Monday 28th March,200511869العددالأثنين 18 ,صفر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "فـن"

أحمد زكي.. إلى رحمة اللهأحمد زكي.. إلى رحمة الله

* القاهرة - إيهاب كمال- احمد النجار - الوكالات
أعلن مستشفى دار الفؤاد في القاهرة وفاة الفنان المصري أحمد زكي صباح أمس الأحد اثر صراع طويل مع مرض السرطان، وكان أحمد زكي أدخل مجدداً المستشفى قبل ثلاثة أسابيع بعد أن تدهورت حالته الصحية خلال تصوير فيلم عبد الحليم. وأحمد زكي المولود عام 1947 يعتبر من أهم نجوم السينما المصرية والعربية، وأظهر موهبة خاصة في أداء دور عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين وشخصيتي الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر في (ناصر 56) وأنور السادات في (أيام السادات).
الجلطات المتكررة سبب الوفاة
وأفاد التقرير الطبي الصادر من مستشفى دار الفؤاد بمدينة 6 أكتوبر بأن سبب وفاة أحمد زكي هو نتيجة الجلطات المتكررة في المخ وإصابته بضيق حاد في الشعب الهوائية مما أدى إلى الوفاة.
وقد تقرر أن تشيع جنازته من أمام مسجد مصطفى محمود ظهر اليوم الاثنين وذلك بدلاً من مسجد عمر مكرم، وقد جاء هذا التعديل في الجنازة لدواعٍ أمنية.
من جهةٍ أخرى توافدت جموع الفنانين إلى مستشفى دار الفؤاد وأصيب بعضهم بحالة انهيار وبكاء مستمر منهم فاروق الفيشاوي وحنان ترك ومحمد هنيدي.
وكانت بداية مرض الفنان أحمد زكي عندما ذهب في بداية شهر يناير الماضي لاجراء بعض الفحوصات الطبية في مستشفى دار الفؤاد ليكتشف مرضه بسرطان في الرئة.
وقد أصدر الرئيس محمد حسني مبارك قرارا بسفره لفرنسا للعلاج على نفقة الدولة وبالفعل سافر أحمد زكي الى فرنسا في شهر فبراير الماضي، وخضع لمزيد من الفحوصات والتحاليل الطبية تحت إشراف الطبيب الفرنسي الرالمي لوشوفالييه وتم عمل منظار له أثبت إصابته بسرطان في الرئة يستلزم علاجه بالإشعاع الكيماوي وعدم إجراء جراحة.
وعاد الى القاهرة متوجها الى مستشفى دار الفؤاد حيث أقام فيها لتلقى جرعات العلاج الكيماوى وفي شهر يوليو الماضي سافر مرة أخرى الى فرنسا لمتابعة حالته الصحية، وعاد أحمد زكي من باريس بعد رحلة علاج في فرنسا استغرقت حوالى أسبوعين.
وكان أحمد زكي قد عولج بأخذ ست جرعات من العلاج الكيماوى المكثف.. وقد أقر الطبيبان الفرنسي لوشوفالييه والمصري ياسر عبد القادر في باريس أن حالة الفنان أحمد زكي مستقرة وجيدة رغم حدوث بعض المضاعفات التي شملت الجهاز المناعي وسيولة الدم التي أسفرت عن حدوث جلطات في أوردة الرقبة.
وفي شهر ديسمبر العام الماضي حضر خبير الاورام الفرنسي شيفالييه الى القاهرة لمتابعة الحالة الصحية للفنان أحمد زكي في حضور الدكتور ياسر عبد القادر أستاذ الاورام والفريق الطبي المعالج للفنان.
واستقر الرأي الطبي على استمرار متابعة حالة الفنان بصفة دورية كل شهرين وسمح الأطباء المعالجون له بمزاولة نشاطه الفني مع الحرص الشديد على تجنب نزلات البرد والارهاق، ولذا تقرر تأجيل تصوير فيلم رسائل للبحر الى ابريل المقبل لأن الفيلم يتضمن مشاهد تصور وسط الأمطار، وهذا قد يؤثر سلبيا على حالته الصحية.
