هناك العديد من الخبرات والثقافات المتعددة التي يكتسبها الإنسان على مدار سنوات العمر. ومن الوسائل التي يمكن بها نشر تلك الخبرات إلى العالم والتعبير عن الرأي الشخصي في أي من هذه الثقافات هو (الصوت) الذي ندير به حوارات المعرفة والعلم. ولكن يحضرني سؤال هنا هل الحوار يعد ساخناً وشيقاً بقيمة ما يحمله من ثقافة ورأي صريح جريء؟ أم يكون ساخناً بانعدام الفكر ورفع الصوت المفتعل؟. إن المجتمع الإيجابي هو ما يكون الحوار فيه بناءً هادفاً وبه تخرج الطاقة الكامنة ليصل المتحاورون لما فيه منفعة للمجتمع. ما رأيكم بالتجول في إحدى حدائق الحيوانات المفتوحة في بعض البلدان بالتأكيد سمعتم أصواتاً مختلفة تصدر من الحيوانات كم هي مزعجة تلك الأصوات ومنفرة لإحدى نعم الحواس الخمس وهي (السمع) وخصوصاً كلما ارتفع صوتها. وفي رأيي أنه على قدر حب البعض للحيوانات لكن لا يوجد إنسان على وجه الأرض يحب أن يشبه صوته بصوت الحيوان. قال تعالى {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}. نجد هنا أن الخالق سبحانه وتعالى شبه صوت الإنسان المرتفع بغير حاجةٍ (بصوت الحمار) فعلى أي شيءٍ يدل قوة التشبيه؟؟ لعلك استنبط هذا بنفسك قارئي العزيز وكم شاهدت ذم الله للصوت المرتفع. أحياناً وضمن الانشغال بأشياء عديدة في حياتنا نترك أموراً نعدها صغيرة ولكنها في حقيقة الأمر مساوئها كبيرة وستنتج جيلاً يتخبط في أمور الحياة فاقداً أبسط قواعد وآداب الحوار مع زملائه وأسرته على وجه الخصوص أو العموم. أما القدوة التي نراها من خلال بعض برامج القنوات الفضائية من حواراتٍ عديدة نسمع فيها صوت المتحاورين وقد لا نفهم عما يدور الحوار من شدة ارتفاع أصواتهم، أيضاً لا ننسى نقاشات وحوارات الأزواج التي تتم في (انفعال شديد)!! وهناك الفتيات المتباهيات بالصوت المرتفع على أنه قوة شخصية. وكم من الشباب من يحاول رفع صوته في مجلس ما بغية فرض الرأي بسلاح (قوة الصوت). ولا يعرف أنه بذلك الفعل قد عاد أو عادت الفتيات بنا إلى عصر الجاهلية الذي كانت فيه العرب تفخر بجهارة الصوت وتعتبر من كان أشد صوتاً أعز ومن كان صوته منخفضاً ذليلاً. فأتى الإسلام ونهانا عن الصوت المرتفع الجهوري وإن كان في رفع الصوت خير لما ذم هذا الفعل وشبه بهذا التشبيه. لا أدري هل لو ذكر في فن (الإتيكيت) أن المحادثة والحوار لابد أن يكونا بصوتٍ معتدل لتهافت البعض مسرعاً في تغير نبرة صوته حتى لا يُتهم بالتخلف وعدم مواكبة الموضة. أود لو نحرص على آدابنا الإسلامية المزهرة لتفوح رائحة الحوار الذكي بصوتٍ معتدل بغية الوصول إلى هدفٍ لا للإثارة وزلزلة الأفكار. فلنختبر إذاً أصواتنا بعيداً عن الزجاج حتى لا ينكسر أو يشرخ وألا نكابر في الخطأ محاولين معالجة أصواتنا لا نوافذنا جاعلين القوة فيما نحمل من أفكارٍ بناءة وثقافة بلا حدود لا في ترددات أصواتنا. ولكم ومعكم نستمتع بهذا المثل (أن تلاحق حتى تظل الأفضل خير من أن تبقى قانعاً بالأسوأ). (هنري فان دايك).
|