تداول الساسة والكتاب والمفكرون والعامة موضوعي الهوية والوطنية.. وكلٌّ أفتى بخصوصها من وجهة نظره أو معرفته أو هواه.. وكلُّ حسب معناها تجاه ما يرضي رغباته أو يناسب مصالحه أو يتفق مع فهمه. مصطلح الوطنية اشتق من الوطن.. أي ذلك الجزء الجغرافي ذو الحدود السياسية المعروفة.. وهي في ذهن البعض تتجاوز ذلك إلى حدود أوسع.. فالعروبي يرى أن حدود الوطنية من الخليج إلى المحيط.. والإسلامي يراها تتجاوز كل ذلك وتصل إلى بلاد أهلها آمنوا بالإسلام ديناً.. والشعوبي والعنصري يريان الوطنية في نطاق أضيق وأصغر.. فهي لا تتجاوز في نظرهما حدود القرية ومناطق الأهل والعشيرة.. أما الأناني فالوطنية عنده لا تتجاوز حدود نفسه.. والآن ظهر لنا دعاة العولمة.. وهؤلاء يرون الوطنية بمنظار عالمي.. فالوطن هو الكرة الأرضية.. والمواطن عالمي.أما مصطلح الهوية فهو مصطلح جديد تَرسَّخ بعد الحرب العالمية الثانية.. ولحداثته اختلف الناس في تفسيره.. فالمواطن العادي يرى الهوية بطاقة إثبات الشخصية لا أقل ولا أكثر.. ليس لها حقوق وليس عليها واجبات.. ومعناها لا يتجاوز حدود الأوراق الرسمية.. من رخصة قيادة وجواز سفر.مصطلح الهوية اشتق في اللغة الغربية (اللاتينية، والجرمانية، واليونانية) من الذات أي الأنا.. واشتق في اللغة العربية من كلمة (هو) أي الآخر.. للذين يلفظوها بضم الهاء.. أو الهوية بفتح الهاء.. وهؤلاء ربما يقصدون المهوى أي المآل والمنتهى.. وهي التربة التي يفترض أن يدفن فيها الإنسان.. ما علينا فهذه فذلكة رأيت أن لابد منها.. ولعل أحداً يزيد من تفسيرها لنا.الهوية مثل الوطنية تأرجحت بين من وسّع مضمونها حتى مزقها ومن ضيقها حتى خنقها.. وإذا كانت الوطنية قد ربطت بحدود جغرافية فإن الهوية ربطت بالجذور الثقافية والعقائدية.. لذلك فإن الأغزر إنتاجاً لخطاب الهوية والأكثر تركيزاً عليه وحضاً على التمسك به والخوف عليها من التفتيت والذوبان هم الإسلاميون الذين واجهوا بهذا الخطاب خطاب القوميين العرب.. والآن يواجهون به تيار العولمة وغزو الغرب الثقافي والحضاري. الذين كتبوا في موضوع الهوية ذكروا أن كلمة الهوية وردت في أبيات مفكري النهضة في مطلع القرن العشرين بمعنيين ووجهين متضادين.. فهو من جهة يعني صد الاستعمار.. ومن جهة أخرى يعني الاستفادة من تلك الحضارة القادمة من الغرب والتماهي معها.. أما المعنى العام للهوية هذه الأيام فهي تعني الخوف من الذوبان في حضارة الغرب ولا يتم ذلك إلا بمعاداته ورفضه.. أي أنها كانت أداة للدخول إلى العصر في مطلع القرن العشرين ثم صارت أداة للخروج من العصر في مطلع القرن الحادي والعشرين.. بكل ما تعنيه من معاداة للحداثة.. وانتشار لظاهرة التكفير.. وإن المرء ليعجب كيف أننا قبل مائة عام نظرنا إلى موضوع الهوية على أنها تمييز بين حضارة الآخر واستعماره.. للتماهي مع الحضارة والاستفادة منها لصد الاستعمار.. وكيف أننا اليوم ننظر إليها على أنها وسيلة للانعزال والإقصاء ومعاداة الآخر. في موضوع الهوية نجد أن الشعوب الضعيفة والمنكسرة هي الأعلى صوتاً والأشرس منافحةً عن هويتها.. ونجد الغرب القوي أخفض صوتاً وألين موقفاً بخصوص الهوية.. بل إنهم يدعون إلى تنوع هوية مواطنيهم ومجتمعاتهم.. ويرون في ذلك فائدة.. أيضاً هناك شعوب عريقة في تاريخها وحضارتها لا تشكل لهم الهوية أمراً مزعجاً كالهنود والصينيين.. ففي الهند حسب أطلس أكسفورد الأنتروبولوجي آلاف الطوائف تتكلم آلاف اللغات.. وكل طائفة منها مرتبطة برعاياها في أسمائهم وشكل ملبسهم وناهيك عن عاداتهم وتقاليدهم وطرائق عباداتهم.. ولم تحاول الحكومات الهندية المتعاقبة فرض هوية واحدة بل تركت لكلٍّ أن يشكل هويته كما يرى.. وتركت لكلٍّ أن يشكل مظهره كما يريد في لبسه وقصات شعر لحيته وشواربه وشعر رأسه ووشم جبهته وثقب منخاره وغيره.. أما في الصين فلم تظهر بطاقات الهوية إلا في أواخر الثمانينيات.. ورغم الاتباع المظهري لأيديولوجيا الشيوعية إلا أن الحكومة الصينية التزمت بالمقياس الإنتاجي المادي.. فهم خمس سكان العالم وهذا يستدعي وجود عجلة عمل دائمة الحركة والإنتاج.. وهذا جعلها أحد أهم محركات اقتصاد العولمة.. وستكون في المستقبل المنظور أحد قادته.. لذلك قضية الهوية إشكالية ليست في حسبان المجتمع الصيني.المواطن العربي كما يبدو لي حسم أمر مصطلح الوطنية في مفهومه وحصرها في حدود وطنه الذي يحمل جنسيته.. ومسح مفهوم الوطنية الذي يدعو إليه القوميون العرب، فبعد احتلال الكويت ومشكلة سوريا مع لبنان.. ثبت لدى المواطن العربي أن فكرة القومية فكرة غير صائبة.لكن المواطن العربي لم يحسم بعد قضية الهوية.. وإن كانت تبدو لكثيرين أنها قاربت على الحسم.. متى وكيف؟.. تلك حكاية أخرى.
|