في مثل هذا اليوم من عام 1927 قام رئيس نيابة مصر محمود نور بحفظ التحقيق في بلاغ الطالب الأزهري خليل حسنين بشأن كتاب طه حسين الشعر الجاهلي. فقد أصدر الدكتور طه حسين، في بداية عام 1926 كتاباً أسماه (في الشعر الجاهلي) تعرض فيه لبعض الموضوعات الحساسة جداً، مما أثار حفيظة الكثير من الناس، وذهب الأمر ببعضهم إلى رفع شكوى، بل رفعت شكاوى إلى النيابة العامة لغرض تقديم مؤلف الكتاب إلى المحاكمة كما أثار ثائرة العديد من الكتاب ورجال الدين، فألفوا كتباً بعينها للرد عليه، وموضوع الكتاب يشبه كتاب (الإسلام وأصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام) للأستاذ علي عبد الرازق الصادر عام 1925، الذي أثار - هو الآخر- ضجة واسعة، لأنه ذكر أن نظام الخلافة جاءت به ظروف الحياة العامة التي استجدت، بعد وفاة الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) ، ولم يكن أصلا من أصول الحكم. إن كتاب (في الشعر الجاهلي) قد أثار ثائرة الناس، فتصدى للرد عليه عدد من الكتاب منهم: محمد فريد وجدي في كتابه: (نقد كتاب في الشعر الجاهلي) وقام الكاتب محمد فريد وجدي بإيراد صفحة من كتاب (في الشعر الجاهلي) وفي الصفحة المقابلة رده عليه. وكذلك كتاب (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) للكاتب محمد الخضر حسين وكتاب (الشهاب الراصد) لمحمد لطفي جمعة وغيرها كثير. وإذا كانت قضية كتاب (الإسلام وأصول الحكم) قد تولت النظر فيها هيئة من علماء الأزهر، وأصدرت قرارها وتولى الدكتور محمد عمارة، تحقيق المحاكمة وحيثياتها ودفاع المتهم، ونشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت بطبعتها الأولي عام 1972، فان الدكتور طه حسين رفعت قضيته إلى النيابة العامة بمصر. وقد دلت حيثيات القرار الذي أصدرته النيابة العامة ممثلة بالسيد محمد نور رئيس نيابة مصر على ما يتميز به محمد نور من فكر نير ورأي حصيف، وأبان أنه قارئ جيد، اطلع علي الكثير من المعارف والعلوم، لذلك ناقش طه حسين في آرائه الواردة في كتابه وأفحمه في مواضع متعددة، لا بل في كل المواضع المجادل فيها، ورجع في مناقشاته إلى المصادر العديدة منها كتاب (طبقات الشعراء) لأبي عبد الله محمد بن سلام الجمحي، إذ إن الدكتور طه حسين أورد قولاً مشهوراً لأبي عمرو بن العلاء مفاده: (ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا) في محاولة منه للدلالة علي أن الشعر الجاهلي لا يمثل الحياة الدينية والعقلية عند عرب الجاهلية، وأن هذا الشعر بعيد كل البعد، عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه، إلا أن الأستاذ محمد نور يصحح ما ذكره طه حسين، من خلال رجوعه إلى كتاب (طبقات الشعراء) فينص على أن ما قاله أبو عمرو بن العلاء هو: (ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا) ، ولا يخفى على الباحثين أن أبا عمرو بن العلاء هو أحد القراء السبعة للقرآن الكريم. ولم يقف رئيس النيابة عند هذا الحد، وهو القارئ المدقق لما في بطون الكتب وصولاً إلى الحقيقة التي هي رائده فيقول (وقد يكون للمؤلف مأرب من وراء تغيير النص).
|