أما فيلم (حليم) للمخرج شريف عرفة فقد بدأ تصويره منذ ثلاثة أسابيع وأثناء تصوير الفيلم أصيب الفنان أحمد زكي بوعكة صحية دخل على اثرها المستشفى مرة أخرى ونتيجة لمضاعفات الورم السرطاني بالصدر التي أدت لمشاكل صحية متتابعة منها الجلطات بالرقبة والساقين، وبالرغم من العلاج المكثف للفنان أحمد زكي إلا أنه حدث انتشار للمرض في الكبد والبطن، وأصيب أيضا بالتهاب رئوي وضيق حاد في الشعب الهوائية الامر الذي أدى الى تدهور حالته الصحية الى أن وافته المنية أمس الأحد.
وتقام جنازته في مسجد الحامدية الشاذلية وان يتم دفنه في مقابر 6 اكتوبر في نفس مدفن الفنان الراحل ممدوح وافي وكان احمد زكي قد طلب من ابن خالته سمير عبد المنعم ان تتم جنازته بهذه الصورة في حال وفاته.
ومنذ إصابته وحتى وفاته تجلت إرادة الفتى الأسمر وتحرك ما بين المستشفى وإستوديو التصوير لتحقيق حلمه بفيلم حليم.
أحمد زكي مسيرة فنان
اسمه بالكامل (أحمد زكي عبد الرحمن)، من مواليد مدينة الزقازيق عام 1949.. بعد وفاة والده وزواج والدته تربى أحمد زكي في رعاية جده.. دخل المدرسة الصناعية حيث شجعه الناظر على التمثيل المسرحي.. التحق بعدها بمعهد الفنون المسرحية وأثناء دراسته بالمعهد شارك في مسرحية (هالوشلبي).. ثم تخرج عام 1973 وكان الأول على دفعته.. بداياته الفنية الحقيقية كانت مع المسرح الذي قدم له أكثر من عمل ناجح مثل (مدرسة المشاغبين) و(العيال كبرت).. يعتبر (أحمد زكي) اليوم من ابرز نجوم السينما المصرية لما قدمه من أفلام متميزة بداية من (بدور) عام 1974 وحتى (ارض الخوف(1999.. وكما لمع اسمه في المسرح والسينما تألق أيضا الفنان الأسمر في التلفزيون فكان له عدة مسلسلات التي نذكر منها (الأيام) و(هو وهي) و(الرجل الذي فقد ذاكرته مرتين)..
حصل (أحمد زكي) على العديد من الجوائز على مدار مشواره الطويل مع الفن وقدم للسينما مجموعة من أهم أعمالها التي منها (أبناء الصمت) عام 1974 و(شفيقة ومتولي) عام 1978، و(عيون لا تنام) 1981.. ومن أفلامه في الثمانينات (الراقصة والطبال) و(النمر الأسود) و(البيه البواب) و(زوجة رجل مهم).. وأخيرا في التسعينات نذكر له (ضد الحكومة) و(استاكوزه) و(ناصر 56) و(هستيريا) و(اضحك الصورة تطلع حلوه) وغيرها كثيرا..
تزوج الفنان (أحمد زكي) من الممثلة الراحلة (هالة فؤاد) وله منها ابنه الوحيد هيثم.
نشأة أحمد زكي وبدايته مع الفن
النجم الأسمر أحمد زكي، يستحق بجدارة لقب نجم الثمانينات، بل ونجم مستقبل السينما المصرية أيضاً، فنحن أمام فنان مجتهد جداً، يهتم كثيراً بالكيف على حساب الكم، يلفت الأنظار مع كل دور جديد يقدمه، وأعماله تشهد له بذلك، منذ أول بطولة له في فيلم (شفيقة ومتولي) وحتى الآن، مروراً بأفلام إسكندرية ليه، الباطنية، طائر على الطريق، العوامة 70، عيون لا تنام، النمر الأسود، موعد على العشاء، البريء، زوجة رجل مهم، والعديد من الأفلام التي حققت نجاحات كبيرة على مستوى الجماهير والنقاد على السواء.
