من هو البوهجي أو اللامبالي أو اللامنتمي؟ مسميات ثلاثة تؤدي لغرض أو معنى واحد، وهو الشخص الذي قد لا يكون مسؤولاً مئة بالمئة عن سلوكياته، فهو منضبط في جانب، فالت في جوانب أخرى. وقد عالج كولن ولسون هذه الشخصية في كتاب مهم طرحه في بداية الستينيات الهجرية بعنوان (اللامنتهي) درس فيه أحوال هذه الشخصيات في العديد من القصص والروايات العالمية، وكان من أبرزها روايات (الغريب) ل(ألبير كاموا) و(المسخ) ل(كافكا) وعشرات المواقف من حياة الكتَّاب والأدباء؛ مثل رامبو ووليم بليك. ولم يقف ولسون على نماذج من الأدب والأدباء في العالم العربي بطبيعة الحال وإلا لوجد الكثير من النماذج، وقد عايشتُ وقرأتُ عن عينات من هذه الشخصيات، فهناك أدباء لا ينامون حتى يطلع النهار ويطمئنون بأن الناس ذهبوا لأعمالهم، حينذاك يشترون جرائد الصباح ويذهبون بها إلى السرير، وهو غالباً سرير مستعار، وهناك الأديب أو الفنان الذي يخرج من البيت لشراء غرض معين فلا يعود إليه إلا بعد شهر ولا أحد يسأل ولا هو يسأل، وإذا عاد فكأنه لم يغب سوى ساعة أو بعض ساعة، فالكل في المنزل عرف عادته وتعايش معها! ومن هؤلاء مَن إذا هبطت عليه ثروة صرفها في لحظتها، وبعد ذلك يمد يده للأهل والأصدقاء حتى تهبط عليه ثروة جديدة فيبددها في لحظات.. وهكذا، وأديب آخر هاتفني أحد زملائه يرجوني أن أبحث عنه لأخبره بأن له ثلاثة رواتب لم يستلمها، فعدم استلامها معناه انكشاف أمره، وغيابه المستمر، وربما فصله فوراً من العمل، فقد كان في العمل مَن يعرف ظروفه فيوقِّع عنه في الدخول والخروج، وليس عليه إلا استلام الراتب، وحتى هذا لم يبالِ به، ومثل هذا الأديب إذا جلست إليه أعطاك كامل الإحساس بأنه مظلوم ومضطهد وغير مقدَّر، لا في عمله ولا في محيطه! ومن هؤلاء من إذا دخلت معه إلى المطعم طلب قائمة الطعام، فاختار لك وله من أحسن الأصناف فأكل وشرب، ثم أمسك باب المطعم تاركاً لك تكاليف ما اختاره لك ولنفسه، وهو في داخله يرى أن له الفضل في أنه جلس معك وطلب لك، ولأنه غني بنفسه فيجب أن تكون غنياً بجيبك فتدفع عنه وعن نفسك وكلك امتنان لهذا الذي استطاع التماسك فجلس معك ساعة أو أقل ملأ خلالها بطنه ودماغك بالكلام! لكن هل هذه العينات لدى المثقفين فقط؟ الواقع يقول: إن هذه النماذج البشرية موجودة في كل مكان وزمان، لدى المتعلمين والأميين معاً، وسوف تجدها في الأسواق والمنازل وتحت الكباري وفي المقاهي، وحتى عند مقالب النفايات، شخصيات يمر بها الزمن دون أن تكون لهم علاقة به.. وهي موجودة بشكل محلي وجزئي، فهناك الموظف الكبير اليقظ، لكنك حالما تدخل مكتبه تجده لا يكاد يبين من أرتال المعاملات والصحف، وقد دخلت على واحد من هؤلاء وأشفقت عليه وهو يبحث عن ورقة، فمد يده بين مئات الأوراق وأخرجها، والله لم يكن على مكتبه حيز ولو صغير ليكتب عليه، بل إن ما تحت رجليه مشغول بترامس الماء والشاي والقهوة، وهو منكوس الشعر وغترته وطاقيته فوق المعاملات وربما تحتها، هذه شخصية ناجحة بمقاييسها مثل البوهيمي المثقف الذي يكتب أرق الأشعار وأحسن القصص والدراسات، ومع ذلك بودِّك عندما تراه أن تمد يدك في جيبك لتقدم له معونة أو مساعدة يشتري بها حذاءً أو ثوباً.. إنه نجار جيد لكن بابه مخلع، ربما لأنه يحب الطراوة، وربما لأنه جنَّد نفسه للاهتمام بشؤون الآخرين أولاً وأخيراً، وسوف يأتي الوقت الذي نركِّب له باباً، ونقيم له تمثالاً جزاءً لما قدمه لنا من خدمات! وما دمتُ بدأتُ بالمثقفين فإنني سوف أختم بهم لأقول: إن في بلادنا العديد من هذه النماذج الذين يحتاجون إلى لفتة تعينهم على واقعهم، فلا قدرة لهم على الانتظام في أي وظيفة، وإذا واتتهم القدرة ليوم أو شهر أو سنة فإنهم سيتركون الوظيفة، بل إن أغلب هؤلاء كوَّنوا أنفسهم بأنفسهم، يكتبون جيداً، ويقرؤون، ويناقشون، لكنهم بحاجة لمن يدبر لهم أمورهم، وفي العديد من الدول هناك رواتب تعطى لهؤلاء، تُعتبر كبدل تفرُّغ لإنجازٍ في القصة أو الرواية أو المسرح أو البحث، لكنها في الحقيقة معونة لرجل أو سيدة قدره أو ظروفه جعلته لا يألف النظام في أي شيء، حتى في ترتيب أموره، ولولا شعلة الإبداع والذكاء لكان مكانه الطبيعي دار الإيواء الاجتماعي حيث ينام ويستيقظ ويأكل في الوقت الذي يشاء.. مجاناً!
فاكس: 014533173 |