* لواء ركن متقاعد: تركي بن عبد المحسن الفرم : في جرأة شديدة تتأسس على النقد المنهجي والفلسفي الصارم يقرر كتاب الإرهاب الفكري منذ عام 1945 وحتى اليوم ان أوروبا (وتحديداً فرنسا بلد الحرية والإخاء والمساواة) لا تزال تعيش أجواء إرهاب فكري مخيفة وان المقصلة التي لطالما قطعت رؤوس المعارضين في السياسة والدين (في العصور الوسطى) لا تزال تعمل بنفس الكفاءة وان أخذت أشكالاً وصوراً أخرى. ويحذر الكتاب منذ البداية من أن تخدعنا الشعارات التي ترفعها بعض الدول في أوروبا والعالم فالحرية الفكرية هي الضحية (الدائمة) وهي الابنة (المجني عليها) ومسيرة الإرهاب الفكري يمكن رصد محطاتها البارزة بسهولة إذا فصلنا في أمانة تاريخ الأفعال عن تاريخ الأفكار والثابت في كل الأحوال ان هذا الإرهاب الفكري موجود (بشحمه ولحمه) في كل الممارسات بل انه بحسب التعريفات المرجحة في الكتاب آلية شمولية تتأسس على الظلم والكذب وخلط الأوراق وتضع العراقيل في طريق النقاشات الجادة بشأن القضايا الأساسية التي تتعلق بالمستقبل ولذلك فمن الطبيعي ان تبقى معظم هذه القضايا معلقة لم تحسم بعد. *** ولأن الكتاب الذي يقع في نحو 265 صفحة من القطع الكبير هو خلاصة بحث مستفيض في أحداث النصف الثاني من القرن العشرين قام به مؤلفه جون سيفيليا مساعد رئيس تحرير لوفيجارو ماجازين فلقد عكس بوضوح المشهد السياسي والثقافي والإعلامي عبر القلة من رجال الفكر والسياسة الذين يملكون وحدهم الحقيقة ويرفضون ان يعارضهم أحد فكانوا مثالاً فجاً (وحقيقياً) في الوقت ذاته للإرهابيين الذين لا يتورعون عن اخراس الصوت الآخر بأي ثمن! ففي عام 1950 ظهرت عشرات بل مئات من الرجال الذين ملؤوا الدنيا ضجيجاً بأحاديثهم الحماسية عن الجنة السوفيتية وكتبوا في الصحف الأشعار تمجيداً في ستالين لكنهم في عام 1960 ظهروا في ثوب آخر يتحدثون عن ان ضمان سعادة شعوب ما وراء البحار هو ان يزول الاستعمار. وفي عام 1965 اشتعل نفر منهم حماساً من أجل فيدل كاسترو وهوشي منه، وماوتس تونج، وفي مايو عام 1968 حلموا بتحرير الفرد من كل الضغوط الاجتماعية وغنوا في عام 1975 لانتصار الشيوعيين في الهند الصينية.. وترسخت في قلوبهم قناعة بأنهم في عام 1961 تركوا الظلام لكي يدخلوا إلى النور.. وبعد اربع سنوات من هذا التاريخ رفعوا عقيدتهم مطالبين فرنسا بأن تفتح ذراعيها وأراضيها لاستقبال المحرومين وبؤساء العالم! وفي التسعينيات هلل هؤلاء لأيديولوجية التحرر والليبرالية الجديدة بعد اقتناعهم بأن عصر الأمم والعائلات ولى زمانه! بمعنى آخر يلح الكتاب على أن هؤلاء القوم (قد تزوجوا كل الايديولوجيات) وانتهوا أخيرا إلى ان الدولة الأمة قد انتهت وأن (أوروبا ماسترخت) قد فتحت مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية وان العائلة والأخلاق هي مفاهيم تم تجاوزها! صحيح ان هناك دوائر كانت ترفض هذه الإيديولوجيات وترى ان ستالين وماو وآخرين ليسوا إلا قادة لنظم إجرامية وأن الانشقاقات الثورية لم تولد غير الكوارث وأنه من المستحيل ان تمحى الأمم والعادات، والثقافات، بجرة قلم! ويذكر الكتاب ان هؤلاء المعارضين في كل العصور كانوا ضحايا الإرهاب الفكري وعوملوا (كرجعيين وفاشيين، ورأسماليين، واستعماريين، ومحتلين وعنصريين، وكارهين للآخر) لمجرد أنهم اختلفوا مع التوجهات العامة في هذه الأزمنة.. وكان جزاؤهم أن يعودوا إلى الصمت. لكلمات التي تقتل
ريجيس ديبريه وقد كان المؤلف جون سيفيليا بارعاً عندما اختار عنواناً بليغاً هو: الكلمات التي تقتل مشيرا بذلك إلى الثمن الفادح الذي يدفعه المعارضون الذين أصبحوا والحالة هذه رمزاً (أو مثالاً) للشر الذي ينبغي أن يستأصل.. وكان الصراع كما في مذهب الماثوية الفارسي بين الظلام والنور لا بد ان ينتصر فيه النور لأن أنصاره في زعمهم هم الذين يملكون السطوة والنفوذ! ولذلك فالإرهاب الفكري من هذا المنظور ليس إلا آلة عمياء مدعومة فقط بتواطؤات مذهبية ولا تكاد تمثل مصالح متوافقة بالضرورة، ولا يتردد المؤلف في توجيه النقد اللاذع لرجال الفكر وقادة الرأي لأنهم هم الذين يقودون العالم.. ولئن كنا نعاني في عصرنا الراهن حالة من الضياع وتراكم الأزمات في طريق الأجيال فالمسؤول عن ذلك من وجهة نظر الكتاب هم رجال الفكر، والثقافة الذين أكلوا على جميع الموائد وارتدوا الأزياء بألوان شتى تتناسب مع كل العصور ويذكر الكتاب ان أمثال هؤلاء موجودون في كل وقت وحركتهم مستمرة والحاليون منهم سوف يندمون حتما في عام 2010 أو 2020 على ما كانوا قد صرحوا به في التسعينيات. ولئن كان اليسار انطلاقاً من هذه الرؤية يجد نفسه بالضرورة على كرسي الاتهام فالمحقق أيضاً ان اليمين ليس بريئاً تماماً بمعنى أن التيارين (أو الاتجاهين) في خندق واحد وتطالهما معا التهمة نفسها. والمثال الصارخ على ذلك أن المفكر الفرنسي الشهير ارنست رينان، أحد (أبرز المنظرين للفكر العنصري) كتب (ودعا) في القرن الثامن عشر إلى ان سيطرة جنس على جنس هي أمر مقبول فمن حق الجنس الأوقى (والأعلى) أن يسيطر على الجنس الأدنى وان شيئاً كهذا لا ينبغي ان يصدم المشاعر لأنه أمر طبيعي!! ونسج على نفس المنوال مفكر آخر محسوب على التيار اليساري العلماني هو (جيل فيري) الذي طالب بحق الأجناس العليا في أن تسوس الأجناس الدنيا وتتولى عملية تحضرهم وإلحاقهم بركب الحضارة! ولمزيد من توضيح ما يعتبره الكتاب جناية لرجال الفكر والسياسة على الشعوب والتاريخ معا يذكر ان فرنسوا ميتران عندما كان وزيراً للداخلية في فرنسا عام 1954 أكد مراراً وتكراراً ان الجزائر هي فرنسا! وفعل نفس الصنيع بيير مانديس فرانس الذي كتب يقول: إن مقاطعات الجزائر تشكل جزءاً من الجمهورية الفرنسية. وكان من الطبيعي ان تكرس السياسة الفرنسية نفسها في هذا الاتجاه وان تسوم المعارضين ألوانا من العذاب والتنكيل.. واليوم وبعد ان انقشعت المغامرة الاستعمارية ظهر من يقول في تبريره للاستعمار الفرنسي للجزائر ان هذه الأخيرة كانت أحوج إلى فرنسا من حاجة فرنسا إليها لأن فترة الاستعمار للجزائر كلفت فرنسا غاليا والثابت ان فرنسا لم تكن بريئة في ذلك الحين من الإرهاب الفكري الذي أدارت آلته في براعة سواء ضد الفرنسيين الرافضين لاستعمار الجزائر أو للمجاهدين الجزائريين الذين لاقوا عنتا شديداً على أيدي الجيش والبوليس الفرنسي سواء داخل الجزائر أو في فرنسا نفسها. وشيء شبيه بذلك حدث في مقاطعة كيبيك في كندا التي يطلقون عليها اسم (كندا الفرنسية) فممارسات الإرهاب الفكري كانت صارمة تجاه كل من يقاوم السيطرة الفرنسية. أيديولوجية (العالم ثالثية)