طريق صعب، ومليء بالإحباطات والنجاحات، هذا الذي قطعه أحمد زكي حتى يصل الى ما وصل إليه من شهرة واحترام جماهيري منقطع النظير، جعله يتربع على قمة النجومية. حصد العديد من الجوائز المحلية والدولية، واحتكر جوائز أفضل ممثل مصري لعدة أعوام متلاحقة. أحمد زكي من الزقازيق (محافظة الشرقية)، وأهل هذه المحافظة مشهورون بالكرم الزائد، حتى قيل عنهم بأنهم عزموا القطار، وأحمد زكي (شرقاوي) وهو يذوب رقة وخجلاً. يحدث المرأة فلا يتطلع لعينيها أو لوجهها. ويحدث الرجال الكبار باحترام شديد، ويعامل أقرانه بمودة متناهية، ويكفي أن تلقاه مرة واحدة حتى ترفض كل دعاوي الغرور التي تلتصق به، وترد السهام التي يطلقونها عليه الى صدور مطلقيها، وتصيح بأن أحمد زكي فتى نقي بريء. مات والده وهو في عامه الأول، وتزوجت والدته بعد رحيل الوالد مباشرة.. فتعلقت بأهداله كلمة يتيم، وتغلغلت في كل تفاصيل عينيه، فعاش حتى الآن في سكون مستمر، يتفرج على ما يدور حوله دون أن يشارك فيه، ولهذا أصبح التأمل مغروساً في وجدانه بعمق، حتى أصبح خاصية تلازمه في كل أطوار حياته، وعندما أراد أحمد زكي أن يهرب من وحدته بأية طريقة، بل أراد أن يهرب من حزن عينيه حين كره كلمة يتيم، كان يهرب الى بيوت الأصدقاء ليحاول أن يضحك، وكانت قدماه تتآكلان وهما تأكلان أرصفة الشوارع، حتى ظن الطفل الطري العود أنه كبر قبل الأوان، والذي ساهم في تكبير الطفل أكثر، هذا الصدام المتواصل بينه وبين العالم الخارجي، لم يضحك بما فيه الكفاية، ولم يبك بما فيه الكفاية.. ولكنه صمت بما فيه الكفاية. وحين أراد أن يهرب الى الكلام، وجد في المسرح متنفسه، فالتحق بعالمه يوم كان يكمل دراسته الثانوية، ولحسن حظه بأن ناظر المدرسة كان يهوى التمثيل.
أما أحمد زكي فصار في فترة وجيزة هاوياً للتمثيل والإخراج المسرحي على مستوى طلاب المدارس. وهذا معناه بأن أحمد زكي قد اكتشف الفن في أعماقه مبكراً، فكان رئيس فريق التمثيل في مدرسته الابتدائية، ومدرسته الإعدادية، ثم مدرسة الزقازيق الثانوية. وهكذا تحدد طريقه الى المعهد العالي للفنون المسرحية، الذي تخرج منه عام 1973 من قسم التمثيل بتقدير ممتاز، وهو نفس التقدير الذي حصل عليه في كل سنوات الدراسة.
لقد لمس أحمد زكي قلوب الناس وسط عاصفة من الضحك.. كان هذا خلال المسرحية الأولى التي واجه الجمهور بها، وهي مسرحية مدرسة المشاغبين، فمن حوله ملوك الضحك: عادل إمام، سعيد صالح، يونس شلبي، حسن مصطفى، عبد الله فرغلي.. وهو التلميذ الغلبان الذي يعطف عليه ناظر المدرسة.
