لا شك أن التعامل مع الناس على مختلف اتجاهاتهم وميولهم وعملهم يحتاج إلى شيء كبير من الاهتمام والحكمة، ذلك لأن الاستطاعة والمقدرة على معاملة الناس جزء كبير من الحكمة.. قال تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}، ولقد خرج الحكماء من مشاهداتهم وملاحظاتهم بسيل واسع من الفصول الطويلة والكتب المختلفة تقوم كلها على فكرة أساسية هي أن الناجحين في ميدان العلاقات الإنسانية الظافرين بحب الناس ومعاونتهم هم أنفسهم يحبون الناس ويتوددون إليهم ويحاولون بشتى السبل قضاء حاجاتهم والاستماع إلى مشاكلهم ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم وأن يعاملوهم بمثل ما يحبون أن يعاملوا.. سأل حكيم أولاده الثلاثة السؤال التالي: كيف ترون الناس؟ أجاب الأول: مثل الحشرات، وأجاب الثاني: لا شيء، وأجاب الثالث كالجبال، فقال الحكيم لأولاده الناس يرونكم يا أبنائي مثلما يراهم كل واحد منكم.. لذا فإنني في مثل هذه العجالة الشديدة بحاجة إلى تذكرة القراء بأسس العلاقات الإنسانية، خاصة إذا ما أردنا أن ننقل ما عندنا من خير إلى الناس، والمقصود بالخير هنا هو دين الله سبحانه وتعالى، الذي نود له أن ينتشر بينهم، وإذا كانت هذه الرغبة كذلك فلابد من وجود فن للتعامل مع هؤلاء الناس، ليستقبلوا ما نقول وما نوصي به وما نتحدث به وكي نصل إلى الهدف المنشود لا بد أن نظهر اهتماماً بالناس بدلاً من حملهم على الاهتمام بنا نحن، ولعل من أبرز مظاهر هذا الاهتمام هو بدء السلام بالقول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فأي شيء يتوقعه إنسان منك بعد أن تطمئنه على نفسك بأنك مسالم له، ثم يأتي بعد ذلك البشاشة أثناء المقابلة وهي أهم من تقديم الطعام والشراب، وقد ضرب في ذلك أمثلة تُردد، وأعمق من هذا كله هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وفي الحديث الآخر: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)، ويضاف إلى الاهتمام بالناس أن نضع أنفسنا في خدمتهم ونساعدهم وندلهم على الخير ولو بأقل ما يمكن، وذلك أثناء السؤال عن شارع أو دائرة أو خلاف ذلك، فإذا فعلنا ذلك كنا أهلاً لمحبتهم، وفي الحديث الشريف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (جبلت القلوب على حب من أحسن إليها)، كما رغب الرسول صلى الله عليه وسلم في قضاء حوائج الناس حيث قال: من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، كما أن حسن الخلق من المظاهر المهمة في التعامل مع الناس وهو باب واسع كبير في تعاليم الدين الإسلامي، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خلقاً وقد حث على ذلك بأحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً وخيركم خيركم لأهله)، ولقد حث القرآن الكريم على العفو والصفح ووعد أصحابه بالمغفرة، قال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}. ومن حسن الخلق الرفق واللين والعطف على المساكين وهذه الأشياء أقوى من العنف والشدة في الوصول إلى قلب الإنسان في حين أن العنف والشدة أو الغلظة تنفر الناس من صاحبها مهما حمل كلامه من منطق، وفي هذا الموضوع أشياء كثيرة لا يسمح المجال لذكرها.. أما توقير الكبير فهو من أهم مظاهر الاهتمام بالتعامل مع الناس إذ إن توقير الكبير من الناس وأهل الفضل منهم وإنزالهم منازلهم والعطف على صغيرهم، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: (ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه)، كما أن إظهار المحبة من مظاهر الاهتمام بالناس، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم المحبة من الإيمان، فقال في الحديث: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم)، ولقد اهتم علماء النفس بفن التعامل مع الناس وقاموا بدراسات مختلفة عنه واستطاعوا من خلال معرفتهم واستقرائهم لطبائع الناس وسلوكهم أن يضعوا بعض قواعد هذا الفن فتحوّل إلى علم وأصبح هناك مادة تدرس في الجامعات وهي مادة العلاقات الإنسانية ويتخصص بها مجموعة من الناس ويدخلون بهذا التخصص إلى بعض الدوائر الحكومية والخاصة، فنحن نرى في كل دائرة إدارة للعلاقات العامة تشرف على علاقات هذه الدائرة مع الأفراد والجهات الأخرى بالإضافة إلى وجود الدورات التي تقام في معهد الإدارة العامة للموظفين، كما أن هناك دورات للدبلوماسيين أيضاً كي يكون الموظف ملماً بهذا الفن في معاملة الناس، مما جعل علماء العلاقات الإنسانية يهتمون بهذا المجال اهتماماً متميزاً ومستمراً، وإذا اطلعنا على ذلك نجد أن هذا الموضوع ليس أمراً جديداً، فقد اتضح ذلك في تعاليم الدين الإسلامي منذ القدم، لكنني في هذه العجالة السريعة أحب أن أكرر تذكيري ببعض أسس العلاقات الإنسانية والتي لم أذكرها في مقدمة المقالة ومنها: - إظهار محبة الناس، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم: جعل المحبة من الإيمان إلى آخر الحديث، وكذا حث صلى الله عليه وسلم على إفشاء السلام.. وللأسف الشديد أن هذه الصفة شبه مندثرة بين الناس في الوقت الحاضر فتجد بعضهم يدخل مكاناً ولا يؤدي التحية، وربما يتلاقى الاثنان في الطريق ويضرب أحدهم كتف الآخر ولا يؤدي تحية الإسلام. إن هذه التحية هي مفتاح الخير للجميع بين الناس وتحابهم وتوادهم فليحرص كل منا على تأديتها في كل وقت ومكان وزمان لما لها من أهمية كبيرة في تنمية العلاقات الإنسانية بين المسلمين، ومن العادات الطيبة التي تُنمي العلاقات الجيدة بين الناس أثناء تعاملهم هي الإنصات أثناء الحديث وعدم مقاطعة من يحدثك وأن تكون مستمعاً طيباً، والغريب في ذلك أن تفشي بين الناس المقاطعة في الكلام أثناء الحديث فإذا لم تقاطع أحداً في الحديث اتهمك بعدم الاهتمام به ولكن الواقع يفرض الاستماع لحديث المتكلم لاستيعابه وفهمه والرد عليه إذا كان يحتاج إلى ذلك أو فهمه أو نقله وما شابه ذلك، لاسيما إذا كان الإنسان يحدثك عن مشاكل خاصة به، فعليك الاستماع جيداً والتفاعل معه في مشكلته حتى لو لم تكن مقتنعاً بها كي تكسب وده ومحبته وصداقته، إضافة إلى دخول هذا الموضوع في باب التواضع وخفض الجناح لأخيك المؤمن إلا أن الذي أحب أن أنوّه عنه هو عدم الاستماع لأي إنسان كان إذا كان حديثه محرماً، واستمراراً للحرص على معاملة الناس بأسلوب إسلامي طيب عليك أخي القارئ البعد عن الجدال وذلك لاجتذابهم إلى وجهة نظرك فالجدل لا يؤدي إلا إلى خصومة ونفرة وكراهية، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدال بقوله: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدال) وترك الجدال هو الاعتراف بالخطأ إذا كنت مخطئاً، لأن ذلك فضيلة ويؤدي إلى احترام الآخرين لك، إضافة إلى أن من باب التواضع الذي حث عليه ديننا الإسلامي وزيادة على ما ذكر احترام آراء الناس ومحاولة النظر إلى الأمور بمنظارهم فلعل تمسكهم بآرائهم التي تعتقد خطأها بسببه عدم إحاطتهم بالأمر كاملاً. أما حفظ أسماء الناس فهو شيء ضروري ومهم، وذلك لمناداتهم بها أثناء ملاقاتهم، فكم من حرج تكون به إذا نسيت اسم من قابلك وسلّم عليك وسألك عن أحوالك وأنت لا تعرف اسمه وتخجل من سؤاله عن ذلك، لأن الناس يحبون أسماؤهم وإن كان فيها شيء من الغرابة أحياناً، حيث إن اسم الإنسان قد ارتبط به منذ ولادته وقد تعلّق به منذ أن بدأ يدرك الأشياء من حوله، إضافة إلى ذلك الابتعاد عن مناداة الناس بألقابهم التي يكرهونها، كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (سورة الحجرات، 11). وفي ختام هذه العجالة أتمنى من الله العلي القدير أن يكون المسلمين أخوة متحابين متعاطفين متآلفين، وأن يسود الوئام بينهم بدلاً من الخصام والبغضاء والشحناء، وأن نكون وإياكم من المحبوبين بين خلقه؛ لأنه متى ما أحب الناس الشخص فهو دلالة إن شاء الله على محبة الله له سبحانه وتعالى.
(*) الحرس الوطني - الشؤون التعليمية - الرياض |