضاء فبكته العيون، وفقد المجتمع به علما من أعلامه ورجلا من رجالات القضاء الكبار نم عن عظمة الراحل ومكانته القضائية برقيات صدرت من صاحب الجلالة وأبي الشعب تحدث عن مكانة الفقيد.. ومن صاحب السمو الملكي الأمير فهد وسمو الأمير نايف عبرا عن أسفهما لفقد مجتمعنا ركيزة من ركائز القضاء ولبنة من أرسخ دعائمه.. وهذا الاحساس المرهف من صاحب الجلالة والتقدير لابن من أبنائه وهذه المشاعر من رجالات الدولة وأقطابها ومن زملائه وحملة العلم وأهله كل ذلك جعل الكل ألسنة شكر وتقدير، ودفع كثيرا من الادباء وعارفي فضل الفقيد أن يعبروا عن هذه المشاعر بفيض غير قليل من الكلمات البليغة والاشعار الرقيقة التي سجلت الوفير من محاسن الفقيد وسطرت الكثير من مزاياه الجليلة ومن بين ذلك هذه القصيدة القوية المعاني والمتينة المباني التي قالها أحد الادباء والشعراء ذوو القرابة والصداقة للفقيد الراحل عندما بلغه الخبر من الملحق الثقافي في بيروت سعادة الاستاذ عبدالمحسن المنقور فقال هذه القصيدة ارتجالاً:
علم لفاني من المنقور هاتف وراجف ببرقيا مثل الصواعق ونفخ الصور الله يجيرك من ال...... ظليت بعده وأنا مسجور كنى صويب يمكن جنية والقلب مني غدا مسمور والعين طعنت شبرية الفجر امصلى وأنا مسرور والظهر جتنى سماويه هذه الليالي جرت بغدور تحبل وتوضع لها حية مرحوم يا ثاوي بقبور علتك من الغيث وسميه أبو محمد ثوى مقبور يم الدوادمي بغربيه و(يسار) عضده غدا مكسور (سلوى) و(مها) وأمهم ضحية و(زياد) معهم وهو زرزور وأخته ضحى صابهم هيه غب الشهادة جزاك الحور جنات عدن وعليه ومن مات منا وراه صقور أولاد عصبة ربيعية من نسل (وائل) ابحور بحور تشهد لهم (قار) وعليه (كسرى) غدا عقبهم مكسور ونعمان وبنته حمواحيه |
واخيراً وبعد هذه النفثة الشعبية القلبية التي عددت بنيه وبناته ونشرت لمحامده وحسناته تستمطر سحائب الرحمة والغفران على ذلك العلم الثاوي والفقيد الكبير وشهيد العلم سائلين الله أن يتغمده بغفرانه ويشمله برضوانه ويسكنه فسيح جناته وأن يجعل في عقبه البركة.
|