وقد كتب عنه النقاد بأنه كان الدمعة في جنة الضحك في هذه المسرحية. إن أحمد زكي، الزبون القديم لمقاعد الدرجة الثالثة في دور السينما والمسارح المصرية، لفت الأنظار إليه بشدة عندما قام بدور الطالب الفقير الجاد في مسرحية مدرسة المشاغبين الكوميدية الذي يتصدق عليه ناظر المدرسة بملابسه القديمة.
بعد ذلك تنقل من المسرح الى التلفزيون الى السينما، وكانت له جولات وصولات في الساحات الثلاث، ولفت الأنظار إليه بكل دور يقوم به.. وترجمت هذه الأعمال المتفوقة الى جوائز، وهنا بدأت الحرب عليه، وذلك للحد من خطورته، ومصدر الخطر فيه تحدد في ثلاثة مواقف سينمائية وتلفزيونية:
الموقف الأول حين قام بدور البطولة في مسلسل الأيام، فقد قام بدور طه حسين، وعندما أجرى النقاد مقارنة بينه وبين محمود ياسين، الذي قام بنفس الدور في السينما، وحين تجري المقارنة بين من مثل مائة فيلم، وبين من مثل خمسة أفلام ومسلسلاً، فمعنى هذا أن أحمد زكي قفز الى مكانة لم يسبقه اليها أحد! والموقف الثاني برز حين قام بدور البطولة في فيلم شفيقة ومتولي، أمام سعاد حسني، ولا يهم ما قيل في الفيلم أو في سعاد حسني، إنما المهم هو البادرة بحد ذاتها، والتي هي إصرار سعاد حسني أن يكون أحمد زكي هو بطل الفيلم، والموقف الثالث كان في دور ثانوي، هو دوره في فيلم الباطنية، بين عملاقين سينمائيين هما فريد شوقي ومحمود ياسين، حيث أن الجوائز إنهالت على أحمد زكي وحده، وهي شهادة من لجان محايدة على أنه، ورغم وجود العملاقين، قد ترك بصماته في نفوس أعضاء لجان التحكيم.
بعدها جاء فيلم طائر على الطريق، وجاءت معه الجائزة الأولى.. وهكذا وجد أحمد زكي لنفسه مكاناً في الصف الأول، أو بمعنى أصح حفر لنفسه بأظافره طريقاً الى الصف الأول!! وقد كان عام 1982، هو الإنطلاقة الحقيقية لهذا الفنان الأسمر.
أما في عام 1983، وخلافاً لكل التوقعات، فقد رأينا أحمد زكي منسحباً عن الأضواء والسينما بنسبة ملحوظة، ليعود في العام 1984 أكثر حيوية ونشاطا، ومن العجيب أن هذا الشاب الريفي، البعيد الوسامة، جاء الى عاصمة السينما العربية، مفتوناً برشدي أباظة، المعروف بوسامته.
والحديث عن هذا النجم الكبير وعن مشواره الفني، لا يمكن إلا أن يكون في صالحه. لذلك سندعه هو يتحدث عن نفسه، عن حياته الشخصية، عن بداياته مع الفن والوسط الفني، عن ما يختلج في دواخله.
يقول الراحل:
جئت الى القاهرة وأنا في العشرين: المعهد، الطموح والمعاناة والوسط الفني وصعوبة التجانس معه. عندما تكون قد قضيت حياتك في الزقازيق مع أناس بسطاء بلا عقد عظمة ولا هستيريا شهرة، ثم الأفلام والوعود والآلام والأحلام.... وفجأة، يوم عيد ميلادي الثلاثين، نظرت الى السنين التي مرت وقلت: أنا سرقت.. نشلوا مني عشر سنين. عندما يكبر الواحد يتيماً تختلط الأشياء في نفسه.. الإبتسامة بالحزن والحزن بالضحك والضحك بالدموع! أنا إنسان سريع البكاء، لا أبتسم، لا أمزح، صحيح آخذ كتاب ليلة القدر لمصطفى أمين، أقرأ فيه وأبكي.... أدخل الى السينما وأجلس لأشاهد ميلودراما درجة ثالثة فأجد دموعي تسيل وأبكي، عندما أخرج من العرض وآخذ في تحليل الفيلم، قد أجده سخيفاً وأضحك من نفسي، لكني أمام المآسي أبكي بشكل غير طبيعي، أو ربما هذا هو الطبيعي، ومن لا يبكي هو في النهاية إنسان يحبس أحاسيسه ويكبتها.