ولعل المثال البارز في هذا الشأن أيضاً هو الموقف من العالم الثالث فيذكر المؤلف جون سيفيليا ان هذا المصطلح (العالم الثالث) اقترحه لأول مرة المفكر الفرنسي (الفريد سوفوي) عندما كتب في 4 أغسطس 1952 يقول: إن هذا العالم الثالث المجهول، والمستغل والمحتقر (لدولة نامية) يريد أن يكون شيئا ومنذ ذلك الحين يتلون أيديولوجية العالمثالثية التي أوجدها في الفكر العربي المعاصر المفكر المغربي محمد عزيز الحبابي.. وبدأ الكتاب يتحدثون عن الجغرافيا السياسية للجوع سيما بعد ان دأب الرأسماليون الغربيون على التصرف في دول العالم الثالث كأصحاب كل شيء.. فهم يملكون الأرض والشعب ويفعلون ما يشاؤون دون رادع أو رقيب إلى حد أن البعض يطالب اليوم بمحاكمة المستعمرين (كمجرمي حرب) بسبب المذابح التي ارتكبوها في حق الشعوب الفقيرة وأعمال السخرة التي راح ضحيتها آلاف. وفي عام 1976 انتقد جامعي فرنسي رؤية اليسار لأيديولوجية العالمثالثية وذكر ان جمعية أطباء بلا حدود التي تهدف إلى انقاذ العالم الثالث من الأمراض كان قد أسسها قبل 15 عاما أحد اليساريين لكن في عام 1985 أطلق الجغرافي المعروف ايف لاكوست نداءه الشهير: أنقذوا العالم الثالث مع العالمثالثيين!.. لكنه قبل هذا النداء بنحو عشرين عاماً كان لاكوست يعتقد ويؤمن بسلام وصحة العالم الثالث.. لكن موقفه تغير لاحقا على نحو ما أسلفنا. ومثل هذا التغير نرصده بوضوح عند مفكر آخر هو باسكال بركنير (أحد أقطاب حركة 1968) الذي وضع كتابا بعنوان الرجل الأبيض في عام 1983 وصدم به كل أصدقائه الثوريين عندما طرح السؤال متى تسجل الأمم المتحدة حركات مناهضة الغرب، والعنصرية ضد البيض ضمن الجرائم ضد الإنسانية؟!!.. ثم يسهب الكتاب في حديثه عن روح حركة أو ثورة الطلاب عام 1968 التي اندلعت في فرنسا (وترك الجنرال ديجول موقع الرئاسة على اثرها) فيذكر ان شعار هذه الروح (أو هذه المرحلة) هو ممنوع الحظر فكل شيء ينبغي ان يكون مباحاً فالضغوط مشبوهة والسلطة مكروهة، والأخلاق، والهياكل الاجتماعية والتقاليد والثقافة.. كل ذلك ليس إلا قيوداً للعبودية، ومن ثم ينبغي تحطيمها.. ولا ينبغي أن نضع في الحسبان سوى شيء واحد هو إشباع متطلبات كل شخص، وبحسب هذه الروح تم تفريغ المفاهيم من محتواها فالشخص المنحرف ليس هو المذنب وإنما المجتمع واتسعت الحركة لتشمل كل السلوكيات ولتصبح كل العقبات التي تقف في طريق إشباع الغرائز الفردية علامة من علامات الفاشية وأصبحت العائلة بحسب هذه الروح الجديدة مكاناً للموافقة على إرادات الاطفال وليس تعليمهم القواعد والسلوك أو نقل المعارف إليهم ومن الأشياء ذات الدلالة ان أحد رجال الدين في المكسيك ويدعى (ايفان اليش) قام بثورة تربوية عندما نادى بتحطيم المدرسة مؤكدا أنها أفيون الشعب!! ورفع آخر شعار: أيها المعلمون أنتم عجائز وكذلك ثقافتكم. يوتوبيا جديدة
