كان أبو عبدالعزيز رغم مرضه العضال عصيا على الانهزام! إذ ظلت روحه متوهجة رغم ذبول بدنه المنهك! أكثر ما يسعده حينما يكون بين ضيوفه! فترى ثغره لا يفتر عن ابتسامة يوزعها ذات اليمين وذات الشمال!وهكذا ظل شعلة تتوهج حتى أيامه الأخيرة! وحينما أكون في ضيافته تنساب في خاطري حزمة من الأسئلة: هل هذا الذي أمامي يعلم أن أيامه معدودة؟ أم تُراه يجهل أن مرضه الذي هو فيه يرسم لوحة الحزن القادم؟!لقد كانت روحه وجسمه في صراع طويل طيلة أيام مرضه! فمن يرى ذلك الجسد النحيل يقطع أن المرض الخطير ينخر في عظامه! ومن يسامره ويحادثه ويأنس بروحه المتألقة يحسب أنه أصح الناس وأكملهم عافية! وفي أيامه الأخيرة حينما تشتد عليه نوبات الألم يدخل إلى المستشفى بضعة أيام ثم يحدوه الشوق إلى بيته الصغير، فيتظاهر بالشفاء ويتحامل على نفسه ليرى أولاده وزوجته! فيخرج وهو يعاني بين جنبيه ألماً لو كان نصفه على جمل لأقعده! كان -رحمه الله- يلتحف بالصبر العظيم رغم وجع المرض الطويل! ولا أزال أذكر عجب من يزوره من أحبابه وزملائه! فلا يسمح لهم أن يسألوه عن حاله! بل يبادرهم بالسؤال عن حالهم وأخبارهم! فكأنهم المرضى وهو المعافى! و(ما أعطي ابن آدم عطاء بأوسع من الصبر)! وإني لأحسب أنه نال من الصبر أوفاه وأرجو أنه نال من الأجر بغير حساب (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) لقد كنت حينما أزوره في منزله - أيامه الأخيرة - أرى كل شيء حوله - من متاع - يذكرني بموعد الرحيل! فهذه (نظارته) متربعة فوق الطاولة، وهذا عقاله في زاوية الغرفة، وتلك غترته معلقة على سارية عند الباب، أتأملها وأطيل النظر فيها، فكأني أراها كلها مسكونة بالهم والضيق، تلوذ بالحزن وتعد الأيام لموعد الفجيعة! بل لا أكون مبالغاً إذا قلت: إنني في بعض زياراتي له كأنني أشم رائحة الموت التي ستفوح في المكان بعد أيام أو سنوات! فأتخيل أنه ليس بينه وبين الرحيل إلا أن روحه تطوف في زوايا الغرفة لتبحث عن مخرج! عندها أتخيل رحيله عنا، وغيابه السرمدي فأحبس في نفسي لوعة حارة تكاد أن تفضحني بعبرة تتراقص على شفتي! كذا حالي حتى يتحدث (أبو عبدالعزيز) أو يضحك! وما ان يفعل ذلك حتى يروح عني ما كنت أحبسه في صدري! وأقول في نفسي: يا إلهي متى يستسلم هذا الرجل لمرضه كما استسلم الآخرون؟! لا أشق على الإنسان حينما يقال له: إنك قد تصافح الموت بعد أيام أو شهور! والمرض الخطير دوماً يجعلنا نتهيأ للعزاء في حامله!! كذا حال الكثيرين! أما أبو عبدالعزيز فلم يكن من هذا النسيج البتّة! فكأنه يرى أن المرض الخبيث معركة ليس بالضرورة أن تكون خاسراً فيها! فظل مذ أول يوم تسلل المرض إلى جسده يقاوم ويناضل! فلم يستسلم أو يهادن! فكان يستمتع بالحياة وجمالها، وكأنه ثلاثيني مفتول القوى، فتراه يوماً (متمشياً) في مزرعته البعيدة عن منزله! وفي آخر ينصرف لعائلته الصغيرة ليقضي معهم بعض أيام العمر الباقية! كذا حاله كان حتى زفر آخر نفس في حياته ليعلن بعدها نهاية الملحمة! إن أكثر ما يثير عجبي في هذه القامة عصاميته المتناهية! فلم يكن ممن يستهويه استدرار عطف الناس ورحمتهم! حتى في رحلته العلاجية (الأخيرة) لأمريكا رفض أن يذهب إلا لوحده رغم علمه بكل تفاصيل مرضه! وأنه قد يموت في رحلته تلك! فذهب ينوء بجسم ضعيف يحتل المرض كل خلية فيه! وجلس أسبوعين لوحده! يعاني ألمين: ألم الغربة وألم الكربة، فكان جسده يضعف حيناً وتنتصر روحه حيناً آخر! حتى عاد إلى وطنه لم يحن جبهته إلا لربه. ذهب أبو عبدالعزيز وخلف بيتاً صغيراً - كان هو فيه ملء السمع والبصر - أودع فيه رياحينه من الدنيا: زوجة صابرة وبنتين مفجوعتين وولدا صالحا مذهولا! وفي الفصل الأخير من (قصة الصبر العظيمة) رفض أن يرحل عنا إلا بعد أن أخرج مشهداً حزيناً حفر في نفوسنا دائرة عميقة من الحزن! ذلك أنه في اليوم الأخير وقبيل الساعة الواحدة ظهراً مرَّ من أمامه حفيده الوحيد ابني (فيصل) فنظر إليه طويلاً ثم ناداه بصوت كليل، فلما اقترب منه احتضنه بين ضلوعه طويلاً! فلتسكن في رحاب الله، ولتهنأ برحمته، وتنعم بجوار أرحم الراحمين، فرحمك الله حياً وميتاً، وعزاؤنا فيك قول من تنعم بجواره (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)أحسن الله عزاءنا وجبر مصابنا، وغفر الله لنا وله.اللهم يا كريم أجزل له من الفضل والرضوان ما أنت أهله، وافتح له من فتوحات الرحمة ما تؤنس بها وحشته، وتبرد بها مضجعه، وتقيل بها عثرته. - (أبو عبدالعزيز) هو محمد عبدالعزيز الدايل، ضابط متقاعد في الجيش السعودي، وقد توفي قبل بضعة أيام في مدينة بريدة إثر مرض لم يمهله طويلاً، فرحمه الله رحمة واسعة.
|