المثقفون يستعملون كلمة اكتئاب، ربما أنا مكتئب، أعتقد أنني شديد التشاؤم شديد التفاؤل، أنزل الى أعماق اليأس، وتحت أعثر على أشعة ساطعة للأمل، لدي صديق، عالم نفساني ساعدني كثيراً (في السنوات الأخيرة) ويؤكد أن هذا كله يعود الى الطفولة اليتيمة، أيام كان هناك ولد يود أن يحنو عليه أحد ويسأله ما بك.
في العاشرة كنت وكأنني في العشرين.. في العشرين شعرت بأنني في الأربعين. عشت دائماً أكبر من سني.. وفجأة، يوم عيد ميلادي الثلاثين، أدركت أن طفولتي وشبابي نشلا.. حياتي ميلودراما كأنها من أفلام حسن الإمام. والدي توفي وأنا في السنة الأولى، أتى بي ولم يكن في الدنيا سوى هو وأنا، وها هو يتركني ويموت. أمي كانت فلاحة صبية، لا يجوز أن تظل عزباء، فزوجوها وعاشت مع زوجها، وكبرت أنا في بيوت العائلة، بلا اخوة، ورأيت أمي للمرة الأولى وأنا في السابعة.. ذات يوم جاءت الى البيت امرأة حزينة جداً، ورأيتها تنظر اليّ بعينين حزينتين، ثم قبلتني دون أن تتكلم ورحلت. شعرت باحتواء غريب، هذه النظرة الى الآن تصحبني، حتى اليوم عندما تنظر اليّ أمي فالنظرة الحزينة ذاتها تنظر، في السابعة من عمري أدركت أنني لا أعرف كلمة أب وأم، والى اليوم عندما تمر في حوار مسلسل أو فيلم كلمة بابا أو ماما، أشعر بحرج ويستعصي عليّ نطق الكلمة. عندما كنت طالباً في مدرسة الزقازيق الثانوية، كنت منطوياً جداً لكن الأشياء تنطبع في ذهني بطريقة عجيبة: تصرفات الناس، ابتساماتهم، سكوتهم، من ركني المنزوي، كنت أراقب العالم وتراكمت في داخلي الأحاسيس وشعرت بحاجة لكي أصرخ، لكي أخرج ما في داخلي، وكان التمثيل هو المنفذ، ففي داخلي دوامات من القلق لا تزال تلاحقني، فأصبح المسرح بيتي، رأيت الناس تهتم بي وتحيطني بالحب، فقررت أن هذا هو مجالي الطبيعي.
بعد ذلك بفترة اشتركت في مهرجان المدارس الثانوية ونلت جائزة أفضل ممثل على مستوى مدارس الجمهورية، حينها سمعت أكثر من شخص يهمس: الولد ده إذا أتى القاهرة، يمكنه الدخول الى معهد التمثيل. والقاهرة بالنسبة اليّ كانت مثل الحجاز، في الناحية الأخرى من العالم، السنوات الأولى في العاصمة.. يالها من سنوات صعبة ومثيرة في الوقت ذاته، من يوم ما أتيت الى القاهرة أعتبر أنني أجدت مرتين.. في إمتحان الدخول الى المعهد ويوم التخرج.
