الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: تعتبر التجربة الانتخابية - بمصطلحاتها وأطرها النظامية وممارساتها العملية - تجربة جديدة على مجتمعنا، وتبعاً لذلك فإننا بحاجة ماسة لرفع مستوى.. ثقافة الانتخابات.. بيننا فالناخب بحاجة إلى أن يعرف قيمة صوته وأهمية قراره، بحاجة إلى أن يعرف الأسس التي ينبغي أن يرشح بموجبها، والفرق بينها وبين الأسس الوهمية التي يراد له ان يصوت بموجبها، بحاجة إلى التمييز بين برامج المرشحين الفخرية، وبين قدراتهم الحقيقية، ونواياهم الصادقة. الناخب بحاجة ماسة لمعرفة جواب سؤال مهم هو: ما هو عمل المرشح للمجلس البلدي؟ فإذا عرف الجواب، عرف من يصلح له، ومن يقوى على القيام به. الناخب بحاجة إلى أن يعرف أن دوره لا ينتهي بوضع بطاقة الترشيح في صندوق الاقتراع، وإنما يستمر ليمارس نوعا من الرقابة والمحاسبة لمرشحه الذي صوت له، هل أحسن تمثيله؟ هل أسمع صوته للمسؤولين؟ وهل نفذ برنامجه الانتخابي؟ إن ممارسة هذا الدور كفيل - بإذن الله - برفع مستوى المصداقية عند المرشحين، سواء في طرح برامجهم الانتخابية، أو في الاضطلاع بمهامهم في المجالس البلدية. وبالجملة فعلى الناخب الكريم أن يدرك أن صوته من ذهب، وأن هذا الذهب لا يصلح أن يعطى إلا من يستحقه استحقاقاً حقيقياً، بعيداً عن كل الاعتبارات الجانبية، وبعيداً عن إعارة العقول والتحكم بالأصوات عن بعد. وكما أن الناخب بحاجة إلى جملة من المعارف التي تخدمه في العملية الانتخابية فإن المرشح كذلك بحاجة إلى جملة من المعارف، قبل أن يقدم نفسه للجمهور، كمرشح للمجلس البلدي فهو بحاجة إلى أن يتعرف على قدراته الحقيقية، ومدى مناسبتها للعمل الذي يترشح له، بعيداً عن أي ضغوط خارجية، تؤثر على قناعته بقدراته، أن أعظم الغرور أن يغتر الإنسان بكلام الناس عن نفسه التي بين جنبيه، وهو أعرف الناس بها. كما أن المرشح محتاج إلى معرفة استعداده النفسي للقيام بهذا الدور (عضوية المجلس البلدي) كما ينبغي فقد دلت النظريات الإدارية على أن الاستعداد النفسي والحماس للعمل من أهم أسباب النجاح فيه، فإذا لم يوجد الاستعداد النفسي الصادق والحماس الكبير للقيام بهذا الدور، فقد يكون المرشح غاشاً للناخب، فشتان بين من يرشح نفسه ليخدم بلده، ويسمع أصوات ناخبيه، ويحسن تمثيل من صوتوا له، وبين من يرشح نفسه لتحقيق مصالح شخصية، أو للوصول إلى مكانة مرموقة له أو لغيره. إن المجالس البلدية وجدت لتمثيل المواطن تمثيلاً حقيقياً، يوصل للمسؤولين همومه، وآلامه، وطموحاته، وأحلامه تمثيلاً حقيقياً يجعل المواطن شريكاً في القرار، شريكاً في التخطيط، شريكاً في المعالجة والمراجعة، شريكاً في كل ما يخص مدينته. فهل يدرك المرشح ما يريده منه المسؤولون والناخبون على حد سواء؟ على المرشح ان يدرك ان البرامج الفخرية والوعود البراقة والحملات الإعلامية، ما لم تشفع بعمل دؤوب، أنها ستذهب أدراج الرياح، لقد دلت التجارب الانتخابية التي سبقتنا على أن الذي يفوز بثقة الناخبين في النهاية هو الذي يعمل بصدق واقتدار وأمانة، وقد اختصر فلسفة الانتخابات أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فحينما تولى الخلافة صعد المنبر ليخطب، فارتج عليه، ولم يستطع ان يتكلم، فاعتذر إلى الناس قائلاً: (إنكم بحاجة إلى إمام فعال لا قوال..) ثم نزل. إن الرهان الحقيقي ليس في الحصول على مقعد في المجلس البلدي، وإنما في الحصول على ثقة الناخبين في نهاية الأربع سنوات، وقد قيل: (المهم من يضحك آخراً).. والحمد لله رب العالمين.
إبراهيم بن صالح عبد الله الربدي بريدة: ص.ب 1521 رمز بريدي 51441 |