Sunday 10th April,200511882العددالأحد 1 ,ربيع الاول 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

شيء منشيء من
نحو مراكز علمية لمكافحة الإرهاب
محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ

الإرهاب لا دين له ولا قيم ولا أخلاق. هو شذوذ على الأديان كلها، بل هو خروج على الإنسانية التي ما أرسل الله الرسل إلا لهدايتها. وعندما يتأدلج الإرهاب، ويحاول أن يمتطي المقدس، ويجعل من قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم حصناً يتحصن فيه، ودرعاً يتدرع به، تتضاعف مخاطره، وتنتقل خطورته من الخوف على الأرواح والأهل والذرية والممتلكات إلى الخوف على العقيدة. وهذا تماماً ما يجد الإنسان السعودي نفسه فيه.
وأنا لا أدري أن القضية هنا هي قضية فكر (مجرد)، كما يصر الكثيرون، ففي ظني أن القضية تأخذ أبعاداً (نفسية) عصابية في الدرجة الأولى، وأبعاداً تربوية اجتماعية في الدرجة الثانية، أنتجتا بالتالي هذا (الفكر) الديني المضطرب، الذي لا أحتاج إلى دليل لإثبات أنه يختلف مع مبدئيات الأديان، وعلى رأسها الإسلام. لذلك فإن مكافحة هذا الفكر يجب أن لا تقتصر على التوعية الدينية، ولكن يجب أن يتولاها إضافة إلى رجال العلم الشرعي متخصصون نفسيون واجتماعيون، لهم خبرة ودراية وتخصص علمي بكوامن النفس البشرية، وكيفية الوصول إلى العلة النفسية، وتشخيص المرض علمياً، ثم التعامل مع مثل هذه (الطامة) من هذه المنطلقات العلمية التجريبية.
ويجب أن لا نغفل أن منظريهم، وكبار أساطينهم ليسوا كلهم جهالا، وإنما هناك طلبة علم شرعي بينهم، وبعضهم يحمل في تخصصه درجات علمية عليا. الأمر الذي يجعلنا نحكم بدءاً أن رجلاً بهذا القدر من العلم الشرعي لا يمكن بديهياً أن يخفى عليه مثلاً أن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق من أكبر الكبائر، بل ذنب يكاد أن يقترب من الشرك بالله في الإسلام. فمثل هذه المبادئ لا تخفى حتى على العامة، فكيف بطلبة العلم !!.
إذن فالقضية ليست هنا قضية (جهل وعلم) حتى يتقصر علاجها، والتصدي لها على العلماء الشرعيين، وإنما هي قضية مرضية نفسية مركبة، تختلط فيها التربية، بالسلوك الموروث والسلوك المكتسب، وبالبيئة التي ترعرع فيها هذا الإرهابي، وأخيراً بالشخص ذاته (الأنا)، وبالعوارض التي تعرض لها هذا (العصابي) منذ طفولته وحتى تكونت قناعاته وشخصيته ووصل إلى (تكفير) المسلمين وإباحة دمائهم. مثل هذا النسيج النفسي المعقد يحتاج لكي نسبر أغواره وأبعاده وبواعثه وتراكماته إلى (طالب علم) نفسي وليس طالب علم شرعي. وإلى علماء ومتخصصين في علم الاجتماع، قادرين على دراسة البيئة التي نشأ فيها هؤلاء المنحرفون، وتفكيك مكوناتها، وإضاءة زواياها المظلمة، وصولاً إلى الأسباب والدواعي التي جعلتهم في النهاية يكونون ذوي استعداد نفسي وعقدي للقيام بهذه الأدوار الإجرامية.
وقد لفت انتباهي أحد منظريهم الشرعيين، ممن قبض عليه في عملية الرس الأخيرة. هذا الرجل كان لا يمل من إصدار الفتاوى والتحريض على مقاومة رجال الأمن، واحتساب الأجر عند الله كما كان يقول، وتفضيل الموت في (سبيل الله) على الحياة. وعندما طوقت قوات الأمن وكرهم في مدينة الرس، ورأى الموت الزؤام يقترب منه وأصحابه شيئاً فشيئاً، تشبث بالحياة، وانقلب على فتاويه، وهرب من المواجهة وسلم نفسه إلى رجال الأمن، وترك من كان يسوغ لهم أعمالهم وإرهابهم من منطلقات شرعية يواجهون مصيرهم المحتوم الذي كان يشجعهم عليه. ولا أحتاج إلى دليل لإثبات أن هذا الإنسان، بغض النظر عن علمه وتعليمه، كانت تسيطر عليه في تصرفاته وأقواله وفتاويه (نفسية) مأزومة مريضة مضطربة ومتناقضة، بقدر ما تحمل من الجرأة في التقول على الله، تحمل في الوقت ذاته قدراً كبيراً من الجبن والخوف والارتباك والانهزامية.
من هذه المنطلقات، واستناداً على هذه الحقائق، فإن مكافحة هذا (الوباء) لا يتوقف عند مكافحة أساطينه، ودعاته ومنظريه من منطلقات علمية شرعية فقط، وإنما يجب أن يأخذ الجانب العلمي النفسي والاجتماعي المتخصص دوره ومداه أيضاً.
لذلك فلابد من العمل على إيجاد (مراكز) دراسات نفسية واجتماعية متخصصة، على شكل مؤسساتي، تكون مؤهلة وقادرة على متابعة ورصد هذه الظاهرة، والبحث فيها، وتلمس أسبابها. ومثل هذه المؤسسات يجب أن تكون (خارج) الإطار البيروقراطي للدولة، وخارج أنماطها الروتينية، تنحصر مهمتها الأساسية في دراسة هذه الظاهرة ومتابعتها عن كثب، خصوصاً في مؤسساتنا التعليمية، التي أصبحت - للأسف - مفرخة لتفريخ هؤلاء الإرهابيين، من خلال استغلال أزماتهم النفسية والاجتماعية لتحويلهم إلى مادة للإرهاب.
كما أن مثل هذه المراكز المتخصصة ستوفر لنا الكثير من (المفاتيح) لتفكيك أسباب وبواعث الكثير من مشاكلنا ذات الطابع النفسي والاجتماعي، كظاهرة المخدرات مثلاً التي لا تقل خطورتها الاجتماعية على المدى البعيد عن ظاهرة الإرهاب المؤدلج.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved