Sunday 10th April,200511882العددالأحد 1 ,ربيع الاول 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"دوليات"

نذر الانتخابات البريطانية «1-3»نذر الانتخابات البريطانية «1-3»
الضرائب ليست هاجس الناخب البريطاني
المحافظون تاريخ يستحق الخسارة والعمال واقع تنكّر لمبادئ الفوز

  * تحليل - ميرغني معتصم :
اعتمد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يوم الخامس من مايو القادم، موعدا للانتخابات العامة في البلاد إثر لقاء مع المملكة اليزابيث الثانية، وكانت وفاة البابا يوحنا بولس الثاني قد أرجأت إعلان هذا الاعتماد، وتضمن اجتماع رئيس الوزراء مع المملكة اليزابيث، طلباً يتضمن حل مجلس العموم توطئة لانطلاق الحملات الانتخابية التي بدأت فعلاً مستبقة بذلك التدشين الرسمي وإعلان بلير.
وقد أظهرت اربعة استطلاعات للرأي نشرت مؤخراً، ان حزب العمال متقدم على حزب المحافظين بنسبة تتراوح بين الـ 2 بالمائة والـ 5 بالمائة.
اما حزب الليبراليين الديمقراطيين فيأتي في المركز الثالث متخلفاً عن المحافظين بما يقارب الـ10 الى الـ16 بالمائة. غير ان احد هذه الاستطلاعات ذكر ان المحافظين متقدمون على حزب العمل بنسبة 5 بالمائة لدى فئة الناخبين التي من المؤكد مشاركتها في الانتخابات.
وتأتي هذه الانتخابات في ظروف بالغة التعقيد تطال المشهد السياسي البريطاني، فمنذ الحرب على العراق في مارس 2003، وصورة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، تتعرض للاهتزاز بين مرحلة واخرى، فلا يكاد يخرج من مأزق حتى تلحقه منزلقات اخرى، والمعارضة الحزبية والشعبية القوية دفعت بلير وكوادر حزبه الى الوقوف في خندق المناورات الكلامية داخل مجلس العموم، اذن، صعبة هي الخيارات امام العمال وعصية على المحافظين ومستحيلة امام الليبراليين الديمقراطيين، فكيف تنجلي ؟
يتكئ المواطن البريطاني على منظومة اجتماعية اختصتها الظروف السياسية بضرب من الازدواج بين حال امرها المعيشي، وبين سلم القيم التاريخية والرصيد الانتهائي الحزبي، وفي ابعادها التمحيصية، أي جدلية التاريخ والانتماء، هي من ذلك النمط الذي يحرص، كأشد ما يكون، على الا تنحدر ولو درجة واحدة من سلم قيمها التاريخية هذه، بيد انها وهي في اخصب دورات مجدها (ذاك)، فعلت دون عفوية استقراء واقع تطبيقي تجاذبته مسارب مصالحية عدة، على محيط بريطانيا المحلي، أو على صعيديها القاري ثم العالمي.
ما يعتمل على الساحة البريطانية، وهي تستشرف انتخاباتها العامة في مايو المقبل، هو ذات التناول من جانب الاحزاب الرئيسة في البلاد، أي اجترار لاوتار اكثر حساسية في وجدان المواطن الذي الفت اذنه اشكاليات البطالة والتعليم والصحة والضرائب، أمور باتت تؤرق كلما قرعت اجراس الانتخابات العامة.
وحين أظهر استطلاع الرأي الذي أجرته شركة (يوجوف) للأبحاث الاسبوع الماضي، ان توني بلير سيخوض معركة عسيرة لتحسين صورته التي تشوهت بسبب وقوفه الى جانب الولايات المتحدة في حربها ضد العراق من اجل ضمان فوز حزبه في هذه الانتخابات.
وفي هذا الاطار يمكن تفسير استضافته مؤتمرا حول القضية الفلسطينية بمشاركة اعضاء اللجنة الرباعية الدولية وعدد من دول المنطقة.
فمن خلال هذا المؤتمر يريد بلير ان يظهر بمظهر المهتم بالسلام في الشرق الاوسط ليمتص النقمة المتزايدة ضده بسبب المآسي التي نجمت عن مشاركته في غزو العراق.