ويواصل أحمد زكي.. ويقول: ثلاثة أرباع طاقتي كانت تهدر في تفكيري بكيف أتعامل مع الناس، والربع الباقي للفن، أصعب من العمل على الخشبة الساعات التي تقضيها في الكواليس. كم من مرة شعرت بأنني مقهور، صغير، معقد بعدم تمكني من التفاهم مع الناس. وسط غريب، الوسط الفني المصري.. مشحون بالكثير من النفاق والخوف والقلق.. أشاهد الناس تسلم على بعضها بحرارة، وأول ما يدير أحدهم ظهره تنهال عليه الشتائم ويقذف بالنميمة. مع الوقت والتجارب، أدركت أن الناس في النهاية ليست بيضاء وسوداء، إنما هناك المخطط والمنقط والمرقط والأخضر والأحمر والأصفر.. أشكال وألوان.
ويرى أحمد زكي بأن التركيبة الشخصية اختلفت باختلاف الأدوار التي أداها: صحيح لعبت دور صعلوك أو هامشي في أفلام أحلام هند وكاميليا وطائر على الطريق وكابوريا، لكن كل دور ذو شخصية مختلفة. شخصيات اليوم غالباً رمادية، ليست بيضاء وليست سوداء.. ليست خيرة تماماً وليست شريرة تماماً، وما على الممثل سوى ملاحظة الحياة التي من حوله حتى يفهم أن عليه أن يجهد ويجتهد كثيراً في سبيل فهم هذه الحال، والواقع أن أحمد زكي عرف كيف ينتقل من دور الى آخر حتى لو لم تكن هناك قواسم أساسية مشتركة بينها. فهو الفلاح الساذج في فيلم (البريء)، ومقتنص الفرص الهائم على وجهه في فيلم (أحلام هند وكاميليا)، وابن الحي الذي قد يهوى إنما يحجم ويخجل في فيلم (كابوريا)، كما هو ضابط الاستخبارات القاسي الذي يفهم حب الوطن على طريقته فقط في فيلم (زوجة رجل مهم). والثابت المؤكد هنا قدرة أحمد زكي على تقديم أداء طوعي ومقنع في كل هذه الحالات المختلفة، مقدرة يعتقد أنها ناتجة عن اهتمامه منذ الصغر بالملاحظة وحب التعبير.
حيث يقول: اختزنت الكثير من الأحاسيس والرغبات الكامنة في التعبير عما أشعر به، لذلك تراني حتى الآن لا أهتم بالمدة التي ستظهر فيها الشخصية على الشاشة، بل بالشخصية نفسها إذا استطاعت إثارتي ووجدت فيها فرصة جديدة للتعبير عما بداخلي.
يرفض أن يقوم عنه دوبلير أو البديل بالأدوار ذات الطبيعة الخطرة، ويقول أنه في فيلم (عيون لا تنام) حمل أنبوبة غاز مشتعلة، وألقى بنفسه من سيارة مسرعة في فيلم طائر على الطريق، وأكل علقة ساخنة حقيقية في فيلم (العوامة 70)، ويعتقد أحمد زكي بأن عدم استخدام البديل يعطي الفنان قدرة وتدريباً أكثر، وقد حمله هذا الاعتقاد على أن ينام في ثلاجة الموتى بعد أن أسلم نفسه للماكيير الذي كسا أو دهن وجهه بزرقة الموت والجروح الدامية كما اقتضى دوره في فيلم موعد على العشاء.
وقد بقي في الثلاجة الى أن دخلت عليه بطلة الفيلم سعاد حسني لتكشف عن وجهه وتتعرف عليه بعد أن صدمه زوجها السابق بسيارته، وقد أعيد تصوير المشهد، الذي استلزم إقفال الثلاجة على أحمد زكي، عدة مرات حتى لا تأتي اللقطة التي لا تستغرق أكثر من بضع ثوانٍ من وقت الفيلم مقنعة للمتفرج.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved