هناك تشابه مخادع بين السينما وبين الرواية حتى ظن بعض الناس أن الرواية يمكن أن تغني عن الفلم السينمائي، والفلم السينمائي يمكن أن يغني عن الرواية. هؤلاء الناس تنظر إلى التشابه الكبير وتغفل الاختلاف الخطير. عشت هذا الوهم فترة طويلة. بدأ معي هذا الوهم بعد قراءة رواية ثرثرة فوق النيل للكاتب المصري نجيب محفوظ؛ حيث شاهدتها فلماً وقرأتها رواية في وقت متقارب جداً. لم أسأل نفسي بعدها.. ما هو ذلك الشيء الذي قرأته وما هو ذلك الشيء الذي شاهدته؟! بعد سنوات من مشاهدة الأفلام وقراءة الروايات استيقظ في داخلي سؤال. أين يذهب فارق الزمن؟ تشاهد الفلم في ساعة أو ساعة ونصف بينما تقرأ الرواية في ساعات كثيرة. فلم العراب مثلا (الجزء الأول) لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين مشاهدة بينما تستغرقك قراءة الرواية المبني عليها هذا الفلم أكثر من ست ساعات متواصلة. قبل المضي قدما أشير إلى أنني لا أحب الحديث عن قضايا مغيبة عن قرائي (كالسينما) ولكن وفاة الفنان أحمد زكي ومقال لطيف نشر في جريدة الرياض بقلم رجا المطيري أثارا في ذهني هذا الموضوع. نستطيع أن نستفيد من المثل الذي يقول: (صورة واحدة تغني عن ألف كلمة) ربما تحتاج إلى نصف ساعة كلام لتصف جبلاً بينما لا تحتاج إلا إلى ثوانٍ لتشاهد هذا الجبل في صورة. هذا الكلام يكون مفيداً عند إعداد تقرير ليقدم إلى معنيين بالحالة الفيزيائية لهذا الجبل كمهندسين يريدون شق طريق فيه أما بالنسبة لقارئ يريد المتعة فالأمر لا بد مختلف. لأن القارئ لم يقرأ الرواية ليعرف شكل وصورة هذا الجبل وإنما قرأ الرواية ليعرف ماذا تقول هذه الرواية عن هذا الجبل. فهو جبل خارج الطبيعة مشحون بكمية وافرة من العواطف والأخلاق وربما القلق وأشياء أخرى كثيرة لا يمكن تصويرها. عندما تقرأ الرواية قد تستغرق عشر دقائق تقرأ عن هذا الجبل. فالراوي الذي تنصت إليه هو إنسان خفي يقص عليك حكايته أو حكاية آخرين مع هذا الجبل بينما في السينما الراوي هو الكاميرا وهذه مثلها في الجمود مثل الجبل ليس لها أي حكاية عاطفية متعلقة بهذا الجبل أو غيره. الشيء الثاني: أن الجبل موجود قبل أن تأتي الكاميرا وتوقظ فيه الأحاسيس. بينما الجبل في الرواية خلقه الراوي أثناء القص ككائن مدمج في العواطف. ففضل الكاميرا لا يصل إلى الخلق وإنما التوصيل. ففرق الزمن يكمن في القص، في عملية ترحيل الكمية المناسبة من العواطف من وجدان القاص إلى وجدان القارئ، هذا الفرق الجوهري بين الرواية وبين الفلم السينمائي يقودنا إلى فرق خطير آخر فالفلم السينمائي يجمد الصورة ويعممها مما يجمد عملية التخيل. البطل في الرواية له وجوه بعدد القراء بينما البطل في السينما ليس له سوى وجه واحد هو وجه الممثل الذي يلعب الدور. فتحويل الرواية إلى فلم يحطم الرواية ويلغي قيمتها الفنية. ولكن هذا لا يعني أن السينما عمل سيئ. إن تداخل الاثنين (السينما والرواية) هو العمل السيئ. فالسينما تضحي بخيال الكلمة الذي هو أساس الرواية لمصلحة خيال الصورة الذي هو أساسها. أشار الزميل رجا المطيري في مقاله إلى أن هناك نية إلى إنتاج روايتي العطر للكاتب الألماني باتريك زوسكند وشفرة دفنشي للكاتب الأمريكي دان بروان وتحويلهما إلى أفلام سينمائية. أحزنني الخبر حيث سيقضي على أخيلتي وأوهامي عن الجميلات التي اعتصرهن غرنوي (بطل قصة العطر) ليستخرج من أجسادهن أروع العطور. أهيب بالقراء الذين لم يقرأوا رواية العطر سرعة قراءتها قبل أن تتحطم المخيلة فهي فرصة أخيرة لكي يشكل القارئ في خياله فكرة عن مستوى المرأة التي يمكن أن تعتصر ويستخرج من جسدها أروع العطور.
فاكس 4702164 |