لنتكلم بشيء من الوضوح أكثر في أحداث قمة الجزائر، وكما سميت (قمة الإصلاح والتطوير) التي أدارها الرئيس الجزائري المخضرم والمجرب والمتسامح عند الضرورة والحازم عن الشطح، والتي انتهت بسرعة أكثر مما توقعنا، وغاب عنها عدد كبير من القيادات، وسرقها القذافي دون تخطيط، وعانى منها الأردن دون داعم، واستبعدت عنها أكبر القضايا المهددة للأمن الإقليمي، والمسببة للتوترات بين أعضاء الجامعة العربية. ولنا ملاحظات نريد ذكرها من واقع المشاهدة: أولاً: لم يتجنب الأمين العام لجامعة الدول العربية الحقيقة في مداخلته أمام وزراء الخارجية في المؤتمر التحضيري في دفاعه عن الجامعة العربية، وأجد شخصيا أن الجامعة أوفى للميثاق وأخلص للمبادئ من الدول الأعضاء، دافعت الجامعة العربية عن ميثاقها عام الغزو الصدامي لدولة الكويت، ونتذكر من الذي تخاذل في تلك القصة المشؤومة، ولعل الصدفة وحدها تجمع بين الثلاثي الذي سيتولى مسؤولية الإشراف على تنفيذ قرارات قمة الجزائر، في عام تسعين لم تصوت الدول الثلاث (الجزائر وتونس والسودان الدولة القادمة للرئاسة) على قرار قمة تحرير الكويت، واختفى عدد وعارض عدد، وأكثر المعارضين والغائبين هم أصحاب الحناجر العالية في دفاعهم حاليا عن الجامعة العربية وعن الالتزام وعن التضامن.. أين كانوا بالأمس القريب؟.. يقولون في الأمم المتحدة - وفق المعيار المتداول - من ينشد الدعم والمساعدة عليه أن يأتي بأيد نظيفة خالية من التلوث. كل الذين عملوا في الأمم المتحدة ومنهم الأمين العام يعرفون الفرق بين اليد النظيفة واليد الملوثة، ومعيارها.. ومآخذي على الأمين العام ليس من دفاعه عن الجامعة وإنما عن أسلوب الدفاع وحماس الطرح وعصبية المداخلة، وأعتقد أن من المهام الكبرى لجهاز الأمانة العامة هي إظهار الواقع بأسلوب لا يتسبب في التصدع في العلاقات، وأترك للأمين العام وحذاقته تقييم الإرهاصات التي أفرزتها المداخلة. ثانياً: من حق الأمانة العامة أن تدعو إلى معاقبة من يستهتر ويتعالى على الجامعة ويمتنع عن دفع نصيبه من ميزانية الجامعة العربية بحرمانه من التصويت، وفي الأمم المتحدة توجد قاعدة - كان العراق أحد الذين تعرضوا لها - لا يصوت من لا يدفع، شهدنا ذلك مع بعض الدول الإفريقية، ومع دول أخرى. وشخصيا أجد شرعية واضحة في حرمان المستكبرين من أعضاء الجامعة وتعريضهم للعقوبات، ولا يمكن قبول مستضعفين ومستكبرين ومتجبرين في قائمة واحدة داخل الجامعة العربية. ومآخذي على الجامعة في هذا الصدد تأخرها في طرح قاعدة التعامل مع المتخلفين، وتسترها على العابثين وعلى المشاغبين. ويمكن أيضا إضافة قاعدة إضافية فوق الحرمان، وهي عدم السماح للمشاغبين والمارقين والمتهمين بإيجاد غطاء سياسي وإعلامي ومعنوي في الجامعة وفي أروقتها، لا يمكن أن يجد في مرفأ الجامعة ملاذا من الصواعق العالمية من مارس الطيش في سلوكه الدبلوماسي، ومن تعرض للعقوبات بسبب هذا الطيش، ومن تخانق مع قواعد السلوك الدولي لا مكانة له في زاوية الجامعة تحت حجة التضامن. وكنت أتمنى أن يخرج صوت الجامعة في إدانة هذا المنهج وبقوة، كما لمسنا تلك القوة من صوت الأمين العام حول الأنصبة ودفع الالتزامات. ونستذكر في هذه الفقرة معيار الأمم المتحدة والدعم لأصحاب الأيادي النظيفة فقط.. يقول البيان الختامي لقمة الجزائر: الطلب من الأمين العام للجامعة أن يبلغ الرئاسة بالموقف المالي وحالة السداد شهريا لاتخاذ ما يراه مناسبا من إجراءات، ونقترح عليه - أي الأمين العام - أن يبلغ الرئيس بمسببات بؤر التوتر واحتمالات الانفجار الإقليمي بسبب رعونة سلوكيات إحدى الدول الأعضاء - وفق مبدأ الاستباقية التي يتحدث عنها العالم الآن. ثالثاً: نحن نعرف الحساسيات التي أبعدت القمة عن التعامل المباشر مع القرار 1559 والصادر من مجلس الأمن، والسعي الحثيث لكل من سوريا ولبنان لإبعاد الإشارة حتى - كما يقول أحد المسؤولين اللبنانيين - حتى لا يصبح بندا دائما على جدول أعمال القمة. وشعوري بأن إبعاد هذا البند يأخذ كثيرا من الجدية العربية في التعامل مع القضايا الساخنة، وموفرا لدى الآخرين الشعور بأن العالم العربي منفصل عن الأسرة الدولية واستحقاقاتها وقواعدها، وأنه يملك حياة كوكبية منعزلة، بينما الواقع السوري اللبناني أصبح مسرحا للانضباط الدولي وفق ما جاء في بنود القرار، وغياب الإشارة في قمة الجزائر لا يزيل التوتر الساخن الذي قد يتحول إلى نار تحرق الكثير في تلك المنطقة. وقد أعجبني الرئيس حسني مبارك في نصائحه إلى سوريا بالتعامل الواقعي مع القرار، وبضرورة ممارسة الوعي المسؤول بحقائق العالم. كما أن الإشارة إلى السودان بحاجة إلى موقف أقوى وأكثر وضوحا من تلك الجملة المساجية التي جاءت في البيان. ويبقى موضوع العراق، وتمنيت شخصيا أن أرى الدعوة إلى الهمة العربية التي أراد استحضارها الأمين العام حول الشأن الدولي، تبرز بشكل قوي، كنت أتمنى أن تخرج إدانة قوية للإرهاب في العراق من القمة العربية بدلا من التسطيح البارد.. جاء في إعلان الجزائر حول العراق الإشارة إلى القرار 1546 ولم تستذكر القمة شنائع إجرام الإرهاب وآخرها جريمة الحلة. ولم أشعر بقراءة البيان وفي قراءة إعلان الجزائر، بأن هناك قلبا يتحسر على الوضع في العراق، بل إن وزير خارجية الجزائر في كلمته الترحيبية أمام وزراء الخارجية، قدم بانوراما شاملة عن مشاكل العالم العربي وتجاهل أكبر قضيتين: الصحراء الغربية والإرهاب في العراق. وفي الجانب الفلسطيني أسفت جدا لغياب ملك الأردن عن المؤتمر، فالملاحظات التي قدمها وزير خارجية الأردن حول المبادرة العربية لم تصدر من خصم يريد إجهاضها، وإنما من مدرك للحسابات الدولية وللواقع الإقليمي والعالمي، وربما كان حضور الملك كفيلا بتبديد المخاوف.. ولذلك جاءت الحصيلة التي صدرت من القمة حيادية زخرفية لم تضف شيئا على المبادرة الأساسية، ربما حضور الملك يغير الصورة. وأشير إلى قضايا الإرهاب الذي جاء في البيان الختامي وفي إعلان الجزائر، وكنت أتمنى أن ترتكز الفقرة على قرار مجلس الأمن 1566 الصادر في أكتوبر 2004م، وهو القرار الملزم الصادر تحت الفصل السابع، وليس فيه مجال للاجتهادات، مع لائحة من المسؤوليات على الدول الأعضاء.. قد يبدو إهمال الإشارة إلى ذلك القرار كأنه متعمد، بعد أن أصبح القرار المرجعية الدولية حول الإرهاب. رابعا: لابد أن تحافظ القمة العربية على وقار المناسبة وهيبة القادة، ومكانة الحاضرين، ولا تسمح بإمكانية خروجها من الجدية إلى الهزليات ومن المسؤولية إلى المضحكات، ومن الالتزام إلى الفكاهيات.. ربما من المناسب الإصرار على الالتزام بالإجراءات المتفق عليها، فخروج العقيد القذافي عن تلك الإجراءات وتقديمه أطروحة فيها كل النادر من الفكاهيات أمر لا يجلب الهالة ولا الوقار للقمة. وكنت أتابعه وأتصور ما يدور في ذهن المتابعين من عرب وأفارقة وأوروبيين - عبر الترجمة - عن حال العرب وعن هزال قياداتهم وعن استحقاقهم للاحترام العالمي. ربما لم يستعذب العقيد القذافي حلاوة تمور الجزائر فجاء بالملحمة الهزلية.. وهكذا بدأت القمة بتوتر وانتهت بمهزلة..
|