ويرى الكثير من الدبلوماسيين ان احداث السنوات الاربع الماضية بما فيها الحرب على العراق لم تحقق أي مكسب لا لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير ولا للرئيس الامريكي جورج بوش ومن هنا يسعى الرجلان الى تكريس جهودهما على حل النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي لتحسين صورتيهما داخليا وعالميا.
ويرى بلير في اعطاء زخم لمحاولات تسوية هذا النزاع فرصة مناسبة لمحو صورته المشوهة عن الاذهان والتغطية على اخطائه السابقة من اجل ضمان فوزه في الانتخابات البريطانية القادمة.
وعلى صعيد حزب المحافظين المعارض الذي يسعى لاستعادة امجاده، يبدو ان زعيمه مايكل هوارد، فشل في محاولة وضع حد للاضطراب الذي شهده حزبه، اثر القرار الذي اتخذه بإقالة نائبه هوارد بلايت من هرم قيادة الحزب ومن قائمة المرشحين البرلمانيين لحزب المحافظين.
وذكرت مصادر علمية، ان الازمة التي سببتها تصريحات لبلايت حول عزم المحافظين تخفيض الانفاق الحكومي العام بنسبة كبيرة، استفحلت بعد ان طالب ناشطو الحزب المحليون في الدائرة الانتخابية التي يمثلها بلايت بالاجتماع معه قبل تنفيذ أي قرار بعزله. واوردت هذه المصادر قول هوارد انه غير نادم على قرار عزل بلايت، لكنها نقلت ايضا عن ديفيد ميلور احد وزراء المحافظين وصفه الطريقة التي عامل بها هوارد السيد بلايت بأنها (شنيعة وقاسية وعديمة الرحمة) مضيفاً ان هدف هوارد الوحيد من هذا الفعل لم يكن سوى محاولة (اقناع الناخبين بأنه زعيم قوي).
ويطل التساؤل الذي ما برح ينبثق تمحيصاً منذ ان اعتلى العماليون سدة الحكم، والذي بدت الاجابة عنه ضرب من التنجيم السياسي، وهو:
ما الذي انجح العمال وأسقط المحافظين في الانتخابات التي شهدت ابتعادهم عن سدة الحكم؟ يميل المتعاطفون مع حزب المحافظين الى تبرير ذلك بسببين رئيسيين، وهما لا شك عاملان مهمان من مجموعة من العوامل، اما الأول، فهو ان الناس كانوا يرغبون بالتغيير فقد حكم المحافظون ما يقرب من ثمانية عشر عاما، وهذا ما لم تتعود عليه المجتمعات الديمقراطية، بل وتأباه آلية التجديد الذاتية في العملية الديمقراطية التي تتطلب تداولا للسلطة كل حين، مما يبقي روح التنافس والتفاني في خدمة الأمة، ولعل ذلك من الآليات التي يؤدي الإخلال بها كما هي الحال في الأنظمة الدكتاتورية، إلى ركود وفساد كبيرين.
أما السبب الآخر فهو عدم قدرة زعامة حزب المحافظين على ضبط الحزب واحتواء الخلافات بين رموزه وسياسييه، وخاصة فيما يتعلق بالسياسة تجاه دور بريطانيا في المجموعة الاوروبية، ولذلك خرجت مجلة الايكونوميست في عددها السابق للانتخابات الشهيرة على قرائها بغلاف كتب عليه
(المحافظون يستحقون الخسارة، والعمال لا يستحقون الفوز)
ان جماعة ممزقة، بلغت قيادتها حدا من الضعف لا تتمكن معه من الزام اعضائها بسياسة موحدة تجاه قضية خطيرة كقضية العملة الاوروبية الموحدة، فعلا لا تستحق الفوز، وفي ذلك عبرة لمن يعتبر.
أما الاسباب الاخرى التي يرى بعض المحللين انها افقدت المحافظين اهلية الفوز، فتتضمن ما يوجه لحكومة جون ميجور من تهم بالتقصير في محاسبة المتهمين بالفساد من اعضاء حكومته او فريقه النيابي، وربما لم توجه الى حكومة حزبية حزمة من التهم بالفساد بحجم ما وجه لحكومة المحافظين منذ اعادة انتخابها عام 1922، وأخطر تهم الفساد هي التهم المالية، تأتي بعدها تهم الفساد الأخلاقي، وتأتي ضمن هذه المجموعة من الاسباب اتهام حكومة المحافظين بأنها اخلت بأول وعد قطعته على نفسها في الحملة الانتخابية السابقة لانتخابات 1992 وهو التعهد بعدم رفع الضرائب، ولا مبالغة في القول بأن وقع الضرائب على المواطن البريطاني يكاد يكون اشد هولا من اعتى الامراض الفتاكة.