ويصف الكتاب روح 1968 بأنها يوتوبيا أو طوبادوية جديدة سيطرت على العقول الراغبة في العيش داخل مجتمع بلا ضغوط وبدون عقد يتلاءم مع الرؤية الليبرالية وهذه اليوتوبيا تنطلق من رفض (كل الموروث) سواء كان فكراً، أو تقاليد أو أخلاقاً.. وهو ما جعل مفكراً في وزن (بييرمانديس) يخاطب الشباب قائلاً: لقد خسرتم سياسياً، لكنكم كسبتم ثقافياً. ويذكر المؤلف أن روح 1968 كانت تضيق ذرعاً بأي رأي يخالفها أو يتعارض معها.. وعندما أطلق الكاتب المعروف اندريه جيد: أيتها العائلة إني أكرهك تحمس له الكثيرون بل ولا يزال معنى هذا الشعار سارياً إلى اليوم، والدليل على ذلك أن معظم العلاقات بين البشر لا تنخرط في إطار الزواج بمعناه الكلاسيكي أي (أب وأم وأولاد).. وأصبحت العائلة مجرد (جو خانق) وظل ثقيل، والدليل على ذلك ان هناك ملايين الأطفال الذين يعيشون بلا أب، بمعنى ان العلاقة الزوجية المشروعة (والكلاسيكية) أصبحت نادرة في أوروبا، وفي الثمانينيات تؤكد الإحصاءات تنامي ظاهرة الزواج الحر، والإنجاب خارج مؤسسة الزواج وتزايد أعداد الأفراد الذين يعيشون بمفردهم سواء من الرجال أو من النساء بمعنى آخر لقد توقف الزواج عن أن يكون الفعل المؤسسي للعلاقات الثنائية.. وأصبح والحالة هذه سجنا لا يطاق ويرى علماء الاجتماع ان الفرد كسب ذاته في هذه الأجواء، في مقابل تراجع أو خسارة العائلة وعلى الطرف الآخر صرخ رجال السياسة وحذروا من أن أوروبا تحتضر ورغم ذلك لم يفِ الرئيس شيراك بما سبق ان وعد به المرأة في حملته الانتخابية، لكي تتفرغ للإشراف على أولادها وتربيتهم.. أي أن رجال السياسة يقولون ما لا يفعلون والضحايا يتزايدون.. ويعتبر الكتاب ان هذه الحال نوع من الإرهاب الفكري لأن أحداً ليس بوسعه مقاومة التيار الجارف ويحدث الشيء نفسه في حالة مرض الأيدز، الذي أطلق البعض عليه في البداية اسم سرطان العلاقات الشاذة بين الرجال ثم اختفى هذا الاسم سريعا لإخفاء الحقيقة إذ لا ينبغي ان تسمى الأشياء بهذه الصورة ولأن الحرية الجنسية أصبحت بحسب مفردات الكتاب عقيدة.. بدا صعباً على الأطباء ان يصرحوا بأن (الغطاء الواقي) ليس وسيلة ناجعة للوقاية من مرض الأيدز! ..وإذا تركنا الأيدز لننتقل إلى دنيا السياسة فسنجد المعاني نفسها التي يحكمها الإرهاب الفكري والأنانية.. فيذكر الكتاب ان التحالف الدولي ضد العراق عندما احتلت الكويت لم يكن من أجل حفظ سيادة الكويت كدولة وإنما لتحقيق أهداف أخرى منها: تحطيم جيش العراق القوي وحماية أمن إسرائيل والمحافظة على مصالح الغرب في المنطقة، ولقد اعترف الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب بأن الهدف كان إقامة نظام دولي جديد مؤسس على الحق لكنه نسي أن يذكر لنا ما هو هذا الحق وما هي حدوده، ومن هو الضامن له! ويواصل اعترافاته فيقول: هذا النظام الدولي الجديد هو نظام أمريكي، ونحن هنا في المنطقة ليس من أجل سعو البترول وإنما من أجل رسم خريطة جديدة للعالم! ولقد ظهرت معارضة في فرنسا مثلها وقتئذ وزير الدفاع جون بيير شيفنمان الذي اعترض على أن تسير فرنسا الحذاء في الحذاء وراء أمريكا، لكنه لم يفلت كما يقول المؤلف من صنوف شتى من الإرهاب الفكري الذي تعرض له، فها هي السيدة سيمون فيل (الوزيرة الفرنسية السابقة) تطالب بأعلى صوت بتقديم جين بيير شيفنمان (وزير الدفاع المستقيل) إلى المحاكمة بتهمة الخيانة لأنه ترك موقعه احتجاجاً على انضمام بلاده إلى التحالف الدولي المناوئ للعراق ولم يخف رفضه لاحتكار الولايات المتحدة لجميع جوانب العملية ضد العراق (تعبئة الدول الغربية، والإعداد لتحطيم العراق.. الخ). ولقد أسفرت هذه الحرب عن أشكال من الدمار غير مسبوقة فالجيش العراقي الذي كان يقال وقتئذ إنه الجيش الرابع في العالم قد أصابه الشلل التام في أقل من أربعة أيام وتحطمت العراق نهائياً: مصانعها، ومنشآتها الصناعية وفرضت دول التحالف بقيادة أمريكا حصاراً جوياً عليها لا تمر منه لا الأدوية ولا الأغذية.. وحصدت هذه الحرب التي أطلق عليها جورج بوش من قبيل التضليل (حرب الحق والقانون) أكثر من مليون ضحية. ويشير الكتاب إلى أن أشكالاً من الإرهاب قد مورست بدءاً من الخطاب الإعلامي الذي جسدته بقوة شبكة CNN الأمريكية التي روجت لهذه الحرب البشعة بأنها حرب جراحية أو ضربات جراحية في إشارة إلى أنها كانت تهدف إلى معالجة وضع ما، وتصويب الأمور، لكن الحقيقة التي اخفتها أمريكا أن الهدف لم يكن كما ذكرنا سابقا إلا حماية أمن إسرائيل وتحطيم قوة العراق الصاعدة وتأمين مواقع البترول والدليل على ذلك في رأي المؤلف جان سيفيليا ان قوة العراق قد دمرت تماما لكن بقي صدام حسين حيا حتى يومنا هذا ولعل هذا الحال هو المثال الأكيد الذي يدلل على ان ما يقوله الغربيون في وسائل إعلامهم شيء، وما يفعلونه شيء آخر وهم في كل ذلك لا يريدون ان ترتفع الأصوات المعترضة وإلا فالتخويف والإرهاب سيكون لأصحاب هذه الأصوات بالمرصاد والحق ان الشأن البترولي هو الذي ظل يحكم علاقة الولايات المتحدة والدول الغربية بمنطقة الخليج ولا شك ان نظرة سريعة على الحدود المرسومة بين دولها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ان هذه الحدود وضعت بهذه الصورة لخدمة مصالح طرفين أساسيين هما: أمريكا وبريطانيا.. وهي مصالح بترولية على وجه الخصوص. * وإذا تركنا المنطقة الغربية وتأملنا الحال في يوجوسلافيا التي يقال إنها المنطقة التي عرفت أول حرب عنصرية منذ زمن هتلر وأن العنصرية ظلت تتسع فيها، والكراهية تتعمق بها رغم كل المحاذير فسوف نجد ان الإرهاب يمارس في أبشع صورة.. فها هو الكاتب الفرنسي (الثوري سابقا) ريجيس ديبريه يتعرض لأذى بالغ عندما كتب مقاله بعنوان (رسالة من مسافر إلى رئيس الجمهورية) نشرتها صحيفة لوموند ويرفض فيها مسلك فرنسا التي ظلت تابعا لأمريكا في هذه التدخلات العسكرية الخطيرة فكان ان رد عليه من قبيل إرهابه فكريا نفر من الكتاب ووصموه بأقذع الصفات، ولعل العولمة هو المصطلح الذي ذاع وانتشر وكأنه الموضة هو الساحة المثلى التي تشهد إرهابا فكريا من نوع خاص.. فالعولمة أو الليبرالية الاقتصادية أصبحت الدين المسيطر والعالم من هذا التطور أصبح سوقاً واسعة وهذه السوق هي التي تقرر ومن ثم يطرح السؤال: ما هو دور السياسة إذن؟ إلى جانب أسئلة أخرى مثل: إذا كانت العولمة لا مفر منها والسوق محتومة وإزالة الحواجز لا مهرب منها.. فأين حرية الإنسان؟ وكتب أحدهم واصفاً العولمة بأنها المسلك الشمولي لليبرالية وكتب آخر يقول: الشمولية الاقتصادية الكونية لحضارة ماكدونالدز تجعلنا نطرح السؤال: - من سيدافع عن مصالحنا المشتركة ومصالح الجمهور في عالم داروين؟! (نسبة إلى صاحب نظرية النشوء والارتقاء) فالأموال هي الملك والحاكم والسيد، والدولة تضاءل دورها وأصبحت (بعيدة)، والأرصدة والشركات متعددة الجنسية هي (السيد) الذي يأمر فيطاع. لكن لأن كل ديكتاتورية تساعد على ولادة معارضين لها، فلقد ظهر من ينادي بأن الإنسان هو مواطن قبل ان يكون مستهلكا وأن الدولة الأمة لم تدفن بعد وهي أولا وقبل كل شيء إرث ووسيلة للمستقبل ورغم ذلك تتواصل حلقات الإرهاب الفكري بين أنصار العولمة ومعارضيها وكأنها حرب دون كيشونية (عبثية). ويدلي المفكر ريجيس ديبريه بدلوه مرة أخرى مؤكدا ان العالم ليس وطنا والمواطن في كل الأحوال يحتاج إلى حدود ويعود الكتاب إلى القول بأنه منذ عام 1990 شهد التزام المثقفين تراجعاً ملحوظاً، وأصبحنا نتحدث في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين عن ظاهرة السابقين أو القدامى مثل قدامى الشيوعيين وقدامى العالمثالثيين وقدامى الماركسيين وقدامى حركة الـ 68 ولا تزال قائمة السابقين والقدامى تمتد وتطول ولقد عايشنا أفكارا كثيرة لهؤلاء أفصحوا عنها ودعوا إليها بحماس ثم تنكروا لها وتحدثوا بالحماس نفسه عن نقيضها وفي كل الأحوال كانوا هم (قادة) و(ضحايا) في الوقت نفسه للإرهاب الفكري وهو ما يجعلنا نتساءل كيف كان كل توجه سياسي أو فلسفي يرتكز بالضرورة على عقل الإنسان فكيف تدرك أو تتلقى الانتصارات (المؤقتة) التي يحققها العقل البشري بشكل عام؟ وفي هذا الإطار حسبما يذكر الكتاب ظهر ما يعرف باسم الفلاسفة الجدد من قدامى اليساريين على سبيل المثال.. لكن منهم من حقق نتائج مبهرة في إطفاء قوة الجذب للماركسية أكثر من ليبرالي عتيق مثل المؤرخ الفرنسي رثمون ارون.. بمعنى آخر لقد فتح الفلاسفة الجدد الطريق نحو تدمير الأسطورة الثورية أكثر مما لم يفعله عشرة مؤرخين ليبراليين مجتمعين. ويشير الكتاب إلى ان العقلية الخاصة (بالرقيب المعاصر) تثير درجة الرعب نفسها التي كانت تثيرها المعضلة في الزمن القديم وهو منطق أقرته الشيوعية والنازية.. انه يوتوبيا أو طوباوية مجنونة.. فكل نظام شمولي به بؤر كراهية وبما أنه يوجد متمردون للنظام المستقر - أي نظام - فسيكون هناك أفراد يلزم تهميشهم أو إبعادهم وقد تختلف صور الإرهاب الفكري من عصر إلى آخر لكن الفعل يبقى نفسه، وقد غاب عن بال هؤلاء ان التوحد أو التماثل هو ضد الوحدة لأن التماثل يقسم أما الوحدة، فتجمع ومن ثم فالسياسة هي فن التوافق بين عائلات التفكير المختلفة والمتباينة حول قاسم مشترك ومن ثم يتحتم على الشعوب ان تكون يقظة وتفضل ما يوحدها على ما يؤدي إلى انقسامها. يخلص الكتاب في النهاية إلى القول بأن حرية الفكر مخنوقة في العالم أجمع وهي مهددة بشكل أو بآخر بنموذج العولمة الذي فرض نفسه فرضا على المرحلة الراهنة في تاريخ البشرية، رافضاً الاختلاف والتعددية في السياسة والثقافة ويضيف أن قادة الفكر هم الذين يتحملون مسؤولية حالة التردي الفكري التي يمر بها العالم لأنهم أسرفوا في تأييدهم للأيديولوجيات المختلفة، وكادوا يقفون في فترات زمنية قصيرة مواقف متناقضة تبعث على الضحك والسخرية أحياناً!!
الرياض - ص ب 56576 رقم الفاكس 2281462 |