تثير كارثة تسونامي في صورتها الجديدة المخففة أهمية توجيه الجهود الدولية إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية الملحة وما أكثرها على ظهر البسيطة، وذلك بذات الحماس الذي يظهر عند نشوب أزمة سياسية أو حرب، حيث تتداعى إليها مختلف أوساط المجتمع الدولي تأييدا وشجبا وتدخلا وأحيانا شفقة على المتصارعين، وفي النهاية نصبح أمام زخم عالمي سياسي ينطوي على قدر هائل من العمل المكثف في مختلف الاتجاهات.. ولا يعني ذلك أن العمل الكبير قد يتمخض عن فعل ما أو عن معالجات حكيمة، فهو قد يسفر عن ذلك وفقا للجهة التي تقوده، وهو قد يستمر يتفاعل لسنوات طويلة ربما لأن الجهات الدولية الفاعلة تبدو غير راغبة في التسوية أو أن الأمور لم تنضج باتجاه ما ترمي إليه أو أن الظروف لا تعمل في صالحها. وفي كل الأحوال نرى أن المشاكل السياسية تستقطب جل الجهود العالمية، بينما تتفاعل مصاعب إنسانية منذ سنوات دون أن تحظى بذات القدر من الاهتمام والتحرك الدوليين، فنحن نرى المدى البعيد الذي ذهب إليه انتشار وباء مثل الإيدز والتهديد الكبير الذي يشكله على مجتمعات إنسانية بأكملها، وكيف انه يؤثر فعليا في حركة الاقتصاد في دول إفريقية بعد أن خرج الكثيرون من المرضى من دائرة الإنتاج الزراعي والصناعي إلى فراش المرض أو الموت.. وما يقال عن الإيدز ينطبق على كوارث إنسانية أخرى، فما زالت عدة أمراض تفتك بمجموعات هائلة من البشر وهناك أمراض أخرى عادت بعد أن اختفت من على ظهر البسيطة، وذلك مؤشر على قصور في المتابعة والاهتمام من قبل الدوائر العلمية الطبية ربما يعود بشكل ما إلى الأولويات التي تضعها مختلف الدول والتي تركز على التسليح والأمن وتهمل بشكل كامل مجالات العلوم والطب. ومن الصعب تغيير توجهات الدول وأولوياتها، لكن من المهم أيضا أن يتم تسخير جانب من المجهود الكبير المبذول في سباقات التسلح والإمكانات الضخمة التي يتم إهدارها في هذا المجال من اجل تحسين وسائل الحياة لدى عدة مجتمعات إنسانية ما زالت تكبها ثلاثية الجهل والفقر والمرض. وعلى الرغم من أنه تبذل جهود جماعية دولية تجاه أزمات وقتية كالزلازل والفيضانات، فان الحاجة تبدو ماسة لإقامة كيان دولي فاعل لرصد مناطق الأخطار ووضع السياسيات والتدابير التي من شأنها التخفيف من وقع الكوارث، فكارثة تسونامي التي حدثت قبل أربعة اشهر كادت أن تتكرر قبل يومين في ذات المناطق التي لم تتعافَ بعد من آثار الكارثة الأولى ما يشير إلى قصور في المعالجات كان يمكن تلافيه إذا تحرك المجتمع الدولي بصورة أكثر جدية ولو كان هناك مثل ذلك الكيان الفاعل الذي يتابع ويعالج ويقترح السبل المثلى للعمل. إن تخصيص أموال مقدرة في البحوث العلمية والطبية لمواجهة الأمراض فضلا عن تخصيص إمكانات معقولة للتعامل مع مختلف الكوارث سوف يفتح آفاقا واسعة للعمل الجماعي وستتذوق مختلف الدول معنى أن تسهم بأموالها وجهودها في انتشال مجتمعات بأكملها من أزمات مميتة، كما أن من شأن ذلك ربما توجيه الاهتمامات من الرغبات الجامحة في الهيمنة والاستغلال إلى ميادين أرحب من العمل النافع.
|