وقد ظل العمال طوال الفترة السابقة يذكرون المواطنين بأن المحافظين كذبوا عليهم مرة وسيكذبون عليهم ثانية، ولذلك فهم لا يستحقون الثقة وإعادة الانتخاب.
هذه هي أسباب خسارة المحافظين، فلماذا نجح العمال؟ يميل البعض الى ترجيح رغبة المواطنين في معاقبة المحافظين كعامل اساسي لنجاح العمال بهذه النسبة الهائلة وحصولهم على اغلبية مريحة ندر مثيلها إلا ان الرغبة في معاقبة المحافظين- رغم ترجيح صحة هذه الفرضية - لم تكن كافية وحدها فأن يسلم البريطانيون انفسهم للعمال بعدما سئموا في السابق اشتراكيته وتحكم النقابات العمالية به ليس بالأمر الهين، وما كان ليحصل لولا ان حزب العمال الجديد - كما يوصف الآن - هو فعلا حزب جديد، تخلى عن كثير من مقولاته السابقة، بل يرى البعض انه اقترب كثيرا من حزب المحافظين، لم يبدأ هذا التغيير في عهد الرئيس الحالي للحزب توني بلير، وانما بدأ قبل ذلك بوقت طويل، إلا ان البريطانيين لا يقتنعون بسهولة، ولهذا خسر العمال في انتخابات 1992، ثم ما لبث ان نجح توني بلير بحيويته وشبابه وحماسته، وبما مارسه من علاقات عامة على كافة الصعد، من اقناع الناخبين بأن حزبه اصبح بديلا معقولا، او كما يفضل بعض المحللين وصفه بأقل البدائل سوءا، بمعنى آخر، حينما انتخب البريطانيون حزب المحافظين في انتخابات 1992 كان المحافظون وقتها هم الاقل سوءا، وقد يكون من مؤشرات التغير التي اقنعت الناخبين بتغير العمال ما طرأ من تغير في العلاقة - التي كانت عضوية في السابق - بين الحزب والنقابات، ليس على مستوى الخطاب فحسب بل على مستوى السياسات والاحكام الضابطة لهذه العلاقة حتى اعتبر ذلك بمثابة تقليم اظافر للتيارات اليسارية الراديكالية سواء داخل الحزب أو داخل النقابات ومن المؤشرات ايضا: انفتاح الحزب، وخاصة زعيمه، على اوساط المال والصناعة، وحرص الحزب على طمأنة اصحاب رؤوس الأموال، في نفس الوقت الذي كان يتوجه فيه الى عامة الشعب بوعوده لتحسين الخدمات التعليمية والصحية التي يتهم المحافظون بإهمالها خلال فترة حكمهم.
أما العامل الثاني، فهو قدرة زعامة حزب العمال - وذلك على النقيض من وضع المحافظين - على ضبط منتسبي الحزب وتوحيد الرأي تجاه مختلف السياسات، فبدا الحزب قويا متماسكا ملتفا حول قيادته ملتزما بخطها في حين بدا منافسه - حزب المحافظين - ممزقا متصارعا ومنشغلا بنفسه عن القضايا الملحة لعامة الناس.
ولا شك ان من العوامل المهمة موقف العمال تجاه مطالب أهل مقاطعتي اسكتلندا وويلز مقارنة بمواقف المحافظين فهؤلاء لم يكن لديهم الاستعداد للنظر حتى في الحد الأدنى من المطالب وهي إجراء استفتاء على الوضع في المقاطعتين، بينما وعد العمال بإجراء ذلك حال وصوله الى السلطة، ووعد بالسماح بانتخاب مجلس برلماني محلي في كل من اسكتلندا وويلز، ولعل هذا ما يفسر خسارة المحافظين كافة مقاعدهم في المقاطعتين، والتي ذهب بعضها للعمال وبعضها الآخر للأحرار الديمقراطيين والبعض الآخر للأحزاب القومية المحلية.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved